الاستعداد العالمي لمواجهة الطوارئ الصحية
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في مقالة مهمة لروبرتو بسيسو Roberto Bissio تحت عنوان لاتقول أو تقولوا لم يحذرنا أحد Don’t say nobody warns us توضح لنا جميعاً أن عالم كورونا كوفيد – 19 المستحدث والتداعيات الخطيرة على الجنس البشري التي صاحبته

وإن تكن مسألة قد جابهت العالم بصورة مفاجئة تستدعي التحليل المعمق نظراً لكون فايروس كوفيد -19 مستحدث خطير لم يعرف أو يدرس جيداً إلا أن تقييم الخطر المحدق لأنتشار الاوبئة العالمية في مراحل سابقة لم يكن بعيداً كلياً عن حسابات الحدوث أو التصور . وباء عالمي بهذه الخطورة يمكن أن يخلق اضطراباً دولياً واسعاً مؤدياً لحالات من عدم الاستقرار والأمن بل وبمناهج السلوك الإنساني لامثيل و لامقارنة له بأية أزمة دولية سابقة مثل الأزمات الأمنية و أزمات إقتصادية – مالية عالمية (1939 و2008) أوغيرها. أعد لهذا المؤتمر جهة إشرافية تعرف ب"مجلس رصد الاستعداد العالمي لمواجهة الأوبئة --GPMB Global Preparedness Monitoring Board وعنوان تقريره السنوي : عالم في خطر: الاستعداد العالمي لمواجهة الطوارئ الصحية A World at Risk: Annual Report on global preparedness for Health Emergencies

المجلس يعد هيئة مستقلة تقوم بمهام الإشراف ، الرصد والإعلام متضمناً عضوية 13 شخصية علمية ذات باع في الشؤون الوبائية من أكبر المتخصصين بينهم وبشكل رئيس أعضاء من الولايات المتحدة الأميركية والصين . أشرف على كتابة التقريركل من كرو هارلم برنتلاند Gro Harlem Bruntland رئيس الوزراء الأسبق للنرويج والرئيس السابق للمنظمة العالمية للصحة الدولية WHO شاركه الحاجي آسيAssy Elhadj الأمين العام السابق للصليب وللهلال الأحمر . عبارة مميزة تستحق التوقف عندها وردت في التقرير حملت معها تحذيراً خطيراً يؤكد وجود وباء عالمي قاتل يفتك بالأنسجة الخاصة بالجهاز الرئوي - التنفسي للإنسان من سماته أنه سريع الانتشار بصورة لافتة ينشر العدوى على صعيد واسع سكانياً. النتيجة المتوقعة إنه سيقتل بين 50 إلى 80 مليون شخص بنفس الوقت الذي يقصي فيه مايقارب من 5 بالمائة من قيمة الاقتصاد العالمي. توقع وإن يكن ليس دقيقاً حتى الآن حيث أن اعداد الموتى بنتيجة انتشار وانتقال عدوى الوباء العالمي لأكثر من 188 دولة لم تصل بعد لمثل ذلك الحجم الكبير جداً إلا أنه يدلنا على أنه ومع تأخر التوصل لعلاج نهائي ناجع يقلل كثيراً بل يفترض أن ينهي هذا الوباء القاتل ستستمر أعداد الإصابات والموتى بالتصاعد دون هوادة. العناوين الفرعية للبحث تتناول بعضا مما يلي من محاور أساسية :

وباء عالمي بهذه الخطورة يمكن أن يخلق إضطرباً دولياً واسعاً مؤدياً لحالات من عدم الاستقرار والأمن بل وبمناهج السلوك الإنساني لامثيل و لامقارنة له بأية أزمة دولية أمنية –سياسية أو أزمات إقتصادية – مالية عالمية (1939 و2008) وغيرها .

