الفضائل الأدبية الأساسية في الأيمان

( الفطنة – العدل – القوة – القناعة )

الفضائل مفردها ( الفضيلة ) والتي تعني الإستعداد الثابت لصنع الخير فيسمى صاحبها الإنسان ( الفاضل ) الذي يعمل أعمالاً صالحة ، لأنه يمد يده دائماً نحو عمل الخير بإرادته وقوته وبكل فرح .

أتت كلمة الفضيلة من العالم اليوناني ، وإننا نجدها في الفكر الفلسفي لسقراط ، كما يقدمها أفلاطون وأرسطو ، والقديس أمبروسيوس تحدث عنها مستنداً إلى كتابات شيشرون ، لهذا لا ينبغي أن نستهين بالحكمة الوثنية الكبيرة , كما أننا نجدها في الأسفار التي دوّنت باللغة اليونانية كسفر الحكمة ، حيث جاء ( إذا كان أحد يحب البر ، فأتعابها هي الفضائل ، لأنها تعلّم القناعة  والفطنة  والبر  والشجاعة  التي لا شىء للناس في الحياة أنفع منها ) " حك 7:8" .

في العهد الجديد لدينا الفضائل الإلهية الثلاث وهي ( الإيمان والرجاء والمحبة ) وهي فضائل متميّزة التي كتب عنها القديس بولس في رسالته الأولى أهل تساولونيقي " 3:1" قال ( لا ننفك نذكر ما ،تم عليه من نشاط الإيمان وجهد المحبة وثبات الرجاء بربنا يسوع المسيح ، في حضرة إلهنا وأبينا ) . لكن بالإضافة إلى هذه الفضائل هناك أربعة فضائل أخرى يتوشح بها المؤمن وهي ( الفطنة والعدل والقوة والقناعة ) والتي تسمى بالفضائل الإنسانية ، تأتي من نفس التربة التي يكوّنها الأيمان والرجاء والمحبة .

وهذه الفضائل السبعة معاً تقد لنا الصورة الكاملة للإنسان المؤمن الذي يحظى بملء إفتداء يسوع الرب وتضرم القلب ليصبح الإنسان روحياً . فلنتناول الفضائل الإنسانية الأربعة لنتعرف على أهميتها في حياتنا المسيحية :

فضيلة الفطنة : تنشأ هذه الفضيلة في الإنسان نتيجة ممارسة التمييز ، والذي به يعتاد الإنسان إلى إصدار الأحكام بموضوعية وبحسب إرادة الله . وتكمن في الغريزة الروحية التي تدفعنا إلى إتخاذ قرارات صائبة ، فلا تقبل أن نقبل كل شىء على علاّته ، بل أن نغربل الأخبار قبل أن نصدر أحكامنا وقراراتنا . فالفطنة تنشأ فينا لأنها ثمرة الروح القدس ، وتحتاج الفطنة المسيحية الى الصمت والهدوء لكي تلد منها الحكمة التي تعالج كل المواقف في حياتنا . فبطرس الرسول استخدم فضيلة الفطنة والتميّز عندما أصغى إلى الروح القدس الذي كلمه في رؤيا وهو يصلي فوق السطح ، لهذا أصدر قراراً جريئاً تحدى به الشريعة اليهودية فدخل إلى بيت ترنيليوس الوثني بكل شجاعة ليعلم البشرى السارة له وللوثنيين ولأول مرة ، ومنحهم سر العماد . هكذا نحن أيضاً يجب أن نستخدم هذه الفضيلة في حياتنا المسيحية .

