الذكرى الخمسون لرحيل بيكاسو… الأندلسي الذي غزا باريس مرات ومرات
بقلم : ابراهيم العريس
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في الثامن من أبريل (نيسان) 1973، وضع الموت نهاية لحياة بابلو بيكاسو عن عمر يناهز الثانية والتسعين، ليؤكد أن هذا الفنان الإسباني إنما كان كغيره كائناً من البشر معرضاً للموت في أي لحظة. وأنه لم يكن خالداً بالطبع. لكن المشكلة كانت أن قلة من الناس فقط كانت قابلة لأن تصدق هذه الحقيقة، فهو لكثرة ما ملأ الدنيا وشغل ناسها طوال القرن العشرين وحتى لحظات عيشه الأخيرة، كان يبدو راسخاً في مكانه لا يتحرك إلا بحركة فنه. لكنه مات كما يموت أي شخص، وإن بجسده فقط هو الذي لم ينتظر هذا الرحيل كي يخرج من التاريخ إلى الأسطورة، والذي انهمك بابداعاته وتجديداته، المشاكسة والصادمة غالباً، ليس في الرسم فقط بل في النحت والخزف وحتى المسرح والسياسة والكتابة أحياناً، منفقاً كل لحظة من لحظات حياته على درب الخلود التي اختطّها لنفسه منذ بداياته كما سوف نرى.

يقول الفنان إيف مونتان في واحدة من أجمل أغانيه إنه "بعد زمن طويل من موت الشعراء، تبقى أغانيهم محلقة في الطرقات..."، وهو يعني بهذا أن الشعراء لا يموتون أبداً طالما شعرهم باق حيّاً. لكن ما لا تقوله الأغنية هو أن الشعراء لا يولدون كذلك في اللحظة البيولوجية التي تضعهم فيها أمهاتهم. بل في لحظة أخرى متأخرة عن تلك اللحظة كثيراً. يولدون حين تولد أشعارهم. وحكايتنا هنا عن فنان تقول لنا سيرته إنه ولد في عام 1881، لكننا لن ننسى أبداً أنه لم يولد حقاً إلا بعد ذلك بـ20 سنة وفي لحظة باريسية كادت أن تبدو مفتتحة للقرن العشرين الذي سيكون ذلك الوليد سيّداً كبيراً من أسياده.

الفتى الذي غزا مدينة النور

حدث ذلك يوم 24 يونيو (حزيران) من عام 1901. وكان المعنيّ بالأمر فتى بالكاد خرج من سن المراهقة أتى إلى العاصمة الفرنسية من وطنه إسبانيا وقد قرر كما قال بنفسه، أن يغزو عاصمة النور. لم يأبه بأن أحداً لم يكن يعرفه في صخب تلك المدينة التي كانت تزدحم بأمثاله وأحلامهم. بل كان هو يعلن من دون وجل لكل من يلتقيه أنه لا يعرف هنا أحداً ولا يعرفه أحد. "لكني عما قريب سأكون أشهرهم جميعاً..."، فهو أتى إلى هنا فاتحاً لا متفرجاً، مؤكداً أن الكل سوف يتدافعون ذات يوم للتفرج على ما ينتج. وما ينتج كان لوحات فنية عَرَضها في ذلك اليوم في غاليري امبرواز فولار، تاجر اللوحات، الذي كان يعتقد أنه يجازف بإقامة ذلك المعرض لـ"نكرة"، كما قال.

