كورونا و نظام التفاهة
بقلم : أياد العنبر
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لعل من محاسن العزلة الإجبارية التي فُرضت علينا للوقاية من انتشار فيروس كورونا (كوفيد ـ 19) هي قراءة آخر إصدارات الكتب، وأجد كتاب "نظام التفاهة" من أهمها. مؤلف الكتاب "ألان دونو Alain Deneault" أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك ـ كندا.

الكتاب رائع جدا، لكن الأكثر روعة هو مقدمة المترجمة الدكتورة مشاعل عبد العزيز الهاجري، التي عرضت فيها أفكار الكتاب وجعلت الرغبة بقراءته أكثر تشويقا، فضلا عن الترجمة المحترفة والتعليقات والتوضيحات التي أعتقد من دونها لكان الكتاب معقدا جدا.

إذ تقول في مقدمة تعريفها بأهمية هذا الكتاب، إنه يدور حول فكرة محورية: "نحن نعيش مرحلة تاريخية غير مسبوقة تتعلق بسيادة نظام أدى، تدريجيا، إلى سيطرة التافهين على جميع مفاصل نموذج الدولة الحديثة". وهنا يقول المؤلف ألان دونو: "يدعم التافهون بعضهم بعضا، فيرفع كلٌّ منهم الآخر، لتقع السلطة بيد جماعة تكبر باستمرار، لأن الطيور على أشكالها تقع. ما يهمّ هنا لا يتعلق بتجنّب الغباء، وإنما بالحرص على إحاطته بصور السّلطة".

مصطلح نظام التفاهة، كما يشرحه المؤلف، يفيد "المرحلة المتوسطة خلال فعل ينطوي على ما هو أكثر من المتوسط: إنه يعني هذه الدرجة الوُسطى بعد رفعها إلى مصافّ السلطة".

وهنا نعود إلى المترجمة الدكتورة مشاعل التي أوضحت بأن "Mediocaracy/ الميدوقراطية" كلمة جديدة على القاموس نسبيا، فلم تظهر إلا حوالي عام 1825، وهي تعني النظام الاجتماعي الذي تكون الطبقة المُسيطرة فيه هي طبقة الأشخاص التافهين، أو الذي تتمّ فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضا عن الجدية والجودة... وبشكل عام "نظام التفاهة" مجرد مقاربة تتعلق بوصف نظام اجتماعي يراد نصبه كنموذج، كما هي الحال مع الديمقراطية والتكنوقراطية مثلا".

يتميز الكتاب باستحضار الكثير من الأمثلة والشواهد في أطروحاته التي تؤكد بأن نظام التفاهة يتمظهر من خلال السياسة والاقتصاد والمؤسسات الأكاديمية والثقافة. والتي باتت محكومة من قبل ما يصفه بـ"اللعبة" التي تقودها "سلطة خالصة مُطلقة من أي عنان، وذلك من خلال نظام تنافسيّ يتجسّد بكل من الرأسمالية وسلطة المافيا. فالاثنان يمكن أن يغرسا أنظمة تشمل القوانين ومواثيق الشرف، واللاعبين ذوي النفوذ هم في موقع يسمح لهم بالإشراف على "اللعبة". ولا قواعد مكتوبة لهذه اللعبة، ولكنها تتمثل ـ أو ترد أو تُستشعر ـ في انتماء إلى كيان كبير ما، تُستبعد القِيَم فيه من الاعتبار، فيُختزل النشاط المتعلق به إلى مجرد حسابات مصالح متعلقة بالربح والخسارة.

يعتقد دونو أن نظام السوق هو السائد والمتحكم الآن، وكل ذلك يتم بعنوان "الحوكمة" التي تحاول إفراغ مفهوم السياسة من قيم مرتبطة بأفكار الحق والواجب والعمل والالتزام والصالح العام، واستبدالها بمفاهيم الإدارة والشراكة والخصخصة وتحقيق الربح، ومن ثم تتحول الدولة إلى محض شركة تجارية، فمنطق الحوكمة الصرف، يقرّر أن "الكل يجب أن يتكيّف فيصبح تابعا لمنهج الأعمال التجارية".

