الدولة العراقية والمليشيات الطائفية المسلحة

تمر الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية بفترة ملتبسة من تاريخها السياسي بسبب هيمنة المليشيات المسلحة التابعة لأحزاب الطائفية السياسية على الوظائف الأمنية للدولة الوطنية وانتقالها من حماية أمنها الداخلي والدفاع عن سبل تطورها الى ممارسة القمع ضد المطالبين بالخبز والعمل والمدافعين عن وجود دولة وطنية ديمقراطية قوية مدافعة عن مصالهم وامنهم الاجتماعي.

لغرض مناقشة دور المليشيات المسلحة في حياة الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية نعمد الى دراسة تطورها ارتباطا بطبيعة النظم السياسية وتأثيراتها على بناء التشكيلة العراقية وبهذا المسار سنتوقف عند نشوئها وتطورها في التاريخ السياسي للدولة العراقية وفق العناوين الرئيسة التالية --

أولا –المليشيات المسلحة والهيمنة الحزبية على سلطة الدولة العراقية.

ثانيا _ الطائفية السياسية والمليشيات المسلحة.

ثالثا – الدولة العراقية والديمقراطية السياسية.

على أساس تلك العدة المنهجية نحاول التقرب من الإشكالات السياسية المثارة.

أولاً – المليشيات المسلحة والهيمنة الحزبية على سلطة الدولة العراقية..

- مرّت الدولة العراقية في محطات تاريخية عجزت خلالها عن رعاية مصالح تشكيلتها الاجتماعية وتوفير الأمن السياسي والاجتماعي لأبنائها وبهذا الإطار شهدت الدولة العراقية تراجعات كبيرة في وظائفها السياسية – الاجتماعية عندما تولى حزب البعث سلطة البلاد السياسية بعد انقلاب شباط الدموي حيث تولت المليشيات المسلحة المنفلتة السلطة الأمنية واستباحتها البيوت الآمنة والارواح البريئة وممارستها القتل والتعذيب ضد المواطنين العزل ومحاسبتهم على عقائدهم وأفكارهم السياسية.

-- لقد تواصل نهج إرهاب المليشيات المسلحة بالفترة الثانية من حكم البعث بصيغة شاملة عبر ترابط المليشيات المسلحة مع الأجهزة الأمنية بهدف صيانة النظام الجديد من المطالبات الوطنية بإرساء بناء الدولة على أسس قانونية.

-- لعبت الأجهزة الأمنية الخاصة في النظام الاستبدادي دوراً أساسياً في الإرهاب السياسي في الداخل الوطني ضد الأحزاب الديمقراطية واليسار الاشتراكي.

-- تزامن الإرهاب السياسي في الداخل الوطني مع إعداد المؤسسة العسكرية للعدوان في الخارج الإقليمي فضلاً عن استخدامها في حروب داخلية أدت الى هزال الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية.

إن النتائج السياسية لهيمنة المليشيات المسلحة في الدولة العراقية يمكن تحديدها بالموضوعات التالية--

1 – اعتماد سلطة الدولة على القوى الحزبية وفصائلها المسلحة في ضبط الأمن الداخلي.

2 – اندماج المليشيات الشعبية في المؤسسات الأمنية وتحجيم دور المؤسسة العسكرية في الدفاع عن مصالح البلاد الوطنية.

3 – تلازم الإرهاب ونهوج المليشيات المسلحة وتدخلها في النزاعات الاجتماعية لصالح الطغم السياسية الحاكمة.

4-- اعتماد القيادة السياسية لحزب البعث على المليشيات المسلحة بدلاً من المؤسسة العسكرية.

إن النتائج السياسية لنشاط المليشيات المسلحة المهنية والسياسية أفضت الى إضعاف الدولة الوطنية وأجهزتها السيادية بسبب اضطلاع المليشيات المسلحة بدور الحارس للقيادة السياسية والحامي لمصالحها الطبقية.

إن التبدلات المشار إليها انعكست على طبيعة التشكيلة الاجتماعية العراقية حيث تجلّت تلك التغيرات على –

-- تراجع نمو وتطور التشكيلة الاجتماعية الوطنية استناداً الى تراجع طبقاتها الاجتماعية الناشطة في تشكيلة الدولة الاجتماعية.

--سيادة الطبقات الفرعية وهيمنة نهوجها الاقتصادية المتسمة بالركود ومجانبة التطور الهادف الى تنمية تشكيلة البلاد الوطنية.

--سيادة الإرهاب المنفلت في منظومة البلاد السياسية وتراجع المقاومة الوطنية بسبب ضعف الطبقات الاجتماعية في تشكيلة الدولة الوطنية.

إن الموضوعات المشار اليها قادت البلاد نحو النزاعات الاجتماعية والحروب الأهلية.

ثانياً -- الطائفية السياسية والمليشيات المسلحة.