لكن فولار لم يكن يجازف، حتى وإن لم يلق المعرض رواجاً في الأيام الأولى، حيث كان الإقبال خجولاً لم يلفت الكثير من الأنظار. فالعصر كان عصر جنون وجموح وعصر تجديد في باريس بداية القرن. فما الذي أتى يفعله ذلك الفتى العشريني؟ ذلك الفتى الإسباني النحيل والمعتدّ بنفسه؟ وما الذي أتت تفعله لوحاته المغرقة يومها في حزنها الأندلسيّ الأصيل؟

كان الفتى أندلسياً من دون ريب: اندلسياً بسحنته وكبريائه وجبهته العريضة واندفاعه وحدّة طبعه. لكنه كان أندلسياً كذلك بألوانه وخطوطه وعوالم لوحاته. لكن إسبانيا لم تكن على الموضة في فرنسا ذلك الحين، ومن هنا اعتُبر ذلك المعرض الباريسي الأول للفنان الشاب نوعاً من التحدي لحياة فنية تحب أن تعيش حبوراً حقيقياً. ولكن لئن تجاهل الجمهور العريض ذلك المعرض فإن لوحات الفتى، الذي سمّى نفسه بيكاسو على اسم أمه، وكان بالكاد ينطق جملة فرنسية واحدة نطقاً صحيحاً، عرفت كيف تجتذب على الأقل اهتمام النقاد وفي مقدمهم واحد منهم كان شهيراً وذا سلطة في ذلك الحين، هو فيليسيان فاغوس الذي كتب بحماسة "إن بيكاسو رسام. رسام بشكل مطلق وواضح. فنان يعبد الألوان لذاتها". كانت تلك العبارة شهادة ميلاد بيكاسو الذي كان قد ولد في عام 1881 في مدينة ملقا. لكن فاغوس لم يكن الناقد الوحيد الذي أبدى مثل تلك الحماسة، إذ تبعه في الأيام التالية نقاد وفنانون بهرتهم لوحات الفتى بخطوطها البيّنة وعنف ألوانها. وهكذا راح زوار المعرض يتزايدون يوماً بعد يوم. وكانت المعجزة الصغيرة، إذ ما مضى الأسبوع الأول حتى كان معرض الفنان الإسباني الشاب بابلو بيكاسو حديث باريس وتحققت نبوءته: ها هو يغزو باريس، ولكن أسرع كثيراً مما كان يعتقد أو يأمل.

لكن غزوه باريس كان مزدوجاً، إذ في الوقت الذي راحت فيه مدينة النور تكتشفه، راح هو يكتشف كبار فنانيها الذين كانوا "على الموضة حينها" من تولوز – لوتريك إلى ديغا ومن فويّيار إلى سيزان... والحقيقة أن اكتشافه هؤلاء وغوصه طوال أشهر في الحياة الباريسية، الفنية وغير الفنية، كان نقطة تحوّل رئيسة في حياته، ولا سيما في انعكاسها فنياً عليه ففي تلك الأشهر وُلدت لديه تلك المرحلة التي ستعرف بـ"المرحلة الزرقاء"، متواكبة مع قراره بأن يتخذ من باريس مقراً له منذ ذلك الحين.

ولكن هل كان صاحبنا مدركاً في تلك الآونة أن قراره سيطول حتى نهايات حياته بعد ذلك بنحو ثلاثة أرباع القرن، متربعاً على عرش فنون العالم عشرات السنين فارضاً مقاييسه و"تياراته" المتتالية؟ وهل كان المتفرجون والنقاد الذين اكتشفوا أعماله الأولى في ذلك الحين مدركين أنهم إنما كانوا شهوداً على ولادة حقيقية لأبرز ظاهرة فنية ستطبع القرن العشرين بأسره؟

بالتأكيد لا... صحيح أن كثراً ومن بينهم الشاعر – والناقد الفني أحياناً – غيّوم أبولينير، أدركوا من فورهم أنهم هنا أمام فنان كبير، وربما استثنائيّ، ولكن من المؤكد أن ما من واحد منهم كان مدركاً أن ثمة في الأفق معجزة فنية حقيقية تتكون من تلك العلاقة التي قامت منذ ذلك الحين بين عيون مفتوحة على أقصى درجات الدهشة ولوحات تحمل سمات إسبانية لا شك فيها تبدو وارثة شرعية لأعظم ما أنتجه الفن الإسباني من سورباران إلى غويا، ومن بيلاسكوث إلى الغريكو وغيرهم.

