رعد بركات: الغناء نحيب في الغربة ومواساة للوطن الموت في أوطاننا اصبح تقليد وثقافة
بقلم : حاورته: الاء عبد الحي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

شغف بالفن منذ صباه وتغلغل في جسده كالنور، على الإيثار وحب الوطن تربى في عائلة تقطن في السماوة، تأثر بوالده الرسام التشكيلي الذي رحل مبكرا، حيث ترك اثرا كبيرا في تشكيله نحو الغناء والتلحين، الأمر الذي جعله ينقب عن خيط الفن ويمسك بنوره، كانت ابجديته خالصة وفريدة حيث لقن فك طلاسم الآلات وإعادة صناعتها، أراد أن يكون فنه مختلفا وان يصنع له قالبا غير الآخرين، ونظرا لندرة الشخوص المتخصين في صنع الآلات الموسيقية في الوقت آنذاك، صنع الته بيده فكانت بداية الانطلاقة، لكن سرعان مااصطدم بحدود الوطن، لاحرية لا صوت في توابيت الحديد، في ظل نظام ديكتاتوري يقضي على الجمال والرونق ويخرس الأصوات ويقطف الرؤوس اليانعة، التحق في معهد الفنون الجميلة ببغداد/قسم الموسيقى عام ١٩٨٠ وتخرج منه، ثم اكمل دراسته في عام ٢٠١١ معهد ديترويت دبلوم في التسجيل الصوتي والمرئي في أمريكا، بدأ كعازف كيتار و احترف الغناء حيث كان من الأوائل على دفعاته الدراسية، كما عمل في مجال التمثيل حيث شارك في فيلم البندول إخراج كارلو هاريتيون، كان شغوفا بالفن ولم تحدد بوصلته اتجاهه مرساته الاخيرة، حيث تعددت وتنوعت محطاته الفنية فنجده تارة في التمثيل والتلحين، وتارة أخرى في الغناء وكتابة الأغاني، أن العزوف عن الغناء الوجداني وتعمقي وتشبثي في الغناء للوطن، لم يكن من فراغ، بل إن قضيتي ليس قضية شخصية وإنما قضية شعب، فنحن شعب نعاني من الدكتاتوريات اتعس واكثر بؤسا ودموية من النظام البائد، لذلك تكيفنا في الغربة ودفنا في كل بيت مغترب وطن بهيئة شجرة، الالم متواصل والموت اصبح تقليد وثقافة في أوطاننا للأسف، هذا مااجابني به الفنان العراقي المغترب رعد بركات أثناء إجراء حواري الصحفي معه.

وعن سؤالي ماسبب ميولك نحو الاغاني الوطنية؟ يضيف بركات أن الغناء في الغربة نحيب، ومواساة للوطن، حيث سلبت اوطاننا بسخرية من وجودنا فما كان امامي سوى الغربة، ذلك الجرس الذي صوته بعثر ذاكرتي، وجعلتني أنحب في الغناء عن بعد فكل مافي صوتي وأغنياتي عزاء للوطن.

ويسرد بركات في قوله: عن سؤالي له ماذا أضافت الغربة لرعد بركات؟ شعرت بالغربة في وطني، حيث لا حرية لا إنسانية في ظل نظام ديكتاتوري حاكم، يقتل كل جميل ويصادر الفن دون وجع، تنفست الصعداء وشعرت بالحرية خارج الوطن، حيث كانت اليمن محطة مهمة في حياتي للانطلاق في عالم الفن، لكن العراق ترك ندوب في قلبي اناجيه رغم البعد، لا أحد ينكر بقعته الاولى فهي بمثابة الرحم. ويضيف بركات أضافت لي الغربة الكثير حيث تعرفت على العديد من الفنانين العرب، وإن خليط الثقافات وامتزاجها كان له أثر بارزا في تشكيلي كفنان شامل يكتب، ويلحن، ويغني.

