هل لكل هذا الهَلَعْ من فيروس

ربما يتذكر البعض ما حصل في الوطن الأم عام 1971 بسبب الحنطة المُعفّرة بالزئبق والتي تم استيرادها وتوزيعها على الفلاحين لزراعتها. لماذ كانت الحنطة معفرة بالزئبق؟ ألجواب كي تمنع الفطريات من التكاثر والنمو وبالتالي يمكن زراعتها بنجاح. لكن ما حصل أن استيراد الحنطة لم يكن في الوقت المناسب لزراعتها مما حذى بالفلاحين لاستهلاكها كطعام لذيذ. والمعروف عن الزئبق أنه من العناصر الثقيلة التي تترسب في أعضاء جسم الإنسان كالجهاز العصبى, الكليتين, ألرئتين, الجهاز الهضمي, والجهاز المناعي, وقد يؤدي إلى الوفاة. وبالفعل ظهرت على عدد من الفلاحين سلوكيات غريبة مع أعراض الإصابة بالأجهزة الجسمية المذكورة آنفاً وأدت إلى الوفاة في حالات كثيرة. تُقدّر الأرقام الرسمية ببضع مئات من الوفيات لكن الحقيقة قد تصل إلى بضع آلاف. إحتار الأطباء في بدء الامر وأشارت أصابع الإتهام إلى الكلاب والقطط كسبب في انتقال تلك الحالات الغريبة عن الوسط الطبي بين الفلاحين مما حفّز السلطات للإعلان عن مكافأة نقدية لكل من يسلّم قطة أو كلباً إلى الجهات ذات العلاقة, وبالفعل تم التخلص من الكثير من الكلاب والقطط السائبة في حينه ولكن بدون جدوى إلى أن تم معرفة السبب الفعلي الكامن وراء ما استجد على الساحة الصحية العراقية عندها بطل العجب.

قد سمع او قرأ البعض عن الموت الاسود الذي يُطلق على مرض الطاعون الذي هاجم العالم وبالذات أوربا للفترة من 1346-1353 وحصد الملايين من البشر بما يقارب 30 مليون أو أكثر, وربما أضعاف هذا االرقم حسب بعض المصادر بما يصل ألى حوالي ثلثين من نفوس أوربا ذلك الزمان والتي احتاجت إلى ما يقارب 200 سنة للعودة إلى نقطة الصفر, التي تختلف عن نقطة الصفر للكاتب الساخر نيسان الهوزي, أي إلى عدد نفوسها قبل اجتياح الطاعون لها. ليس غريباً أن تحل مثل هذه الكارثة الصحية  في زمن تتعايش الفئران فيه مع الإنسان, ولم تكن النظافة الفردية أو الجماعية, في العالم عموماً والمتحضر خصوصاً, كما هي الحال اليوم, بالإضافة إلى عدم توفر اللقاح المناسب لدرء المرض, أو المضادات الحيوية والعقاقير الأخرى الكفيلة بمعالجته والقضاء عليه.

لا شك بأن هنالك من يحمل البعض من المعلومات عن وباء الإنفلونزا الذي زعزع العالم من 1918-1919 فأصاب ثلث عدد نفوسه آنذاك بما يقارب 500 مليون نسمة, وتسبب في إزهاق 50 مليون من الارواح, ويقال أن جد الرئيس الأمريكي الحالي " دونالد ترامب" كان من بين ضحايا المرض, "والله يستر من الآتي". ما حصل في تلك الفترة تحصيل حاصل لطبيعة المرض الذي سببه فيروس ينتقل بسرعة من فرد ألى آخر عن طريق الرذاذ المتطاير وملامسة المواد الملوثة به  , بالإضافة إلى عدم توفر اللقاح للوقاية من المرض من جهة وعدم توفر المضادات الحياتية لمعالجة المضاعفات التي تسببها الجراثيم المتنوعة نتيجة ضعف مناعة الفرد المصاب من جهة أخرى.

لا تختلف الإصابة بانفلونزا "كورونا" أو " كوفد 19" عن المسلسل الإنفلونزي الذي سبق أن أطلّ ولا يزال يطل على بقعة أو أكثر من بقاع المعمورة بين فترة زمنية وأخرى. طبيعة الفيروس في إصابته للإنسان وطريقة انتشاره إنفلونزية بمعنى الكلمة. من الممكن أن ينتشر بسرعة فائقة و يخرج عن مدار السيطرة في أي وقت. إنه مرض معدي كأي إنفلونزا أخرى , وتكمن خطورته الحالية كون مصدر المرض لم يحدد بعد لحصره ومكافحته من ناحية, وكون اللقاح الواقي لم يُكتشف بعد من ناحية أخرى. كل ما كتُب وأعلن عن الإجراءات الوقائية عملي ومنطقي ومن الافضل التقيد بها. من المهم جداً تحديد حركة وتنقل الأفراد وتجنب التجمعات كلما امكن ذلك. نفر مصاب واحد يمكنه من إيصال ما يحمله مجاناً إلى العشرات بل المئات في لحظة زمنية عابرة.

من حق العالم أن يُصاب بالهلع, وللهلع ما يبرره وخاصة في الظرف الحالي الذي يُغلف واقع الفيروس وحركة انتشاره. هنالك من يتوهم بأن الإسلوب الإعلامي الذي يتعامل مع الموجود على الساحة مبالغٌ فيه, ويتوهم أكثر من يظن أن " كورونا" جزء من نظرية المؤامرة بأهداف اقتصادية أو سياسية أو عسكرية وما شاكل. إنفلونزا " كورونا" شرارة قد تتحول إلى حريق هائل على حين غرة, وما على الإنسان إلا أن يساند أخيه الإنسان في محنة قد تلتهم الاخضر واليابس على حد سواء, وعليه ايضاً مسؤؤلية المساهمة في كل ما يحد من انتشاره ويعجّل من القضاء عليه.

لنتذكر مقولة البابا القديس الراحل يوحنا الثالث والعشرون " ألتاريخ معلم الحياة الأعظم", ونتعلم من دروسها, لا أن نستمر باجترار ما أفرزه الماضي من آلام ومعاناة كأية قصة حزينة.

كمْ أرى مِن البلايا مَنْ تفتكُ بالبشّرِ

أعاصيرٌ وأمراضٌ تُلوِّحُ بالشررِ

كأنها نذيرُ الربِّ عن موعدِ الحَشَرِ

أحقاً نتذكّرُ اللهَ ساعةَ الخَطَرِ؟

أجيبوني

  كتب بتأريخ :  السبت 07-03-2020     عدد القراء :  520       عدد التعليقات : 2