رسام ابن رسام

اسم بيكاسو الأصلي هو بابلو رويث بلاسكو إي بيكاسو، وهو كان قد تلقى دروسه الأولى على أبيه الذي كان يعمل كأستاذ للرسم في برشلونة. وفي هذه المدينة نفسها تابع بيكاسو دروساً ومحاضرات في مدرسة الفنون الجميلة في عام 1895، حيث كشف عن مواهب لديه وُصفت بأنها مواهب مبكرة واستثنائية. وبعد ذلك أمضى فترة من الزمن يسيرة في أكاديمية مدريد، وذلك بين عامي 1979 و1898. وفي عام 1900 توجه، للمرة الأولى إلى باريس التي سيعود إليها بعد ذلك بثلاثة أعوام ليقيم فيها بصورة نهائية مستنداً إلى النجاح الكبير الذي كان قد حققه فيها معرض أعماله الأول عام 1901.

في باريس، وإذ باتت إقامته فيها نهائية هذه المرة، لم يعمد بيكاسو على الفور إلى التخلي عن أسلوبه الذي انطبعت به رسومه المحققة في برشلونة، وهو لسنوات عديدة سوف يظل بعيداً عن التأثر بنفوذ النزعة الطليعية الفرنسية الباريسية، بل إن أعماله كانت أكثر اقتراباً من أعمال مجموعة الفن الرمزي التركيبي، تلك المجموعة التي كان غوغان قد تزعمها عند نهايات القرن السابق. وكانت أعمال بيكاسو لتلك الفترة تتميز بمحتواها الأدبي وأسلوبها الخطي، كما كانت تتميز بالسعي نحو أناقة في التنفيذ دقيقة الملامح. وهكذا، مثلاً، في لوحته "الحياة" (1903) انصرف بيكاسو للتعبير عن انطباع عام، أكثر مما انصرف لتحديد مغزى موضوعه المرسوم. والحقيقة أن هذا النوع من المجاز المعبر والغامض يدفع بنا للتفكير بغوغان من دون غيره. ونذكر هنا أن مناخ اللون الأزرق هو الذي سيطر على أعمال الفترة بين 1901 و1904، وذلك ما جعل النقاد والمؤرخين يصطلحون على تسمية تلك الفترة بـ"الفترة الزرقاء" أو "المرحلة الزرقاء". والسيطرة على الخط الذي كان بيكاسو قد توصل إليه خلال تلك الفترة تبدو واضحة كل الوضوح من خلال أعمال كـ"البؤساء" (1905).

منذ عام 1905، انصرف بيكاسو إلى الرسم مدفوعاً بقوة جديدة وبات رسمه أقل تحذلقاً كما أن مزاجه كان قد صار أقل كآبة. وهنا كانت شخصيات السيرك قد صارت بعض موضوعاته المفضلة كما حلّ اللون الوردي محل اللون الأزرق كلون مهيمن، ومن الأمثلة الواضحة على هذا التوجه الجديد لوحة "عائلة فناني السيرك".

حتى ذلك الحين كانت أعمال بيكاسو لا تزال، في جزء كبير منها، أعمالاً تنتمي إلى النزعة الطبيعية. ولكن، خلال شتاء 1906-1907، جاء اهتمام متجدد لديه بالمنحوتات البدائية الأفريقية والإسبانية على السواء، وبغيرها من الفنون البدائية، ليحدد تبدلاً جذرياً لديه. وهو تبدل ظهر أول ما ظهر، بكل وضوح، وبشكل مفاجئ، في لوحة "آنسات آفينيون" التي رُسمت خلال ذلك الشتاء وكانت أكبر لوحة رسمها بيكاسو حتى ذلك الحين. صحيح أن عدد الناس الذين شاهدوا تلك اللوحة كان قليلاً "فهي لم تعرض رسمياً إلا في عام 1927"، كما أن عدد الذين فهموها يوم أنجزت كان أقل، غير أنه كان من شأن لوحة "آنسات آفينيون" أن تكون ذات أهمية أساسية على طول مساره الفني اللاحق.