ويستمر بركات في حديثه عن فلسفته الموسيقية ورؤيته لها، حيث يقول: نحن نعيش مأساة حقيقية في جميع المفاصل والجوانب الثقافية، وعلى الرغم من الانهيارات المتكررة الا اننا يجب أن نتمسك بقوة بالجمال والعذوبة، وذلك لأن تاريخنا يضيف لنا الكثير من مسحات الجمال والنجاح وهذا لايعني أن نغض النظر عن المساحات المظلمة من قتل ودماء ودموع، لكن كي يحيى تاريخنا يستوجب علينا أن نمضي قدما، لا مجال للهرولة او التوقف فوق مسرح الحياة، صفق لنفسك وان كنت وحيدا. ويستطرد رعد بركات أحلامه وطفولته المربكة المزيج بين الفرح والألم السعادة والتعاسة، في رحلة الحياة الشاقة والعذبة في الآن ذاته، ويقول: إن الحياة كل مافيها مثير للجدل، فهي مهمة كبيرة وصعبة، مهمتنا فيها ليس الحب والجنس، بل هو البحث عن الذات، وهذا يتطلب صراع مع نفسك اولا، فالفن رسالة يجب أن نتقنها لا نشوه ملامحها بالسخرية في المفردات السطحية الساذجة، وتضيق الغناء على المرأة والجمال والحب، للاسف هذا الأمر يطوق المرأة ككائن محصورا بالجنس وليس منتج، وعن سؤالي له كيف ترى الاغنية الوطنية بين الحاضر والماضي؟ يتحدث بركات أن الموسيقى مشروع إنساني، والصوت موهبة كجمال الطبيعة، للاسف ان الواقع الغنائي العربي مبتذل ورخيص، يهتمون بالشكليات ويهملون الجوهر، وهذا هو قمة الغباء، الأصوات الجميلة متواجدة وبكثرة في البلدان العربية، لكنها تصدح في مسألة شخصية إذ يستهدف جسد المرأة والجنس من خلال مفردة الحب، غير مبالين للاوطان وان الأغنية الوطنية ماضيها كما حاضرها، فالنص الغنائي يتأثر بالحروب وهو وليد لتجارب الأجيال، للاسف فان أجيالنا راكعة للحضارات الغربية دون اهتمام دون وعي بتراث وحضارة أوطانهم، وأن اغلبية البرامج التلفازية تهتم بالفخامة والتصنع والتقليد، لا ابتكار في الفن، لذلك أن الفن الغناء العربي في الصفوف المتأخرة في مراكب الحضارة العالمية.

وينوه بركات بان عمله لم يكن على وتيرة سائدة، بل يطالب النخب بتقيم ذلك، فهو يطمح إلى خلق نوع خاص به في الغناء والتلحين. ويحدثنا بركات في مرونة وصدق حيث تنساب كلماته كما النسمات الباردة، يجعلنا نفخر به كونه من عراقنا وهو يضع أمامنا الكثير من اعماله الفنية واصداراته ومواكبته للعديد من عمالقة الفن العراقي والعربي، إذ يثرينا باختيارته الفذة للكلمات ويعمق في داخلنا جذور الوطن، يسترسل بركات في حديثه عندما سألته عن أحدث اصداراته واعماله القادمة؟ يسرد ببذخ حيث يقول: أنا اطارد المفردات التي تدق ناقوس الوطن في جوفي، كي الحن عليه أن انزف الم، لذلك انتقي الكلمات التي تستحق نزفي كانت آخر اعمالي ملحمتي وطن الهباء ، ورجل الكواكب للشاعر اليمني عبد القادر صبري، هذا الرجل المختلف الذي يكتب بانسابية تدغدغ مشاعرك صوب الاوطان المسلوبة المنهارة، ياخذك حرفه إلى عوالم خفية حيث الانين الخفي والنحيب والحنين الذي لا يتوقف حتى نهاية القصيدة. ويضيف بركات بين يدي الكثير من الأعمال الفنية في الغناء والتلحين ساقدمها بحرفنة وطريقة مختلفة ومنفردة، فأنا أطمح إلى طرح فن خاص بي.

في نهاية الحوار يستذكر رعد بركات مساهمته في وضع ألموسيقى التصويرية، إذ انتج أكثر من مجموعة غنائية للاطفال في اليمن، كما أعاد توزيع وغناء بعض أغاني السبعينيات للفنان العراقي الراحل عباس جميل، فضلا عن ذلك أصدر مجموعة جريئة بعنوان "تضيق البلاد"، كانت لشعراء معارضين للنظام امثال: علي جعفر العلاق، وعدنان الصائغ، وعبد الرزاق الربيعي، وفضل خلف جبر وغيرهم، كما ساهم بركات منذ وصوله إلى الولايات المتحدة الأمريكية، في إقامة مهرجانات محلية دولية، التي تفضح النظام الحاكم حتى سقوطه عام ٢٠٠٣، من خلال الاتحاد الديموقراطي العراقي ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات المدنية كافة، اذ تسنم الكثير من المناصب الثقافية في امريكا، و حصل رعد بركات على العشرات من الشهادات والجوائز التقديرية، ومازال صوته يصدح باسم الوطن.

  كتب بتأريخ :  الخميس 30-04-2020     عدد القراء :  344       عدد التعليقات : 0