فضيلة العدل : العدل ضروري في حياة المجتمعات كافة وهو الذي ينظم العلاقات بين البشر ، فالجميع مدعوين لبذل طاقاتهم في سبيلها ، فإذا كانت كلمة ( الفطنة ) نادرة الوجود في الكتاب المقدس ، فإن كلمة ( العدل ) نقرأ عنها في العهدين كثيراً . تقول الآية : ( لا تجوروا في الحكم ، ولا تحاب وجه الفقير ، ولا تكرم وجه العظيم ، بل بالعدل تحكم قريبك ) " أح 15:19 " وكذلك طالع ( مز 111و112 ) فالعهد القديم يعتبر هذه الفضيلة مهمة في تكوين النظام الإيجابي لبناء الخير وتنظيم علاقة البشر مع بعضهم ومع الله ، فعلى الإنسان أن يكون عادلاً وكاملاً .

أما في العهد الجديد فنقرأ عن فضيلة العدل ، يقول ( أيها السادة عاملوا عبيدكم بالعدل والمساواة ... ) " قول 1:4" . العدل هو الميزان الذي يعطي كل أمرىءٍ حقه ، وهكذا فأن للعدل قيمة أجتماعية بها يُعترَف بحقوق الجميع ، فالعدل يمس نوعاً ما حقوق كل إنسان . كما للعدل بعداً إلهياً ، فإذا كان على الإنسان أن يكون عادلاً ( فعدل الله ) هو الصفة التي بها يبقى الله أميناً للعهد . فإن الله لا يكتفي بأحترام حقوقنا ، بل يخلصنا من ظلم العبودية والمتسلطين ، وهو المنتقم من الذين يعملون ضد العدل . فالعدل الإلهي الذي ينبع من الله ، ينفخه الله في قلوبنا ، إنه مصدر رحيم للخلاص ، كما إنه يتجاوز العدل ليغفر للخاطىء التائب ، ويعلمنا العهد الجديد أن نتسابق في طريق العدل . قال ( إن لم يزد بركم على بر الكتبة والفريسين ، لا تدخلوا ملكوت السموات ) " مت20:5" . وهكذا تعليمنا نحن أيضاً يجب أن نتجاوز خط العدل المألوف لكي نستطيع أن نغفر حتى لأعدائنا ، ونصلي من أجلهم ، فيقول ( أحبوا أعداءكم ، وصلوا من أجل مضطهديكم ) " مت 44:5" وهذا هو العدل المدهش الوارد في أقوال الرب يسوع .                                                                    العدل تجاه الله يسمى ( فضيلة الديانة ) أو التقوى ، فيتوقف الأمر إذاً على عدل خاص نمارسه تجاه الله . فالديانة هي العدل الذي يعرف إنه مدين ليقدم لله من طاعةٍ وسجودٍ وتسبيح وحب وإكرام . الديانة فعل عدل ، دون الوصوا إلى إلغاء الدين ، يعبّر عن ذاته بمواقف عميقة وصحيحة ، مثل التسبيح ، والصمت الداخلي ، والإصغاء ، والشكر . الله مَثَلنا الأعلى في العدل والمساوات ، الذي يجري لنا العدل نحن الفاسدين والخطا والمساكين ، هو الذي يغفر لنا لكي نحن نغفر لمن يخطأ إلينا لنتصالح مع الجميع ، وبعدها من حقنا ان نقول له ( ليأتِ ملكوتك ! ) .                                