والواقع أن الاهتمام بالنحت البدائي قد قاد بيكاسو في تلك السنوات الحاسمة إلى تبسيط جذري للشكل، وذلك لرغبته في أن ينقل الصورة المفهومية لموضوعه، متجاوزاً بعده المرئي. وهنا أخذت الأشكال تتفكك متحولة إلى سلسلة من المشاهد المسطحة وذات الزاوية الواضحة، تواكبها أحياناً وجوه كبيرة تبدو أشبه بالأقنعة، أما تصوير المكان فقد تم التخلي عنه بصورة عملية. ولا بد أن نذكر هنا أن بيكاسو كان يعمد، عند إنجاز التشكّل الأخير الذي ستتخذه اللوحة، إلى استبعاد كل نزعة أدبية كان يجري اقتراحها في بعض الدراسات الممهدة للوحة، فيتم، بالتالي، تركيز الانتباه على المزايا الشكلية. ولقد قال بيكاسو إن النحت الإيبيري كان في أساس وجوه لوحة "الآنسات". أما اللوحات التي تلتها كلوحة "الراقصات المحجبات" (1907) فلقد أبرزت، بخاصة، اهتمامه بالنحت الأفريقي.

غضب مؤقّت من "الآنسات"

الواقع أن "آنسات أفينيون" أثارت غضب كثر ممن كانوا أول من شاهدها، وبشكل خاص غضب الرسام جورج براك الذي كان واسع الشهرة في ذلك الحين وصديقاً شخصياً لبيكاسو. لكن ذلك الغضب سرعان ما تلاشى قبل أن يتحوّل إعجاباً، بل حتى دافعاً لبراك وعدد آخر من الرسامين إلى سلوك درب ذلك التيار الذي سرعان ما أطلق عليه اسم "التكعيبية". صحيح هنا أنه من الصعب ربط هذا التيار كلياً بلوحة واحدة. لكن المهم أن ذلك الربط، ومهما بدا تعسّفياً، كان هو ما حرّر بيكاسو من مجرد "محاكاة الطبيعة كما هي" على حد تعبيره. فمنذ "الآنسات" باتت المخيّلة وحدها ما يقود خطواته ويوجّه ريشته في لوحات مثل "الموسيقيين الثلاثة" و"فتاة أمام المرآة"... وغيرها من لوحات جعلت اسم بيكاسو على كل شفة ولسان وكذلك فعلت بالتيار التكعيبي. وهو ما ستقول عنه الكاتبة الأميركية المقيمة في باريس حينها جرترود شتاين "لقد كان بيكاسو الفنان الوحيد الذي رأى أن مهمة الفنان أن يعبّر عن حقيقة نفسه، لا عن العالم وحقيقته".

بيد أن بيكاسو لم يكتف بهذا، لم يكتف بأن يقف عند حدود التكعيبية كما فعل معاصرون ورفاق له مثل براك وخوان غراي، بل راح من حينها يغيّر من أساليبه وأشكاله إن لم نقل من مواضيعه، بالأسلوب والسرعة نفسيهما اللذين يبدّل بهما نساءه! ونعرف أن في الجانب "الظاهر" من حياة بيكاسو الشخصية ما لا يقل عن ست نساء كانت كل واحدة منهن مزيجاً من الزوجة والعشيقة والملهمة والمحاورة وربما المؤرخة كاتبة المذكرات الفاضحة حيناً والمبررة في أحيان أخرى. بل حتى كان لكل منهن دور في انعطافة فنية أساسية عرفها مسار ذلك الفنان المدهش.