أول نقطة جديرة بالاهتمام هي أن تأثيرات الفايروس القاتل – كوفيد 19 المستحدث تعد قاتلة بصورة لاريب بها للشعوب الفقيرة التي تمتلك مؤسسات صحية ضعيفة ومتدنية التطور ، دول توصف بكونها "غير متمكنة صحياً" مقارنة بما لدى الدول المتقدمة صناعياً من أجهزة عالية التقنية وخبرات صحية . علماً بإن ما شهدناه ونشهده حالياً أن عدداً من الدول المتقدمة صناعياً وعلى رأسها الولايات المتحدة وبرغم التقنيات والكفاءات الصحية المتخصصة تبقى هي الأخرى في "عين العاصفة" مع ازدياد مريع وسريع لكميات الإصابة بكورونا. نقطة أخرى مهمة ترتبط بكون تصاعد خطورة الوباء لها ارتباط كبير بمخاطر أخرى لافتة مثل ظواهر : "التغيير المناخي" مع ما تحمله من تداعيات مثل تسارع في إزدياد درجات الحرارة بشكل لافت سنوياً، الكثافة الحضرية التي تتنامي فيها إمكانية انتشار الأوبئة الخطيرة وليس الأمر بعيداً علينا في عالمنا العربي حيث الكثير من المدن الشعبية تعيش أصلاً أوضاعاً مآساوية إنسانياً . ولعل من الظواهر الأخرى التي عجلت في تسارع انتقال الوباء عالمياً سرعة آليات النقل الجوي وتنامي الهجرات من مناطق لاتتمتع بإمكانية للاستقرار الأمني و للنمو الاقتصادي بل تتزايد حقيقة فيها الفجوة بين مالكي الثروة وآخرين فاقدي كل نوع من أنواع الملكية الخاصة.

علماً بأن الهجرة قسرية أم طوعية فأنها تحمل تداعيات خطيرة خاصة في حالة انتشار الاوبئة المدمرة عالمياً. إنطلاقاً من كل ذلك يبدو بالامكان تصور تداخل وتضارب مسألتي التغيير المناخي والشعور بعدم الأمن والأمان ما يستدعي ضرورة الاستعداد الدائم والمبكر للتخفيف من إحتمالية إنبثاق فيروسات الاوبئة الخطيرة ومنها وباء كورونا العالمي الذي تعاني منه كل الأمم مهما بلغت درجة تقدمها . علما بإن المتقدم من دول العالم تستطيع بما توفر لها من إمكانات تقنية وبشرية متخصصة مؤهلة علماً وخبرة أن تقلل حجم ونوع المصائب ولكن لن تنهيها كلياً .

من هنا ، أهمية دعم المجتمع الدولي لمنظمة الصحة العالمية WHO من قبل كل الامم المتقدمة ، النامية او الصاعدة في النمو وكذا الأقل نمواً لأنها المؤسسة الدولية الوحيدة في العالم التي توفر العناية والرعاية والمتابعة الصحية. . ماليا لدى المنظمة إمكانية جيدة نسبيا (2 مليار $) مخصصة لخدمات الرعاية الطارئة . مؤخراً رفعت قيمة موازنتها من 4.8 مليار دولار في عام 2018 إلى 5.7 مليار دولار في عام 2019. في المرحلة الراهنة الحرجة والتي يفترض وبغض النظر عن مسببات ومصدر الفايروس الفتاك (منطلقاً من الصين) مايحمل الأخيرة المسؤولية الرئيسة لإنتشاره عالمياً إلا أن إدارة ترامب لم تكن موفقة وهي تواجه الصين منافساً إقتصادياً كبيراً أن تجعل منظمة الصحة العالمية في مرمى الهدف الاميركي .

بعبارة أخرى فإن توقيت القطع أو الايقاف الاميركي للحصة المالية المقررة للمنظمة وقدرها 400 مليون دولار لم يكن مناسباً كما أكد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرس موقف ساندته فيه دول متعددة في مقدمتها فرنسا وألمانيا. إضافة للخبراء والمتخصصين في شؤون العالم النامي الذين أوضحوا أن عالم الدول الفقيرة هو بأمس الحاجة للمساعدات الغذائية والصحية لأنقاذه من براثن افتقاد الأمن الاقتصادي – الاجتماعي وحالياً الصحي كنتيجة لضربات كورونا القاتلة بصورة لايمكن تخيلها نظرا لتصاعد اعداد الفئات الفقيرة جدا أو "المحرومة" التي تعيش دون خط الفقر = 1.90 دولار يوميا. ضمن هذا التصور دعت 100 منظمة مجتمع مدني الدول الدائنة لإلغاء دفعات الديون المترتبة على الدول الفقيرة كي تتمكن الأخيرة من أن تحرر مصادرها المالية لمعالجة الشؤون الصحية والاجتماعية – الاقتصادية وغيرها التي تنوء أصلاً بها إضافة لتداعيات كورونا الخطيرة. يمكن أن يكون لفعل إسقاط الديون دور في تغذية ما قدره 25.5 مليار دولار للتصدي لتبعات وباء كورونا الخطير. العبرة المستخلصة أن على عالمنا في خطر بحق إذا لم نتجه لبلورة حلول عملية تتم من خلال تضامن عالمي صحي –بيئي يأخذنا إلى بر الامان . من الأمثلة الايجابية الأخيرة ما سعت إليه بعض دول الخليج العربي (الإمارات الكويت ، قطر وعمان وغيرها) رغم مآساتها إلى تعزيز جبهة المواجهة والتحالف ضد فايروس كورونا . المملكة العربية السعودية هي الاخرى وفرت عونا ماليا ضخما لمكافحة فيروس كورونا حيث خصصت المملكة مايلي : 150 مليون دولار اميركي لتحالف ابتكارات التأهب الوبائي، ومبلغ 150 مليون دولار أميركي للتحالف الدولي للقاحات والتحصين ومبلغ 200 مليون دولار أميركي للمنظمات والبرامج الدولية والاقليمية الصحية المتخصصة الأخرى". ضمن ذات السياق جددت المملكة دعوتها للمجتمع الدولي من خلال هيئاته الحكومية وغير الحكومية والمؤسسات الخيرية والقطاع الخاص للمشاركة في الجهود الدولية لسد الفجوة التمويلية اللازمة لمكافحة كورونا ، تقدر ب8 مليارات دولار أميركي وفقاً لمجلس الرصد العالمي لمكافحة الاوبئة العالمية. كذلك دول الاتحاد الأوروبي قررت تقديم مايقارب 500 بليون دولار في إتجاه مكافحة وباء كورونا العالمي .

