سجن الحماية: جائحة كورونا

لا أحد يستطيع أنْ يغفل حقيقة أنّ الوباء الأسرع انتشاراً في العالم والذي أطلق عليه كوفيد- 19، أو الكورونا أضر البلدان الغربية المتقدمة في العالم مثل الولايات المتحدة الأميركية وإيطاليا وفرنسا واسبانيا وبلجيكا وألمانيا، إلخ، أكثر بكثير مما فعل مع البلدان التي تعتبر أقل بكثير، من النواحي التنموية.

جاءت الكورونا لتصنع لحظتها التاريخية وتتحدى مفهوماتنا وأفكارنا وكل ما أعتبرناه صحيحاً ومقبولاً حتى الآن. فقد درجنا على اعتبار المتضررين من العولمة هي البلدان الأفقر والأقل تطوراً. وخلصنا إلى أنّ العولمة كظاهرة متعددة الأبعاد أسهمت في إضعاف الضعيف وتقوية القوي. وبدا ذلك صحيحاً. من جانب آخر، ومن وجهة نظر علم اجتماع التنظيم صار في عداد المسلمات القول أنْ لا خوف على دولة المؤسسات. ولما كانت الدول الغربية المتقدمة دول مؤسسات فستنجو لا محالة، وبسهولة.

أما بلداننا فسيتساقط فيها الأفراد كالبرق وليس فقط مثل أوراق الشجر في فصل الخريف. هكذا بدا الوضع للوهلة الأولى. أشارت كل التوقعات إلى قدرة الغرب المتطور النامي على النجاة فيما ستنعدم قدرة بلداننا في الشرق العتيق على مواجهة الجائحة. بيد أنّ تطورات انتشار الوباء وطرق التعامل معه أشر حقائق مختلفة على أرض الواقع.

ظهر واضحاً من خلال هذا السيناريو المألوف كيف أنّ مجتمعات الشرق العربي والإسلامي انساقت إلى الغرب المتقدم وتتبعت أخباره وتعلقت بمقارناته في مواجهة الجائحة. فكان أنْ انتشرت الكمامات وتشكلت لجان خلية الأزمة على الصعيد الوطني وفرض الحظر العام واهتمت الحكومات تماماً كما يفعل الغرب المتقدم. قرع فشل القطاع الصحي في البلدان المتقدمة ناقوس الخطر في بلداننا. وكان لسان حال الفرد والمؤسسة على السواء في مجتمعاتنا يردد "إذا انهار القطاع الصحي في بلدان متقدمة بدلالة عدد الإصابات وتصاعد نسب الوفيات بالمقارنة، فكيف بنا!". يذكر أنّه طبقاً لإحصاءات جامعة جون هوبكنز الأميركية فقد تجاوز عدد الإصابات في العالم سقف المليونين حتى لحظة كتابة هذه المقالة منتصف نيسان من العام الحالي على مستوى العالم فيما تجاوزت الوفيات (148) ألف مسجلاً نسبة تقرب من 7%، فيما اقترب عدد الإصابات من (700) ألف واقترب عدد الوفيات من (34) ألف ليسجل نسبة تزيد على 5% في الولايات المتحدة الأميركية. وتشير أحدث التوقعات أنّ عدد الوفيات في الولايات المتحدة سيصل إلى أكثر من (60) ألف بحلول آب القادم. وهذا ما أدى إلى موجة انتقادات حادة ومتسارعة للأداء الحكومي وتحميل اداراتها مسؤولية ذلك بسبب الإهمال وعدم استباق الأوضاع وتهيئة الخطط اللازمة لتفادي نتائجها الكارثية. عبر عالم اللسانيات والفيلسوف الأميركي نعوم تشومسكي البالغ من العمر (91) عاماً عن ذلك بالقول: كان يمكن تفادي خطر انتشار الوباء بسبب توفر معلومات عنه وصلت منظمة الصحة الأممية منذ نهاية العام الماضي ولكن الولايات المتحدة تجاهلت الأمر وتبعتها بريطانيا وألمانيا فيما اتخذت دول أخرى مثل الصين وكوريا الجنوبية وتايوان وسنغافورة إجراءات محددة بغرض الوقاية". وبدا أنّ انهيار القطاع الصحي في الولايات المتحدة بدلالة الإحصاءات المشار إليها والتي تشكل 31% من عدد الإصابات في العالم أثار هلع العالم من حيث أنّه غالباً ما ينظر إلى القطاع الصحي الأميركي على أنّه الأكثر تقدماً وكفاءة وفعالية. أضف إلى ذلك أنّ اصابة عدد من الأشخاص المعروفين من أمثال رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون وشخصيات رياضية وفنية معروفة أخرى بهذا الفايروس ساهم بتصعيد درجة القلق والتوتر. فقد ظهر للعامة أنّ الفايروس يقتحم الجميع ولا يميز بين مجتمع متقدم أو نام ولا يفرق بين شخصية معروفة ومشهورة وأخرى ضامرة ومجهولة. وكان من شأن أمور من هذا النوع أنْ تنعش صنعة "تطيير" الإشاعات التي اتسم بعضها بالخطورة كما في أنّ "الفيروس ينتقل عبر الهواء". ولم يكن هذا إلا محض هراء.