"غورنيكا" المرحلة الأهم في حياته وفنه

فنياً، يعتبر كثر من مؤرخي حياة بيكاسو ودارسيه أن أعماله خلال السنوات العشرين التالية لبداياته التكعيبية، أهم ما أنتج والأعمال التي لم تجعله فنان العالم الأكبر فقط، بل كذلك الفنان القدوة والمثير لكل أنواع السجالات. لعل نقطة الذروة في ذلك كله ستكون لوحة "غورنيكا" التي يعتبرها كثر أهم ما أنجز بيكاسو من لوحات في مساره الفني والحياتي كله. بل ثمة من يعتبرها، بقدر ما من المبالغة الحماسية طبعاً، "أهم إنجاز فني في القرن العشرين على الإطلاق" – في مجال الرسم على الأقل. ونعرف أن بيكاسو رسم هذه اللوحة الاستثنائية متأثراً بقصف الطيران الألماني بالتواطؤ مع الطيران الإيطالي، بلدة غورنيكا معقل الثورة الإسبانية، كنوع من الدعم لفاشيي فرانكو خلال الحرب الأهلية الإسبانية التي وقف فيها بيكاسو إلى جانب الجمهوريين التقدميين على الضد من فرانكو طبعاً. لقد رسم اللوحة التي "تؤرخ" لقصف المدينة الواقعة في إقليم الباسك الإسباني، وإبادة أعداد كبيرة من سكانها، في عام 1937 لتعرض في الجناح الإسباني في معرض باريس الدولي عامذاك. وهو قرر منذ تلك اللحظة أيضاً ألا يعود إلى وطنه الإسباني إلا بعد زوال فرانكو ونظامه، ونعرف أن ذلك لم يتحقق له في حياته. فبيكاسو سيرحل في الجنوب الفرنسي في مثل يومنا هذا من عام 1973 وفرانكو باق على قيد الحياة متمسكاً بسلطته الدكتاتورية لسنتين من بعده ما حرم رسامنا الأندلسي رؤية وطنه، كما أخّر عودة "غورنيكا نفسها" إلى إسبانيا من مستقرها النيويوركي الذي بقيت فيه سنوات طويلة في انتظار تلك العودة!

سياسات لا تخلو من غموض

بعد "غورنيكا" وخلال الحرب العالمية الثانية كان اتجاه بيكاسو نحو الشيوعية واضحاً، ولكن طبعاً من دون أن يكون عضواً في أي حزب شيوعي، لكنه كان من الجرأة إلى درجة بقائه في باريس فترة الاحتلال النازي لها غير آبه بالقمع النازي وعداء النازيين لكل فن حديث، وإنسانيّ.

ومن جراء إقامة بيكاسو التي طالت في باريس، ربط النقاد والمؤرخون بينه وبين ما سمّوه "مدرسة باريس"... لكن الحقيقة هي أن بيكاسو كان مدرسة على حدة. مدرسة تتّسم أول ما تتّسم بإسبانيّتها الصريحة والجليّة. فلقد كان بيكاسو وسوف يبقى دائماً ذلك الإسباني الأندلسي الذي يدرك أن للمنطقة التي أتى منها مهمة إنسانية إبداعية ربما يكون من أدلّ دلالاتها الربط بين الشرق والغرب وبين الجنوب والشمال كما سوف نرى بعد قليل. أما هنا فلنحاول أن نستكمل ذلك الربط بين حياة بيكاسو وفنه، الربط الذي صنع ذلك الفن وأسطورته جامعاً كل ذلك في بوتقة واحدة مع النضال السياسي الذي بدأ يسود لديه ولكن دائماً على طريقته الخاصة، الطريقة التي يمكن أن نعبّر عنها بالحكاية التالية: ذات حقبة ثار خلاف عميق بين بيكاسو وقيادة الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان بيكاسو مقرباً منه ولا سيما من قائده موريس توريز الذي كان الخلاف معه تحديداً. وفي إحدى المناسبات التقى توريز بيكاسو فسارع يحييه ويضمه بودّ. دُهش المحيطون بالقائد الشيوعي وتساءلوا لاحقاً عما فعل بقدر كبير من الاستنكار، فأجابهم حاسماً "عندما يكون هناك خلاف بين حزب سياسي وفنان، يكون الحق دائماً إلى جانب الفنان!".

