الفضائل الإلهية الثلاثة

قال الرسول بولس ( أما الآن ، فهذه الثلاثة باقية : الإيمان والرجاء والمحبة ، ولكن أعظمها هي المحبة ) " 1 قور 13:13 "

هناك سبع فضائل . الأربعة منها تسمى بالفضائل الأدبية الأساسية والتي تناولناها في موضوع عنوانه ( الفضائل الأدبية الأساسية في حياتنا ) وهي ( الفطنة ، والعدل ، والقوة ، والقناعة ) طالع الرابط

https://ankawa.com/forum/index.php/topic,967709.0.html

ولكل إنسان تقي أن يقتنيها وحتى وأن كان غير مؤمناً . تطرق عليها الفلاسقة اليونانيين . والآن علينا أن نتخطى نحو الأمام لكي ننظر إلى فضائل أخرى إلهية هي ( الإيمان والرجاء والمحبة ) وهي الفضائل المميزة والباقية التي ترتقي بالمؤمن نحو الكمال الروحي . تناول موضوعها القديس بولس في رسالته إلى أهل قورنتوس إصحاح (13) وفي رسالته إلأولى إلى أهل تسولونيقي . قدمها لنا في وحدتها التي لا تتجزأ ، فقال ( لا ننفك نذكر ما أنتم عليه من نشاط الإيمان وجهة المحبة وثبات الرجاء بربنا يسوع المسيح ، في حضرة إلهنا وأبينا ) " 1 تس 3:1" . كما كتبوا عن هذه الفضائل آباء الكنيسة الأوائل ، كذلك نجدها في التعاليم المسيحية . وهذه الفضائل تميّز المسيحي الذي يتوشّح بصفاةالفضائل الأدبية والتي تأتي من التربية التي يكوّنها الإيمان والرجاء والمحبة . وهذه الفضائل الثلاثة تُشكِل الجواب الإجمالي على الله الثالوث الذي يكشف عن ذاته بيسوع المسيح ,

لنتناول كل فضيلة لوحدها لنصل إلى مبتغاها لندرك أهميتها في حياتنل المسيحية :

1- الإيمان : هو الرضى الذي نبديه لله الذي يكشف عن ذاته ويحضر لنا ويوّجه إلينا كلامه . إن فعل ( آمن ) وأسمه ( الإيمان ) يردان بتواتر في العهد الجديد ، لأن الإيمان يرسم لنا نقطة الإنطلاق نحو الله ، فالمؤمن بالله يعلن إيمانه ، ويقول ( أؤمِن ... ) والذي يعني الإقرار بالإيمان الشخصي وإعلانه على الملأ . فكل المؤمنين في الكنيسة يعلنون إيمانهم في الأحتفال الإفخارستي . أو في صلاة شخصية . والإيمان لا يأتي من عند الإنسان ، لأنه بقدراته لا يستطيع إكتشاف حقيقة الله ، بل الإيمان هو هبة من الله للإنسان ليعترف قائلاً ( نعم ) كما قال الكثير من أنبياء العهد القديم ، وقالتها مريم للملاك . فالإيمان هو الأساس الذي نرتكز عليه ، لأن بدونه لا شىء فينا من الله . فإن لم يكن لنا الإيمان نظل منغمسين في الشكوك والخطيئة ، وبعدم معرفة الله . فمن متطلبات العماد هو الإيمان أولاً . وإن كان المعمّد طفلاً يجب أن يكون أهله مؤمنين معمدين وبإرادتهم يقدم الطفل للعماد ، والأشبين يقول عنه ( آمين ) وهو يكررها عندما يكبر قبل تناوله سر الأفخارستيا . فعندما يعيش الإنسان في الإيمان المسيحي فسيحيا في الفضائل الإنسانية وينعش في أعمال الخير النابعة من إيمانه . ومن الصعوبات التي تترتب على المؤمن سببها عدم تغذيته للأيمان الحقيقي ، والإيمان يتعرض للتجارب التي هدفها دفعه نحو الإنحدار والإنحراف والسقوط . لذا يجب دعم الإيمان بالصلاة وقراءة الكتب المقدسة والمشاركة في الأسرار الكنسية ، هكذا يتطهر الإيمان ويحافظ على أستقراره ونموه ، بل يتقّوى ليصبح أكثر نقاءً ، وبه نكشف وجه الله في حياتنا .

