الصوم في المسيحية ... أهميته وغاياته

( مكتوب : ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكُلِّ كلمة تخرج من فمِ اللهِ ) " مت 4:4"

بالصوم والصلاة والتأمل بكلمة الرب والطعام يحيا الإنسان روحياً وجسدياً . فالصوم في العهد الجديد ليس فريضة رغم تحديد الكنيسة أوقاتاً للصوم ، بل الصوم هو أحتياج يسعى إليه المسيحي بسبب إيمانه . ففي وقت الصوم يجد وسيلة لضبط الأهواء والشهوات لكي تنسجم حياته مع وصايا المسيح الذي يقوده إلى الصلاح والمحبة ، لهذا يجب أن يعزز الصوم بفضائل أخرى لكي تتم الغاية . لفظة ( صوم ) تبدأ بحرف الصاد ويجب أن ترافقها فضائل أخرى تبدأ بالعربية ب حرف ( الصاد ) أيضاً وهي ( صلاة – صفح – صدقة ) أي أربع فضائل تبدأ بحرف الصاد . لا يجوز الصوم عن الطعام لوحده ، لهذا قال الرب بالصوم والصلاة ، لكن الطعام الذي لم نتناوله في وقت الصوم يجب أن نصدقه للفقير ، كما يجب تطهير النفس في وقت الصوم بالصفح لمن أخطأ إلينا لكي يصفح لنا أبانا الذي في السموات ذنوبنا .

في العهد القديم حدد الله أصواماً لأبناء شعبه المختار . ففي سفر زكريا حدد أشهر الصوم وهي ( الرابع والخامس والسابع والعاشر ) وغايتها لتنظيم العبادة في تلك الفترة . كما نقرأ عن الأصوام التي فرضت على شعوبها ، الصوم الذي صامه اليهود في عهد أستير وموردخاي ( أس 4 ) وصوم عزرا ( 21:8) ونحميا ( 1:9) وصوم في زمن يوئيل النبي ( يؤ 2) .

في العهد الجديد لم يحدد المسيح أوقاتاً للصوم ، ولم يأمر تلاميذه للصوم رغم معارضة اليهود له بقولهم ( لماذا يصوم تلاميذ يوحنا ... وكذلك الفريسيين أيضاً ، وأما تلاميذك فيأكلون ويشربون ؟ ) " لو 33:5" فقال لهم ( هل يسطيع بنو العرس أن يصوموا والعريس معهم ؟... ) " مر 19:2" فعلاً بدأ تلاميذه بالصوم عندما صعد العريس إلى السماء وحتى حلول الروح القدس عليهم في يوم العنصرة .

في المذاهب المسيحية الرسولية نجد أصواماً وأعياداً . فالأعياد يستعد لها بالأصوام ، وليس من الأصوام نختمها بالأعياد ، لأن الصوم هو لأستعداد الجسد والنفس للعيد ، وفي العيد يجب أن نتطهر ،  أو للغاية التي نصوم لأجلها . والصوم هو زمن التوبة والمصالحة والفرح ، إنه ليس زمن الحزن لأنه زمن الأرتداد عن الخطيئة ووقت الجهاد ضد الشر . الصوم محبب للنفوس المؤمنة مهما كان ثقله ، أنه أختبار للنفس .

الصوم مستمر منذ بداية المسيحية فكرته وطقوسه نابعة من الكتاب المقدس والتقليد الكنسي ، الغاية منه هي الأبتعاد ما للجسد والبحث عن ما للروح وذلك بالإنشغال في وقت الصوم بالصلاة والقراءات والتأمل والتراتيل وبكل ما يقربنا من الله ، فيه نصوم من الخطيئة أولاً ومن الطعام ونغفر لمن أساء إلينا ، ونكسر خبزنا للفقير ( أش 58:6 ) إضافة إلى الصلاة المرفوعة في وقت الصوم إلى السماء ، والحضور في بيت الرب . كما للصوم غايات صحية للجسد ، عكس ما يضن البعض . نقرأ عن دانيال النبي الذي رفض قوانين القصرالبابلي في تناول طعام وشراب الملك لكي يظهر بأكثر قوة وصحة ومنظر ، لكنه تحداهم بتناول طعام الصوم من البقول والطعام القليل ورغم ذلك وجدوه يوماً فيوماً بمنظر وصحة أفضل من كل الفتيان في القصر . فالصحة هي هبة من الله لأن المؤمن يتناول أيضاً وصاياه أيضاً فيكتمل الطعام الحقيقي . لهذا قيل ( ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله ) " مت 4:4" . فليس الطعام يحيينا ، بل الله يحيينا . كان الرب يسوع جائعاً عندما كان ينتظر تلاميذه على بئر يعقوب فجلبوا له الطعام وطلبوا منه أن يتناول ، لكنه قال لهم ( طعامي أن أعمل مشيئة الذي أرسلني وأتمم عمله ) " يو 32:4"  . فعلينا نحن أيضاً أن نهتم بما للروح قبل أحتياجات الجسد ، كما يجب أن لا نسعى لطلبات الجسد على حساب الروح ، ففي الصوم اختبارات ، لا نمتنع عن الطعام بقدر ما نتناول وليمة دسمة من كلمة الله المقدسة لكي نشبع الروح .  الصوم هو غذاء الروح وبه نرتقي إلى عالم الروح ، وقد لا يحدث أبداً بأي طريقة أخرى ، أي الصوم يرتبط بالصلاة من أجل نتائج أفضل لهذا قال الرب لتلاميذه الحائرين في إستخراج الروح النجس من الإنسان ( هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشىء إلا بالصلاة والصوم ) " مت 21:17" . إذاً بوسع الصوم أن يحدث ارتقاءً سامياً إلى العالم الروحي .

نختصر كلامنا بالقول : يتدرج الصوم بالأمتناع عما يطيب من الطعام ، ثم الصوم على صعيد النفس والسيطرة على الأهواء ، ومن ثم الصوم على صعيد الروح ، حيث يتجلى التأمل الصومي في أعلى مراحله ، أي تتدرج مراحل الصوم ( البداية من إقتراف الخطايا ومن الطعام ومروراً بالأفكار ، ووصولاً إلى الأرتقاء بالروح ) ولا يمكن للمؤمن أن يفضِّل صوماً على صوم ، فكل الحالات واجبة ومفيدة للجسد والنفس ، وعلينا أن نفكر دائما بالصوم ونعيشه لكي نعود إلى الرب بقلوب صافية متذكرين قوله:

( ... ، أرجعوا إليَّ بِكلِّ قلوبكم ، وبالصوم والبُكاءِ والنوحِ ) " يؤ 12:2"

صوماً مقبولاً للجميع

  كتب بتأريخ :  الإثنين 24-02-2020     عدد القراء :  312       عدد التعليقات : 0