مهما يكن لا شك في أن لوحة "غورنيكا" تقدم لنا أفضل فكرة عن الكيفية التي فهم الفنان بها مسألة النضال السياسي من طريق الفن، وتعبيره عنه وعن غضبه وثورته من طريق الخطوط والألوان. ولقد قال بيكاسو عن لوحته تلك "ليست لوحتي استنساخاً للواقع، بل هي مبنية انطلاقاً من الواقع سياسياً وجمالياً" والحقيقة أن الملايين الذين شاهدوا اللوحة في عروضها المختلفة على مدار السنين يدركون ما الذي كان الفنان يعنيه بها وبكلامه عنها، في حديثه عن الحرب وكابوسها المريع. وعن هذا الأمر بالتحديد ستقول جرترود شتاين نفسها "لم يخترع بيكاسو أي شيء اختراعاً كاملاً ومن العدم. كل ما في الأمر أنه وضع قدميه في هذا العالم ثم لم يزحهما أبداً عنه". أما بيكاسو فسيقول "لا أعتقد أن البحث هو الذي يعني كل شيء في الفن ما يعني كل شيء هو العثور".

غاية محددة وإنسانية للفنّ

في نهاية المطاف لم يكن بيكاسو فناناً يؤمن بـ"الفن للفن". بل كان يؤمن بالغاية من الفن. كان يؤمن بأن الفنان إنما خلق ليكون صاحب فعل، لا لينغلق على قوقعة ذاته، ولكن ليس تبعاً لوصفات جاهزة تمليها أي أيديولوجيا من الأيديولوجيات. ومن هنا لم يتمكن أي تيار من أن يشدّه إليه طويلاً لا التكعيبية ولا "الواقعية" ولا السوريالية ولا الشكلانية... لقد كان وبقي حتى نهاية حياته تجريبياً، هو الذي أمضى العقود الأخيرة من تلك الحياة مواصلاً تجريبيته ليس في مجال الأشكال فحسب بل في تنوعية مدهشة بين الأصناف وشتى أنواع الفنون حيث كنت تجده حيناً خزّافاً وحيناً رساماً وحيناً مهندس ديكورات مسرحية وحيناً نجم أفلام تُصوّر عنه ومعه، وفي أحيان كثيرة كاتباً بل كاتباً مسرحياً أيضاً... وهو في النهاية حين رحل خلّف كنوزاً فنية وسجالات لا تنتهي، لكنه خلّف إلى هذا، ذلك الربط الإنساني الذي اشتغل عليه طوال حياته بين تعبيرات الشعوب والمناطق المختلفة من العالم والذي حان الوقت هنا لنختم به كلامنا هذا بالنظر إلى أنه يكاد يكون السمة الأساس في مسار بيكاسو.

شرق بيكاسو وأفريقياه

فإذا كنا نشير كما أشار غيرنا إلى ما في فن بيكاسو من شرق لا بد من أن نحاول هنا التساؤل عن شرق بيكاسو. فالواقع أن كثراً من النقاد والمؤرخين، توقفوا طويلاً، عند بعض مراحل بيكاسو الأساسية، متسائلين حول كل ذلك القدر من الحدة العصبية والضوء اللوني الذي يطبع لوحاته – بل حتى أعمال معظم الفنانين الإسبان -. وإذا كان انتماء بيكاسو المتوسطي واهتمامه بالنحت الأفريقي والإيبيري (الإسباني)، قادرين على تفسير ما فيه من شرق، فإن بوسعنا كذلك الاستناد في تفسير شرقية بيكاسو (ودالي كذلك، وربما أيضاً غويا والغريكو) بالرجوع إلى فن الـ"موتساراب" الذي، على الرغم من أنه لا يزال مجهول المصادر حتى الآن، تربطه بالشرق وألوانه وحدّة البروز الصارخ للألوان فيه، أكثر من وشيجة.