بالعودة إلى لغة الأرقام في مجتمعاتنا فقد بدا أنّ عدد الإصابات وبالتالي الوفيات أقل بكثير. بإستثناء ايران التي بلغ فيها عدد الإصابات أكثر من 78 ألف لم تصل كثير من الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية سقف السبعة آلاف إصابة وكذلك الحال في بلدان أخرى من بينها العراق. صحيح إنّ هناك حالات اخفاق وفشل وتقاعس وحتى امتناع عن الإبلاغ بيد أنّ الوضع من هذا الجانب لم يضرب هذه البلدان بمقتل. ولكن الذي أصابها بمقتل إدراك حجم التبعية الفكرية والإعلامية والعلمية لهذه البلدان للبلدان الغربية المتقدمة. وهذا ما يفسر حالة الأضطراب والقلق التي أدت من بين ما أدت إليه إلى استدخال حالات القلق والتوتر ربما بسبب ما أسماه د. عزيز البطيوي "(واحدية العلم) الذي ساهم بتعطيل "الآلية التنظيرية للعقل العربي". العالم ينظر إلى العلم على أنّه واحد فيما أظهرت جائحة كورونا أنّ الأمر ليس كذلك وبخاصة على مستوى العلوم الإنسانية والاجتماعية. تتباين ردود الفعل وتتعدد طرق التعامل مع الفيروس بحسب عوامل كثيرة من بينها الإيمان والخجل والتغطية تبعاً لذلك والتغاضي أو التسليم بالقدرية.

لقد "حظيت" مجتمعاتنا بنصيب من الإصابات ولكنها لم تصل إلى مستوى رفع الراية البيضاء في مواجهتها. وهذا ما يطرح على المشتغلين في مجال علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية على وجه العموم قضية في غاية الأهمية تتمثل بفكرة أنْ نعود إلى امكاناتنا ونبحث في خصوصياتنا. صحيح إنّ العالم متشابك وأنّ مجتمعاتنا ترتبط بدول العالم على مستويات متعددة إنّما آن لنا إدراك أننا نتصف بما لا تتصف به مجتمعات أخرى. إنّ ما ظهر في الغرب المتقدم انهيار مؤسساتي يبدو أنّه طال العديد من المؤسسات بضمنها منظمة الصحة الدولية. وهذا ما رصده ميشيل فوكو فيما أطلق عليه تفكيك المؤسساتية Deinstitutionalization. كان فوكو قد تطرق من خلال هذا المفهوم إلى انهيار نظام الصحة النفسية والمدرسية في النصف الثاني من القرن العشرين كجزء من مساهمته في مجال نظريات ما بعد الحداثة. يبدو أنّ ما قاله آنذاك ينطبق على ما يحدث اليوم أو يعد امتداداً له. لقد فضح فايروس كورونا الشرس الرتابة التي عاش في ظلها النظام الصحي في البلدان الغربية المتقدمة الذي انشغل بتحديثات جانبية أكثر منها جوهرية. ولعل هذا ما جعل الفرد في هذه المجتمعات يعول كثيراً على المؤسسات الصحية في بلاده فيما لا يفعل الفرد في بلداننا ذلك. من حيث لا نتوقع، بدا أنّ هذه المعادلة قدمت بطاقة انقاذ للمؤسسات الصحية في مجتمعاتنا التي لا تعد بالكثير وإنْ فعلت خانها قلة عددها بالنسبة إلى حجم السكان وانخفاض نوعية الخدمات المتوقعة مما جعل المواطن يعتمد على مؤسسات بديلة تقف الأسرة في مقدمتها.

