التداعيات الجيوستراتيجية لـ فراغ القوة
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

يمر العراق حالياً بمرحلة أبعد ماتكون عن مجرد فراغ دستوري –سياسي ناجم عن الفشل المتكرر في إختيار رئيس وزراء للمرحلة الانتقالية التي يفترض أن لاتتجاوز عاماً واحداً يتم خلاله تحديد موعد للانتخابات التشريعية المبكرة حيث تتجه الأمور لفراغ أعمق وأشد خطورة :

"جيوسياسي _ ستراتيجي" مستقبلي يهدد بنية النظام السياسي القائم بل كيان الدولة ذاتها في مرحلة زمنية سمتها استمرار الصراعات والاستقطابات الحزبية بين الكتل السياسية التي لم تتجه لإعتماد البوصلة الوطنية وإنما هدفها تركز على تحقيق مصالح فئوية سياسية حزبية خاصة استثمرت من الطائفة أو العرق أو القبيلة أو المناطقية مرجعية لها وميداناً واسعاً لتنمية مصالحها بعيداً عن مصلحة العراق ..

واقع الحال العراق والمنطقة يمران بمرحلة حرجة في الإطار الجيوستراتيجي وطنياً ، إقليمياً ودولياً مايستوجب سد كل الثغرات الجيوسياسية – الستراتيجية أو التقليل ما أمكن من تداعياتها السلبية. ولعل من المناسب في التحليل السياسي تقديم توصيف لماهية حالة فراغ القوة ؟ للإجابة نقول إن فراغ القوة يعني وجود حالة لاتتمكن الحكومة معها أن تفرض قوتها أو سلطتها المركزية .

ما يعني أن قوى أخرى ستحل على الأقل جزئياً مكان القوى الغائبة عن المسرح السياسي من سلطات رسمية مدنية – مهنية عسكرية/ أمنية . فراغ القوة الدستورية – السياسية المعني له أشكال وصور مختلفة منها ما يرتبط بشكل رئيس بالبعد الجيوسياسي – الستراتيجي أو بأبعاد أخرى تتداخل ضمن محددات ومحاور المشهد السياسي العراقي المعقد منها مايلي :

أولاً : المحيط السياسي والأمني للعراق مابعد داعش (2018) وحتى الأول من أكتوبر2020 لم يرتق حتى عقب مايقارب من 5 أشهر من التظاهر السلمي إلى درجة مناسبة تسمح بتعزيز اللحمة المجتمعية بصورة تنم عن تماسك شعبي – رسمي هدفه مواجهة التحديات والأزمات المتلاحقة الخطيرة التي تحدق وتحيط ببلادنا في وقت لم تزل أزمة الاستقطاب الحاد بين الولايات المتحدة وإيران لم تأتينا بحل عراقي ناجع وعملي يسمح بالحلول الوسط مانعاً إتساع رقعة الصراع الجيوسياسي لتكون العراق ساحة بعيدة نسبياً عن صراع للدولتين الاميركية – الإيرانية على حساب المصلحة العراقية الوطنية.. كل ذلك يجعل الصراع محتدما بين قوى معادية للنفوذ الاميركي مشجعة بالضرورة من قبل الطرف الإيراني أو قد قوى قريبة منه هذا من جهة ومن جهة أخرى نجد قوى مؤيدة نسبياً لبقاء القوات الامريكية طالما لم يتوفر البديل المناسب ستراتيجيا لحماية العراق من تهديدات إيرانية مباشرة أو غير مباشرة نظراً لوجود عدد من ميليشيات مسلحة لم تدخل بعد في حكومة منع عسكرة الدولة.

ثانياً:. تظاهرات يقودها الشباب من الذين لاتتجاوز أعمارهم ال25-29 عاماً. هؤلاء أنتفضوا على الواقع السياسي – الاقتصادي – الاجتماعي المتردي (منذ الأول من تشرين الأول 2020 وحتى كتابة المقال) ستستمر طالما لم تتحقق مطالبهم .

إن باكورة أي نظام سياسي عراقي حقيقي جديد عماده وركيزته الأساس الشعب العراقي ممثلاً في جزء رئيس مهم منه في سوح التظاهر السلمي - من ساحة التحرير إلى ساحة الحبوبي وغيرها - . لعل من المناسب معرفة سقف المطالب والتي إبتداءً وردت في العبارة التالية "نازل أخذ حقي" متمثلاً بمطالب حياتية اساسية (أمن ، غذاء ، سكن وإحتياجات مادية ضرورية) بل وبإحتياجات معنوية عبرت لاحقاً عن نفسها بضرورة إستعادة وطن عراقي يوفر لهم الحماية والسند وطن لم يعودوا يشعرون بالانتماء إليه منذ مدة طويلة كنتيجة لحالة القمع السياسي – الأمني – الاقتصادي – المجتمعي –البيئي الذي مارسته السلطات السياسية المحتكرة للقرار السياسي ضدهم. ما يتطلب في النهاية سد فراغ القوة الجيوسياسي – الاستراتيجي من خلال توفر لحمة اوثق وأكثر تماسكاً في مختلف ميادين الحياة حيث يتم بناء حاجز صد قوي وطني هدفه حجب أي دور سلبي للتكتلات والأحزاب السياسية التي استوعبت الطائفية – العرقية – القبلية- على حساب المصلحة الوطنية .

المرحلة القادمة ستملأها مفاجآت وقضايا قسم منها يمكن تيقّنه بمؤشرات ودلائل إقتصادية – مجتمعية وجنائية واضحة مثل انتشار حالات الفساد أو تآكل تدريجي لمؤسسات الدولة واستمرار حالة الفقر المتنامي بين الفئات المحرومة لنسب عالية غير مسبوقة . مؤشرات أخرى من الصعب توفر ما ينبأ عنها أو طبيعة نهاياتها مثل تداعيات وباء الكرونا وانتشاره عالمياً مضافاً إلى حالة إختلال لموازين القوى الستراتيجية اقليمياً ودولياً.

