المنطقة الخضراء أم المنطقة السوداء؟
بقلم : القاضي سالم روضان الموسوي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

القاضي سالم روضان الموسوي

إن المنطقة الخضراء في بغداد هي المنطقة التي تقع على نهر دجلة، وتسمى كرادة مريم ومن ضمنها حي التشريع والقادسية وبعض من الحارثية وقسم من متنزه الزوراء.

وكانت منطقة سكنية لقيادات النظام السابق وتضم العديد من الوزارات وتحوي عدداً من قصور رئيس النظام السابق وأولاده. كان القصر الجمهوري وقصر السلام ومن أكبر القصور ضمن هذه المنطقة، وبعد الاحتلال في عام 2003، وتذكر إحدى القنوات الفضائية إن مصطلح "المنطقة الخضراء" ابتدعه بعض أفراد الأمن الأمريكي لتصنيفها بمثابة المنطقة الآمنة. وسبب التسمية هو لكثرة الخضرة فيها بسبب قربها من متنزه الزوراء وحدائق القصر الجمهوري وسائر المناطق الأخرى القريبة منها والمحيطة بها، وقد يكون الاختيار من باب الصدفة المحضة، لكن القدر أحياناً يكون له دور في دلالة الاسم والمسمى، لأن التسمية بسبب كثرة الأشجار واخضرارها، وهذه هي طبيعة العراق لأنه بلد زراعي خصب، وكان العرب يطلقون عليه أرض السواد لخضرته بالزرع والأشجار، وفي لسان العرب يقول ابن منظور إن (السواد: جماعةُ النخلِ والشجرِ لِخُضْرَته واسْوِدادِه؛ وقيل: إِنما ذلك لأَنَّ الخُضْرَةَ تُقارِبُ السوادَ) وتشير أستاذة التاريخ الدكتور ناجية عبدالله ابراهيم في كتابها الموسوم (ريف بغداد ـ منشورات مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية ـ الطبعة الثانية عام 2012) بأن ريف بغداد هو (سواد بغداد) ومنها المنطقة الحالية التي تسمى بالمنطقة الخضراء لأنها من نواحي محلة الحربية وهي محلة مشهورة وكبيرة عند باب حرب قرب منطقة الشيخ بشر الحافي، وهذا ما ورد في الكتاب أعلاه في الصفحة 31، لذلك اعتقد أن التسمية وإن أطلقها أحدهم دون دراية في التاريخ أو الدلالة الرمزية لها ، إلا إن كتاب (ريف بغداد) قد لفت انتباهي إليها عند مطالعتي إياه ، حيث تستشهد الكاتبة على إن السواد هو ذاته اللون الأخضر بالنسبة للزرع والأشجار ومن أدلتها على ذلك بيت الشعر الذي تغنى به الشاعر الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب بن عبد المطلب وكان أسود البشرة وشديد الأدمة فانشد تفاخراً بنسبه إلى الرسول الكريم بقوله

وأنا الأخضر من يعرفني .... أخضر الجلدة من بيت العرب

من يساجلني يساجل ماجدا ..... يملأ الدلو إلى عقد الكرب

برسول الله وابني عمه .......... وبعباس بن عبد المطلب

لذلك لا ضير إن أطلقنا عليها (المنطقة السوداء) لأن ما حل بالعراق من محن ومصائب وموت ودمار وحروب وقتل كان مصدره هذه الرقعة الجغرافية، ففيها مقر كل الحكومات التي تعاقبت على حكم العراق منذ عام 1921 ولغاية الآن وما من خبر فيه حرب أو قتل او موت إلا وهذه المنطقة لها حضور فيه، وفي فترة ما بعد عام 2003 كانت وما زالت تسبب الوجع إلى الشعب العراقي وإنها تصدر الموت وتستورد القصف الذي يستهدفها بين الحين والآخر، وإن جل ما لحق بالعراق من مستقبل مجهول وحاضر معتم وطغيان لون السواد على لباس عامة الناس بسبب القتل والتهجير من القاعدة وداعش والمليشيات وغيرها من المجاميع المسلحة، كان لهذه الرقعة الجغرافية دور وأثر فيه، لذلك أرى إن القدر كان له يد في التسمية وإنما استعمل أسلوب التورية والمقصود بالتورية عند أهل اللغة والأدب أن يذكر المتكلم لفظا له معنيان ، أحدهم قريب غير مقصود ودلالة اللفظ عليه ظاهرة ، والآخر بعيد مقصود، ودلالة اللفظ عليه خفية ، فيتوهم السامع إنه يريد المعنى القريب ، وهو إنما يريد المعنى البعيد بقرينة تشير إليه ولا تظهره .

وفي الختام لابد من توجيه الشكر إلى الدكتورة ناجية عبدالله إبراهيم على تلك الالتفاتة في كتابها الموسوم (ريف بغداد) الذي ضم بين ثناياه معلومات عن نظام تلك الأرياف المدني والعسكري وصناعتها وطرقها ومزارعها، كما بيّنت بان (ريف بغداد) كانت تشتهر بعدد من الصناعات ومنها صناعة الخمور بسبب وفرة أعنابها ومن الصدف إن مصنع الخمور هذا يقع في المنطقة التي تعتد من نواحي المنطقة المنطقة الخضراء، وتكون بين جسر الجمهورية وبين منطقة الجادرية حالياً وأشار إلى ذلك المؤرخ الشابشتي في كتابه الموسوم الديارات مطبعة المعارف عام 1951 في الصفحة 45، فهذه المنطقة التي فيها تحديد مصيرنا لأنها تحوي على كل المقرات الرئيسة للسلطات الثلاث، فإذا كان أصلها مصنع للخمور ولونها السواد، ماذا ستقدم لنا من عطاء؟ ولابد من التذكير إن تلك المادة للترويح عن النفس بطرائف الحكم لأن القلوب إذا كلت عُميِت فروحوا عنها بطرائف الحكم وأخشى على قلوبنا أن تعمى بسبب حالنا وما حلّ بنا من كورونا الصحة وكورنا الفساد، لذلك بين الحين والحين أروحُ عنها بهذه الطرائف التاريخية ذات الدلالات المعاصرة.  

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 01-04-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0