من جانب آخر، كان للتحركات الحكومية في البلدان الغربية المتقدمة التي طالتها الكورونا أنْ أظهرت ما تناوله فوكو أيضاً وأطلق عليه الحكوماتية Governmentality والتي تشير إلى تزايد النزعة التحكمية السلطوية على صعيد الحياة اليومية خارج سيطرة الدولة كنظام سياسي يعمل على المستوى الكبير. فقد تحول ملايين البشر بين ليلة وضحاها إلى ما يشبه الفرد الذي ينتظر سماع "البيان رقم واحد"، الذي يعلن فيه جماعة من العسكر التمرد على النظام السياسي القائم بصيغة انقلاب أو ثورة. لقد نجحت الحكومات بإخضاع المواطن لحضيرة الدولة التي صار بمقدورها أنْ تصدر إملاءاتها وتعليماتها وأوامرها بإسم مكافحة الكورونا! التقت على هذا الصعيد كلتي المجموعتين من الدول: الدول الغربية المتقدمة والدول الشرقية الأفروآسيوية لممارسة السلطة وفرض الهيمنة وإخضاع المواطن لمزيد مما يطلق عليه في الأدبيات الاجتماعية "وسائل الضبط الاجتماعي". لا يخفى على أحد ما لهذه التطورات الخطيرة من أذى وضرر يلحق بالفرد على المستويين القريب والبعيد. إنّه الإيذان بممارسة خفض آخر لنوعية الحياة الاجتماعية في الغرب والشرق. هنا نتلاقى.

يستطيع علماء الاجتماع العرب أو المحليين في أي جماعة يعملون فيها تبين الاختلافات المهمة بين بنياتهم الاجتماعية وبنيات مجتمعات أخرى من قبيل المجتمعات الغربية المتقدمة. طورت هذه البلدان على سبيل المثال امكانات مادية وتقنية مهمة لتقديم المساعدة "للمواطن ومن خلال المواطن"، عن طريق فرض نظام صارم ومنضبط لدفع الضرائب مما حملها مسؤوليات كثيرة. حظي من خلال أنظمة من هذا النوع عدد من الشرائح الاجتماعية المعوزة من أمثال المسنين والعجزة والمرضى برعاية جنبتهم الجوع والتشرد والألم. فكان أنْ ازداد عدد مؤسسات من هذا النوع لغرض الإيواء والرعاية. بدا من الطبيعي والعملي أنْ تزداد مؤسسات من هذا النوع في مجتمعات ذات نزعة فردية متطرفة إلى جانب صغر حجم الأسرة فيها والذي لا يزيد في العادة عن اثنين أو ثلاثة أفراد في الغالب. هذه مشكلة لا تعاني منها مجتمعاتنا. ما زالت الأسرة في مجتمعاتنا تتحمل الكثير من المسؤوليات تجاه الشرائح الاجتماعية المذكورة وتقوم بتقديم الرعاية اللازمة لهم. صحيح إنّ أعداد المهملين والمطرودين من أسرهم بما في ذلك المودعين "طواعية"، منهم بدور المسنين والعجزة والمرضى تزداد ولكنّ هذه الزيادة لا تزال في حدودها الدنيا إذا ما قورنت بحجم السكان في بلداننا. الحقيقة، لو أنّ الدولة اهتمت بالأسرة التي تتولى رعايتهم لساهمت بخفض الحالات المستجدة من السائلين لمعونة أو رعاية تشتمل على الإيواء والصحة والمساعدة. وهذه عبرة يمكن الحصول عليها من متابعة طرق التعامل مع هذه الشرائح في البلدان الغربية المتقدمة. تتمثل المعادلة في أن الغرب المتقدم قدم الرعاية المادية ولكنه فشل في تقديم المعونة النفسية والمعنوية ذات الطبيعة الأخلاقية التي يصعب تصنيعها أو شراؤها. بالمقابل افتقر الشرق للإمكانات المادية التي تساعده على استكمال الرعاية المعنوية والإنسانية بجوانب مادية ضرورية لتقليل المتاعب وتوفير المستلزمات المادية كالدواء وما إليه من حاجات أساسية.