فضيلة القوة : القوة فضيلة أدبية تدفع الأنسان إلى الثبات في الصعوبات وتوَلي المثابرة لعمل الخير ، وتجعل الإنسان قادر على عمل الصلاح في كل الظروف . القوة تحررنا من الخوف والغصة والقلق . وفي ساعات الظلم والألم . ولممارسة فضيلة القوة ميدان واسع جداً ، لأن هذه الفضيلة ضرورية في مجالات كثيرة لمقاومة التهديدات، والتغلب على الخوف ، ومجابهة الملل والضجر والحياة الصعبة . لذلك فالقوة هي إحدى الفضائل الإنسانية الأدبية المهمة ، وعلى كل شخص أن يهتم بتربيتها وممارستها كما تتيح لنا هذه الفضيلة إلى التغلب على الخوف من الموت . فالشهداء الذين اندفعوابأرادتهم إلى الأستشهاد متحدين الموت بقوة مسلحة بالجرأة والجسارة والأيمان الذي تحدى بطش الأعداء ، بل تحديهم لهم أدى إلى أستسلام الكثيرين منهم للأعتراف بإيمانهم بالرب الذي يعبده أولئك الأبطال . وهذه القوّة عبّر عنها الرسول بولس ، قائلاً ( بأن هنا الكنز نحمله في آنية من خزف ... يضيف علينا من كل جهة ... تقع في المآزق ... نطارد ... نصرع ... ولكننا نقاوم لتظهر في أجسادنا الفانية حياة المسيح أيضاً ) " 2قور 4: 7-11" . فالأستشهاد يعبّر عن القوة المسيحية تعبيراً أسمى . غنه الفعل الأمثل للقوة المسيحية . أخيراً نتأمل بيسوع القوي الذي تحدى كل القوى الظالمة وهو على الصليب ، لأن القوة موهبة من الروح القدس تنشأ من الصليب ، ومن عمل الصليب نستمد القوة ، لأن الصلوب كان هو الله المتجسد .

القناعة : .فضيلة من الفضائل الأساسية التي هي الطاقة الخاصة بإرضاء الغرائز والأشواق الشخصية بصورة متزنة وبأعتدال . وتنضَم إليها فضائل أخرى عديدة يمكن فهمها بشكل أسهل : السيطرة على الذات ، النظام والقياس والتناسق ، والإتزان ، وضبط النفس ، وهذه كلها تصرفات ذات أهمية كبيرة . ومصدر القناعة هو الأقتداء بسيرة يسوع المسيح لكل نتشَبّه بالله فنعيش في رضى وقناعة بالروح الذي يقودنا إلى الله ، وهذا يتم بالأقتداء بالمسيح لأنه هو نموذج الأتزان وضبط النفس ، فيه نجد بهاء القناعة ، وفي قديسيه ، فالقديس فرنسيس الأزيزي كان مقتنعاً برغيف خبز واحد لكل يوم ، ومحباً للجميع وحتى للمخلوقات الحيوانية والجامدة . فالقناعة هي فضيلة أدبية التي تلطف إغراء اللذات وتجلب الأتزان والسيطرة على الأرادة والغرائز وتحفظ الرغبات ضمن حدود النزاهة ( التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية / العدد 1809 ) كما علينا أن نمارس القناعة في حياتنا اليومية ، كقناعة في إدخار الأموال ، وفي تناول الطعام ، واللباس ، والمسكن ، والقناعة في تنظيم الغرائز الجنسية ( طالع رسالة بولس إلى أهل رومة ) لأن الأمر هنا يهدف إلى الألتزام بالعفة وحفظ الحواس من أجل الأرتقاء نحو القداسة .      

          أخيراً نقول : القناعة تضع لنا ميزاناً لأستخدام الخيرات المادية كالمال ( أما الذين يطلبون الغنى والمال ، فانهم يقعون في تجارب كثيرة ، والى شهوات كثيرة وعميقة تجردهم من كل ما هو صالح و تدفعهم إلى الشر والهلاك . وحب المال أصل كل الشرور ) " 1 طيم 6: 9-10 " .

ومن القناعة نحصل على ضبط النفس لكي نعيش حياة مستقرة ومتزنة ومنعشة وفي هدوء وسلام ، بعيدين عن رغبات الجسد الكثيرة وشهواته . لهذا تقول الآية ( لا تتبع ميولك ورغباتك ، وفي شهواتك لا تسلك ) " سير 2:5 " . أما بطرس الرسول فكتب عن القناعة قائلاً ( كونوا عقلاء قنوعين ، لكي تقيموا الصلاة ) " 1بط 7:4" .  

                                ولإلهنا القدير كل المجد

ملاحظة : إلى اللقاء في مقال آخر عن الفضائل عنوانه ( الفضائل الإلهية الثلاثة ) .

  كتب بتأريخ :  السبت 14-03-2020     عدد القراء :  592       عدد التعليقات : 0