ثالثاً : لابد لمشهد العنف الدموي المتكرر خاصة في سوح التظاهر السلمي أن ينتهي من العراق لأن استمراره سيؤدي لفشل أية حكومات مدنية ذات مؤسسات رصينة تحبذ تأسيس عراق آمن ، مستقر ، مزدهر يعيش في ظل دولة القانون والعدالة الاجتماعية التي توفر حماية إنسانية متطلبة لإبنائه . دولة تعتمد تفعيل آليات دولة المواطنة وتكافؤ الفرص للكفاءات المختلفة وفقا لمنهجية تقسيم عمل مهني واضح المعالم مع تقييم وتقدير أكبر للنوعية القيمة من المفكرين والمبدعين والذين لديهم إنجازات عملية وعلمية تخدم العراق وأبنائه.. ضمن هذا التصور تتسع الآفاق لإيجاد حلول حيوية لمعالجة ضرورات الحياة المدنية من خلال استخدام أحدث التقنيات العلمية في مجالات الاقتصاد – الطاقة – الاتصالات – النقل والبنى التحتية حيث تتطلب جهدا وتكاليف مالية أكبر في إطار محاولات التكييف ومعالجة المشكلات والازمات مع ما يتطلب من توفر خبرات وإبداعات "إنقاذية جيوسياسية" هدفها حماية حقوق الانسان وحرياته الأساسية مع إهتمام مشدد بسلامة البيئة والصحة العامة للبشر "من منظور إنساني عالمي".

رابعاً : ضرورة تأكيد الاهتمام بالحفاظ على سيادة الدولة وتنمية حضورها المكثف في مختلف ميادين الحياة من خلال إمتداد سلطاتها الشرعية على كافة أرجاء البلاد "براً- بحراً وجواً". إن الانتصار على داعش في نهاية 2017 عسكرياً – أمنياً لم ينهِ حصول عمليات متفرقة بين حين وآخر تستوجب الاستئصال من قبل القوات الامنية المسلحة بمختلف صنوفها وبضمنها قوات الحشد الشعبي بإعتبارها قوى أمنية رسمية تخضع لسلطة القائد العام للقوات المسلحة.. إن عدم تحقق ذلك سيوفر فرصاً متعددة لجماعات مسلحة تعتقد بأن لديها الحق الاصيل والغير قابل للاسترداد في ممارسة العمل المسلح – المتطرف لأسباب ومبررات قد لا تقع في ظل معايير ومتطلبات حماية السيادة الوطنية للدولة. بإختصار إن عدم إحكام الدولة لسيادتها الوطنية سيعني استمرار حالة الفراغ الجيوسياسي الذي يمكن جماعات مسلحة من إستخدام قوتها الامنية – العسكرية لإغراض "مصلحية محددة ضيقة الأفق" ترتد سلباً على الوضع الجيوسياسي – الستراتيجي إقليمياً ودولياً.

أخيراً: المعادلة المتوازنة علمياً وعملياً تؤكد أنه كلما عززت العلاقة المتبادلة بين الشعب وسلطاته الرئيسة كلما تأكدت حالة الثقة المتبادلة التي لاتسمح بحصول أي فراغ للقوة تتسلل منه قوى داخلية أو خارجية غير مرغوب بهم. أمر كهذا لن يتحقق طالما معدلات إنجاز المشروعات التنموية ضعيف جداً في القطاعين العام والخاص. مسألة تدعو إلى أن تحفز السلطات المركزية – الاتحادية بإتجاه تفعيل "القطاع المشترك". من هنا، أهمية مايعرف ب"شرعية الانجاز" كونها تضفي شرعية ومشروعية للنظام السياسي المتوقع تحققه في الأمد الاستراتيجي المتوسط والطويل نسبياً.

إنطلاقاً مما تقدم فإن الفراغ الاقتصادي – الاستثماري في البلاد مسألة لابد من تجسيرها من خلال توفر إجراءات ولوائح قانونية تسهل إنفتاح بوابة الاستثمار الخارجي بهدف تنمية الاقتصاد العراقي بعيداً عن حالة التبعية لدول الجوار أو غيرها. ضمن هذا السياق تتجه الامور نحو ضرورة مكافحة الفساد الإداري – السياسي – الاقتصادي –الاجتماعي الشامل بصورة أكثر حزما من خلال تأسيس محاكم خاصة لمحاسبة كبار حيتان الفساد. هذا ودون إتخاذ قرارات ستراتيجية عراقية مستقلة صميمة نابعة عن قرارات سيادية وطنية تتسم بالحكمة وضمن استلهام لروح القانون والعدل الاجتماعي والمساواة مع إهتمام خاص بتمكين الشباب والشابات للعمل وللقيادة الناجعة ربما لن نصل لبر الأمان بل وإلى - كما أكدت ممثلة الأمم المتحدة للعراق السيدة جنين بلاسخارت - إتجاه العراق نحو المجهول الذي قد لاتحمد عقباه في حالة قد تنتهي بوضع العراق تحت البند السابع للعقوبات الأممية . من هنا، لابد للعراق من إحداث نقلة نوعية جيوسياسية بعيدة عن أي حالة لفراغ القوة الذي قد يُملَأ من قبل جهات الإرهاب الداعشي أو على شاكلته من قوى الفساد والافساد التي هدفها تدمير ، تشتت وشل حركة العراق مستقبلاً.

  كتب بتأريخ :  الخميس 19-03-2020     عدد القراء :  264       عدد التعليقات : 0