يمكن القول إنّ جائحة كورونا تتطلب معالجة على مستويين: آني فوري وآخر بعيد المدى. فيما يتعلق بالمستوى الأول، مما لا شك فيه أنّ هذا الوباء الذي لم تتضح خصائصه بعد ولم تتمكن أرقى المؤسسات الصحية في العالم من تطوير لقاح لمعالجته يستلزم احترام الإجراءات الفنية والعملية التي توصي بها منظمة الصحة العالمية ريثما يتضح ما إذا كانت مؤسسات من هذا النوع تجاوزت أزمة تلكؤها وتعثرها لتنال ثقة الدول والمواطنين في العالم، من جديد. يظهر ضمن هذا المستوى أهمية احترام قاعدة "التباعد الاجتماعي"، أو "التباعد الجسدي" أو "الأمان الاجتماعي" وهذه مصطلحات ولدتها الظروف الراهنة وتستخدم بطرق متقاربة من حيث المعنى. إنّها تعني عملياً المحافظة على مسافة لا تقل عن ستة أقدام أو مترين بين شخص وآخر وتجنب التجمعات العامة وحتى الأسرية التي يزيد عدد الأشخاص فيها عن خمسين شخصاً بحسب أحدث التعليمات الدولية.

يهتم المستوى الثاني بمسألة وضع معالجات لتقليل الآثار السلبية لإجراءات الحجر وفرض الحظر التي أدت حتى اللحظة إلى ارتفاع في معدلات العنف الأسري. كما تشكو كثير من الأمهات من وجود الأطفال بالبيت لفترات طويلة زادت أعباءهن. قد يدعو هذا إلى الإعتراف بالجهد الذي تؤديه المدارس ليس من خلال تقديم المعرفة والعلوم المتنوعة ورعاية طاقات الأولاد والبنات وتوجيهها وجهة بناءة وإنّما ساهمت بإقتسام الوقت للتخفيف من أعباء الأسر. هذه وغيرها أمور تتطلب الإعتراف بها إنّما الأهم أنْ نتعظ من تجربة البلدان الغربية المتقدمة ولا نسمح بالتخلي عن المؤسسة الأكثر تقليدية في المجتمع، "الأسرة"، مع توفير مزيد من الأهتمام والدعم لها لتواصل دورها البناء الذي يمكن أنْ يساهم بخفض المعاناة الإنسانية لبشر بلغوا أعماراً متقدمة أو أبتلوا بأمراض أو حوادث أودت بإمكاناتهم الذاتية لخدمة أنفسهم بأنفسهم. على الصعيد العراقي أعلن وزير التخطيط السيد نوري الدليمي أنّ عدد المتقدمين للحصول على المعونة الحكومية التي أقرتها خلية الأزمة مؤخراً والبالغة (30) ألف دينار عراقي فقط بلغ أكثر من مليوني أسرة فيما فاق عدد الأفراد سقف الـ (13) مليون. سيساهم العراق بإحتواء الفايروس لو أنّه زاد مبلغ المعونة وغطى المتقدمين لها قدر الإمكان اعترافاً بدور الأسرة لأداء دورها التاريخي في هذه الفترة الحرجة تجاوباً مع الظروف السائدة وتمكيناً لها من القيام بمهامها. وبذلك سيقدم العراق مثلاً في الاستخدام الواعي للتقديرات العلمية التي تعول على الأسرة وتضع الثقة فيها وإسهاماً بالتقليل من العبء الذي يمكن أنْ تتحمله مؤسسات صحية تحاول مستطاعها إنّما ضمن ظروف لا تحسد عليه.

  كتب بتأريخ :  الأحد 19-04-2020     عدد القراء :  376       عدد التعليقات : 0