تعيش الدولة العراقية في مرحلة مفصلية من تطورها التاريخي حيث تتشارك في وظائفها الأمنية المليشيات المسلحة وتكمن خطورة هذا الجانب في ان المؤسسة العسكرية الوطنية لم تعد الجهاز الضامن للاستقرار السياسي والاجتماعي بل أمست المليشيات المسلحة هي الفاعل في تحديد مسار امن البلاد واستقرار بنيتها السياسية.

وبهذا السياق يواجهنا السؤال المحوري التالي-

ما هي سمات الأمن الاجتماعي- الاقتصادي الذي تسعى الفصائل المسلحة الى بنائه في إطار الدولة العراقية.؟

قبل الإجابة على هذا السؤال دعونا نتوقف عند خصائص المليشيات المسلحة المنتشرة في الدولة العراقية والتي اجدها في المؤشرات التالية.

-- تعدد الولاءات الحزبية للمليشيات المسلحة وعدم خضوعها لأوامر وقرارات الجيش الوطني العراقي.

-- كثرة الفصائل العسكرية وتعدد ولاءاتها الحزبية والسياسية الناتجة عن تعدد الأحزاب الطائفية في الدولة العراقية.

-- سعي المليشيات المسلحة الى الهيمنة السياسية واستبدال المؤسسة العسكرية بوحدانية وسيادة فصائل (إنكشارية) مسلحة.

-- تتجلى مخاطر استبدال المؤسسة العسكرية بالفصائل المسلحة بتفكك بناء الدولة العراقية الفدرالي وتحويله الى أقاليم طائفية- قومية.

-- تقود سيادة الأقاليم الطائفية الى الحروب الطائفية والقومية وما ينتج عن ذلك من إشكالات سياسية واجتماعية.

استناداً الى المخاطر السياسية والاجتماعية المشار إليها تثار كثرة من الأسئلة المشروعة منها – ما هو مصير الدولة الوطنية عند اندلاع النزاعات بين الأقاليم الطائفية.؟ ما هو مصير التشكيلة الاجتماعية الوطنية في الدولة العراقية.؟ كيف تتصرف القوى الديمقراطية في تشكيلة العراق الاجتماعية إزاء الواقع الذي تفرضه الأقاليم الطائفية المتناحرة؟ أخيراً وليس آخراً هل نحن على عتبة تفكك الدولة العراقية بسبب الهيمنة الطائفية السياسية على الحكم وتوجهاتها السياسية.

استناداً الى تلك الأسئلة المثيرة والتغيرات المحيطة بالتشكيلة الاجتماعية العراقية نحاول التوقف عند مفردات المشروع الوطني-- الديمقراطي الذي بات ضرورياً لصيانة الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية من التفكك والانهيار.

ثالثاً – الدولة العراقية والديمقراطية السياسية.

يتمتع المشروع الوطني-- الديمقراطي بأهمية استثنائية في ظروف العراق السياسية الراهنة وذلك لسعيه – أي المشروع - على إبعاد الدولة العراقية وتشكيلتها الاجتماعية عن مخاطر التفكك والحروب الطائفية.

وبهذا المجال نتوقف عند ما نراه هاماً في معالجة هذا المشروع لصيانة الدولة الوطنية والتي اراها في الموضوعات التالية--

أولا – حل كافة المليشيات العسكرية التابعة للأحزاب الطائفية وإدماجها بالمؤسسة العسكرية العراقية بعد استبدال ولائها الحزبي بالولاء للجيش العراقي وقيادته الوطنية الموحدة.

ثانياً- اعتماد البرامج الاجتماعية – السياسية الديمقراطية بديلاً عن المنافسة الانتخابية المنبثقة من الولاءات لطائفية.

ثالثا-ارتكاز المنافسة الديمقراطية على البرامج الوطنية العاملة على صيانة الدولة من التأثيرات المذهبية والهيمنة الخارجية.

رابعاً– مراعاة المصالح الطبقية لطبقات التشكيلة الاجتماعية العراقية وموازنة مصالحها الاجتماعية.

خامساً - استبعاد الطبقات الفرعية من المنافسة الديمقراطية بسبب أيدولوجيتها الطائفية وتشابكاتها السياسية والاقتصادية مع الاحتكارات الدولية.

سادساً- بناء علاقات حسن الجوار مع الدول الإقليمية على قاعدة المصالح الوطنية المشتركة والابتعاد عن التحالفات الطائفية واستبدالها بتحالفات دولية تعتمد تبادل المصالح وعدم التدخل في الشؤن الوطنية.

سابعاً – بناء علاقات وطنية – دولية مع الدول الراغبة في بناء علاقات مشتركة بعيدة عن الهيمنة والتدخل في الشؤون الوطنية.

إن الأفكار الواردة في مضامين بحثنا المكثف تشكل خلاصة رؤية سياسية كفيلة كما أرى بتجنيب البلاد النزاعات الوطنية والهيمنة الدولية.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 29-04-2020     عدد القراء :  152       عدد التعليقات : 0