و"الموتساراب" هو الاسم الذي أُطلق على نصارى الجنوب الإسباني الذين انضموا باكراً إلى العرب عند دخول هؤلاء إلى الأندلس، بل وأسلم العديد منهم وصارت العربية لغتهم، لكنها كانت عربية تختلط فيها التعابير المحلية... وهم كنتيجة لارتباطهم هذا بالعرب، اعتادوا عاداتهم وتقلدوا تقاليدهم، لكنها عادات وتقاليد اختلطت لديهم بما كان عندهم، فنشأ عن ذلك الخليط، فن وحضارة وتقاليد تغلب عليها سمات الشرق، من دون أن تنفصل عن الغرب. ولقد تميز في فن الموتساراب بشكل خاص، الاتجاه نحو رسم المنمنمات، وذلك بالتوازي مع مدارس المنمنمات الشرقية التي عرفت ازدهارها الأقصى في بغداد والشرق الإسلامي. وكانت المنمنمات الإسلامية في تسطيحها البيزنطي الأصل للوجوه، وفي وصولها إلى حدود التنميق تتميّز بخصوصية لا نزال قادرين على تلمسّها في الأيقونات الكنسية الشرقية حتى اليوم. وكان المنمنم الموتسارابي، في عشقه الحاد للألوان البارزة، ينحو إلى تجاهل رسم العمق، تعبيراً عن عدم اهتمامه بالعالم على شاكلته الحالية، كما كان ينحو إلى التركيز على ألوان محددة: الأصفر والبرتقالي المتأتيين من وهج الشمس، كما كان ينحو إلى الإكثار من استخدام اللون الأسود لإبراز قوة الألوان الأخرى. باختصار، كان فن الموتساراب، فن الشمس والبعد الروحاني ووهج الألوان. وحسبنا أن نقارن هذا الوهج بوهج لوحات بيكاسو، كما حسبنا أن نقارن عيون شخوص بيكاسو، بعيون وتلويحة وجه الملاك والقديس يوحنا في منمنمة "التعليق على سفر الرؤيا" التي تعتبر من أبرز إنتاجات فن الموتساراب، لنضيفه إلى المؤثرات التي كان لها على فن بيكاسو أكبر الأثر، ونطلع من هذا باستنتاج، تساؤلي على الأقل، حول شرق بيكاسو.

فسواء شئنا هذا أم أبينا... وسواء وافق عليه مؤرخو بيكاسو أم لم يوافقوا. يمكننا إذا أضفنا فن منمنمات الموتسارابي إلى مؤثرات بيكاسو، أن يصبح لدينا عالم شمس وشرق كامل يلعب في فن بيكاسو دوراً كبيراً:

- مناخ المتوسط وشمسه الميّالة إلى الإشراق.

- فن غوغان المتأثر بشمس الجزر الباسيفيكية الشرقية.

- المنحوتات الإيبيرية القديمة (وبعضها متأثر بالإسلام الأندلسي).

- المنحوتات الأفريقية.

وهذا يدفعنا، على الأقل، إلى التساؤل حول حجم الشرق في أعمال بيكاسو.

على أي حال، كان هذا كله، إضافة إلى بدايات بيكاسو، هو الأرضية التي هيأت المناخ لاكتشافات التكعيبية المقبلة.

  كتب بتأريخ :  الخميس 09-04-2020     عدد القراء :  208       عدد التعليقات : 0