أما الدور الاميركي فمعظم التخصيصات وجهت للداخل الاميركي تصل قيمتها الضخمة جداً إلى 2.3 تريليون دولار أميركي ولكنها لن تصرف إلا وفقاً لشروط ومعايير مقننة مكلفة بيروقراطياً . ما يعني عبرة مستخلصة مفادها ضرورة الاسراع في توجيه النفقات لمستحقيها بأسرع وأفضل وقت ممكن كي تتمكن الدول الفقيرة والمحتاجة لبناء بنية صحية رصينة حديثة مستدامة تحتاج لجهود كبرى لتحقق السلامة والامن الصحي بصورة شاملة.

دروس وخبرات أخرى يحسن الاستفادة منها تتطلب استمرار المواجهة الحازمة لوباء كورونا من أجل التخفيف من خطورته نسبيا خاصة وأن لدى العالم خبرة سابقة في الامراض المتوطنة والانتقالية . علما بإن اللجان العليا المتخصصة التي تأسست عقب وباء إنفلونزا الطيور H1N1 ووباء ايبولا لم تحسن كليا معالجة إدارة ، تنفيذ ومتابعة التوصيات بصورة كافية أومرضية خاصة وأن الفترة بين 2011 ألى 2018 شهدت تصاعد في تنوع مصادر الوباءات العالمية ( 1483) غطت 172 دولة . الشاهد أن الحماس والجهد قد يستمر فترة زمنية تنتج تخفيفاً من حدة الانتشار والعدوى ولكنه سرعان ما يخبو مع كل تحسن سريع في إجراءات السلامة والأمن الصحي وقلة التهديدات النسبية... من هنا أهمية التشارك العالمي المتوازن في التعامل مع مراحل العلاج المرتبط بضرورة استمرار تدفق الإمكانات المالية والمساعدات التنموية الاقتصادية – الاجتماعية لنجاح حملات العلاج دون تسيس غير مبرر للمكافحة ضد فايروس لم تتم بعد معرفة كل تفصيلات مصادره - مخاطره وتداعياته الشاملة على بقاء ونماء الجنس البشري. النتائج التي تم توقعها سابقاً بل وحصولها فعلاً وإمكانية حدوثها مستقبلا ترتبط بما يلي : أولاً - تسارع وتيرة أعداد الوفيات، ثانياً- إتساع مساحات النزوح العالمي بكل ما تحمله من تداعيات وأخيراً حالات متنامية من الدمار الاقتصادي الذي يلحق بدول العالم خاصة التي عانت من ويلات الحروب (اليمن ، سوريا ، ليبيا وافغانستان وغيرها). من هنا، أهمية تنمية علاقات الشراكة بين القطاعين العام والخاص بهدف الرصد الدقيق المتأكد منه لحالات الاصابة من فايروس كورونا ومن ثم المتابعة الحثيثة لاختراع علاج سريع ناجع يمكن من عودة أولية للحياة الطبيعية لسكان الأرض .

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 29-04-2020     عدد القراء :  360       عدد التعليقات : 0