2- الرجاء : للمؤمن المسيحي هدف فعليه أن يعيش في رجاء ، والرجاء هو أمتداد المؤمن نحو المستقبل ، والثقة بأن المستقبل سيتحقق له بدون شك ، لهذا الرجاء يحتاج إلى صبر وثبات واللتان تدعمان الأنتظار ، فرجاء المؤمن يأتي من فوق ، من الله المعطي للمواهب . إذاً الرجاء فضيلة إلهية ليس أصلها أرضي ، بل سماوي ، لهذا لا تنمو هذه الفضيلة إنطلاقاً من حياتنا الشخصية ، أو من تعليمنا أو من قوة إيماننا أو من ذكائنا ، إنما الله هو الذي يهديها لنا لكي نعيش في أستسلام كلي بين ذراعي الله الذي يفيض فينا هذه الفضيلة وينميها ، لهذا فضيلة الرجاء تجعلنا مشاركين في حياة الله نفسها . وهو سر لا يوصف ولا يمكن شرحه بدقة لأنه يفوق التمييز ، لهذا السبب قال القديس بولس (فإننا قد خلصنا ، إنما بالرجاء ، ولكن الرجاء متى رأيناه لا يكون رجاء ، فما يراه الإنسان لماذا يرجوه بعد ؟ ) " رو 24:8" . والرجاء الذي لنا من الله وعطاياه لا نستطيع أن ندرك مزاياه بقدراتنا الحسية كما ذكر بولس في رسالته ، قال ( ما لم تره عين ، ولا سمعت به إذن ، ولا خطر على قلب بشر ذلك ما أعده الله للذين يحبونه ) " 1قور 9:2" . فالرجاء إذاً هونوع من قوة المعرفة الحدسية بصورة خارقة العادة ، ونحن بقدراتنا لا يسعنا أن ندرك الخير اللامحدود الذي ينتظرنا . الرجاء يدفعنا نحو فضيلة أسمى وهي فضيلة المحبة ، أي يدفعنا نحو الله و ( الله محبة ) لنلتقي به بشخص يسوع الذي سيأتي كملك ومعه أورشليم السصماوية ، أي الحياة الجديدة مع الله ، وما نرجوه هو أن نحيا إلى الأبد معه في حضن مجد الآب ، وفي ملء هبة الروح . وهذا موضوع الرجاء المسيحي .

3- المحبة : هي أسمى الفضائل الإلهية وأعظمها . الله خلق الإنسان لكي يحب ، وهناك علاقة بين المحبة والحب المسيحي ، فالمحبة المسيحية ترتكز على وحي نابع من ذات الله ( الثالوث ) والتي تستقر في يسوع المتجسد . فالله أحبنا ونحن خطتة وجاد بأبنه الوحيد " يو 16:3" فأعادنا إلى ما قبل الخطيئة ، لهذا قال يسوع ( كما أحبني الآب ، فكذلك أحببتكم أنتم أيضاً . أثبتوا في محبتي . إذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي ، كما أني حفظت وصايا أبي وأثبت في محبته ... وصيتي : أحبوا بعضكم بعضاً كما أحببتكم ) " يو 15: 9-11 " . ومن هذا النص نفهم محبة الأقانيم الثلاثة في بعضها ، محبة الآب للأبن . المحبة التي هي شخص الروح القدس . ثم محبة الإبن لنا ، وتتجاوب معها محبتنا للأبن ( اثبتوا في محبتي ) وبعدها تاتي المحبة التي بها نحب بعضنا بعضاً . إلا أن كل شىء يأتي من محبة الله التي عبّرَ عنها يسوع المسيح . المحبة هي وصية الله لنا لكي نحب الله أولاً ( طالع مر 12: 29-30 ) والقريب ثانياً ( مر 31:12 ) وبهتين الوصيتين نكمل الشريعة . وفي العهد الجديد علمنا يسو أن نندفع إلى ما هو أعمق في موضوع المحبة ، فيطلب منا أن نحب أعدائنا أيضاً ( لو 27:6 ) هذه هي الأشكال الثلاثة للمحبة ( محبة الله ، محبة القريب ، محبة العدو ) قد نراها منفصلة بعناوين مختلفة لكننا نحتاج إلى عوان واحد فقط ، بل إلى كلمة واحدة وهي ( المحبة ) لكي نعيش كاملين أمام الله والبشر . إذاً لا أيمان ولا رجاء بدون محبة . فمحبتنا للعدو يجب أن تسبقها مغفرة مجانية . ولأجل المغفرة نحتاج إلى قوة للأندفاع إلى تنفيذها والتي تأتي من صليب المسيح الذي هو المسيح أولاً غفر على الصليب صالبيه . فالحب الإلهي يصحح ويشجب جميع إنحرافات الحب البشري حيث تتسرب الأنانية والإنغلاق وحب الذات .

أخيراً نقول : قيل ( حين تمر الفضيلة بمحنة ، والرذيلة تزدهر يصبح البشر ملحدين ) من دون شك ، هذا هو العائق الأعظم في وجه الإيمان بالله والرجاء بخلاصه وبمحبته للبشر . المحبة هي من الله ومنه تنشأ وتنمو فينا لكي نحب الجميع كما أحب يسوع الصغار والكبار والفقراء والخطاة والبرص والمرضى والأعداء ، هكذا يجب أن نقتدي بالمسيح الذي مات من أجل الجميع ، والذي يريد المزيد من المحبة فعليه أن يذهب إلى الأبعد من المحبة البشرية ، والتي تنبع من محبة الله الأزلية وتمتد نحو الأبدية إلى الخير الحقيقي فائق الطبيعة ، والمطلق للذين يعيشون المحبة .

  كتب بتأريخ :  السبت 21-03-2020     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0