يوجه مؤلف الكتاب نقدا قاسيا إلى ما بات يعرف بالنخبة أو التكنوقراط الذين يصفهم بـ "الخبراء المنقذون"، ويعتبر مهمتهم تثيبت دعائم النظام الرأسمالي المحكوم من قبل الأقلية المسيطرة على الاقتصاد والسياسة، إذ "لمن هم في مواقع السلطة فإن الإنسان التافه هو الشخص المعتاد الذي يستطيعون نقل تعليماتهم من خلاله، بما يسمح بترسيخ نظامهم". ويقول: "كلما تراجعت الأوليغارشية إلى عاداتها السيئة (الفساد، التدليس، التفاهة) سارع "الخبراء" الذين يتقاضون رواتبهم منها إلى إنقاذها".

حتى المشهد الثقافي فرض نظام التفاهة سيطرته عليه ـ حسب وجهة نظر دونو ـ أصبح "يقدم نفسه كجهاز رسمي ورمزي، يقود الناس المرؤوسين والمُسيطر عليهم من قبل النُّظُم الليبرالية إلى تحويل طاقاتهم الروحية باتجاه دعم هيكل اجتماعي مصمم ومنفّذ من قبل الطّبقة المسيطِرة".

يفترض دونو أن الديمقراطية لم تعد مهددة، بل تم تنفيذ جميع التهديدات فعليا، ومن ثم "لنسمي هذا النظام بلوتوكراسي/ "حكم اللصوص"، أوليغارشية، طغيانى برلماني، شمولية مالية"؛ فهو لم يعد ديمقراطيا. وهنا تحديدا، يمكن القول بوجود عنصر مشترك بين أنظمتنا السياسية ونظام التفاهة، فعلى الرغم من أن المجتمعات والأنظمة العربية تعيش على هامش الرأسمالية في أنظمة سياسية واقتصادية هجينة تجمع بين الرأسمالية والاشتراكية وبين الديمقراطية والدكتاتورية، لكن يبدو، الفضل يعود إلى العولمة، بأنه قد تسربت في مجتمعتنا الكثير من مظاهر نظام التفاهة.

ويبدو أن أزمتنا أكثر تعقيدا، فنحن محكومون من قبل قوى سياسية تجمع ما بين التفاهة والكليبتوكراسية. وتشرح المترجمة الدكتورة مشاعل ماهية هذا النظام: "الكليبتوكراسية Kleptocracy" بأنه مصطلح اصطنع في بدايات القرن التاسع عشر، ليصف النظام السياسي المُسمى "حكم اللصوص"، وهو النظام الذي يسمح بالفساد وسرقة المال العام والخاص من خلال تسهيل استغلال المناصب الإدارية والسياسية من قبل القائمين على مرافق الدولة، ويُطلق على المستفيدين من هذا النظام "كليبتوكراتس" وكلما انتشر هذا الوضع في النُظُم الديمقراطية، كان على القواعد الشعبية أن تُراجع المعايير الخاصّة بخياراتها الانتخابية.

بالعودة إلى وباء كورونا، توجهت مجلة Foreign Policy الأميركية إلى اثني عشر خبيرا ومختصا في العلاقات الدولية، بالسؤال الآتي: كيف سيكون العالم بعدما يزول وباء كورونا ـ 19؟

وكانت جميع الأجوبة تتراوح وتدور في دائرة صعود الشعبوية، والعودة إلى مركزية الدولة واحتمالية ضعف العولمة، واحتمالية صعود النموذج الصيني وزيادة التنافس الاقتصادي بين الصين وأميركا، والتنبؤ بأزمة تهدد الاقتصادي العالمي. لكن لم يتنبأ لنا أحد باحتمالية إعادة التفكير بالقيم التي أنتجتها الرأسمالية.

فهذا الفيروس الذي ذل كبرياء الأنظمة الشمولية والديمقراطية والاقتصادات العالمية، قد يكون بوابة لإعادة التفكير في المدخلات التي أنتجت نظام التفاهة، إذ تعلمنا من التاريخ أن العالم والأفكار لا يتغيران إلا بعد أن تقع الكارثة. أو يبقى سؤالنا كما ذكره الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في الصفحات الأخيرة من رواية الطاعون: "إذا كان ممكنا التفكير بأن الطاعون لن يغير شيئا في المدينة، وأن كل شيء سيعود كما كان من قبل، أي كما لو أن شيئا لم يحدث... إن ما كان يعنيه، هو أن يعرف ما إذا كان النظام نفسه لن يتغير".

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 01-04-2020     عدد القراء :  160       عدد التعليقات : 0