الاحتلال من العهد العثماني للعراق الى الاحتلال الامريكي والحياة الاجتماعية

نقرأ التأريخ لنعيد الماضي لفهم الحاضر ، ونعي الحاضر لفهم المستقبل . الاطلاع على الماضي ضرورة علمية مفيدة في استجلاء الحقائق التأريخية وكشف وبيان الانماط الفكرية المتحاورة في ضوء الصراع الحضاري على مستواه بكل مقتنياته الحسية والمادية والمعطيات الآنية للشعوب المتواجدة في دورة الحياة .

ان الدولة العثمانية حين جاءت لاحتلال العراق في القرن السادس عشر 1534 – 1918م  كانت قـد اجتازت قمة قوتها وازدهارها وسرعان ما بدأت تظهـــر عليها امارات الضعف والانهيار ، ولـم يكن مـن المقدر لها آنذاك ان تبقى علـى قيـــد الحياة مــدة طويلة غير ان الذي أبقاها حية علــى الرغم مــن وهنها الشديد هــو ما عرف فـي التأريخ الحديث باســـم ( المسالة الشرقية)  إذ كانت بعض الدول الكبرى كبريطانيا وفرنسا تتبع ازاء الدولة العثمانية سياسة من لا يريد لها الحياة او الموت . إنهم كانوا يخشون ان تموت قبل ان يتم الاتفاق بينهم على اقتسام تراثها ، فكانوا يدأبون على اعطائها جرعات صغيرة من العلاج كلما وجدوها مشرفة على الموت ، وهكذا بقيت الدولة العثمانية مدة طويلة تعالج سكرات الموت دون ان تموت. ومعنى هذا ان العراق وغيره من البلاد التي كانت خاضعة لها ظلت ترزح تحت نير التفسخ الحكومي والانحطاط الحضاري . ان الدولة العثمانية علاوة على ضعفها العام كانت مشغولة بنزاعها المتصل مع ايران ، ذلك النزاع الذي استمر ثلاثة قرون تقريبا ولم يهدأ نسبيا الا منذ منتصف القرن التاسع عشر . [1] ان اهم ما تميز به المجتمع العراقي في بداية الاحتلال العثماني للعراق حتى منتصف القرن التاسع عشر أمران : اولهما الصراع التركي الايراني على العراق وما جر وراءه من نزاع طائفي شديد بين الشيعة والسنة ، والثاني سيطرة المد البدوي على العراق حتى صار الناس فيه كأنهم قد انتكصوا الى عادات الجاهلية الاولى .[2]  وبهذا صار المجتمع العراقي منشقا على نفسه لا يدري اين يتجه ، فحكومته كانت مرتبطة بتركيا تأخذ اوامرها منها بينما كانت اكثرية شعبه مرتبطة بايران .[3]

وفي رأيي ان هذين الامرين يمثلان المحور الذي كانت الحياة الاجتماعية في العراق تدور حوله ولا يزال اثره باقيا حتى الان بعد الاحتلال الامريكي للعراق  بتدخل ايران في الحياة الاجتماعية العراقية والصراعات الطائفية والى العادات الجاهلية التي برزت في المجتمع .

في سياق التدقيق في مشهد الاقصاء والاحتلال ، سيكون مهما النظر في موضوع السلطة واثرها على بغداد عاصمة الدولة ، فمن الطبيعي ان لا تكون بغداد العاصمة إن لم تكن هناك دولة ، بمعنى السلطة الوطنية ! ففي الوقت الذي كان في العراق خاضعا لحكم الخلافة الاسلامية العثمانية ( المحتلة )كانت بغداد واحدة من ثلاث ولايات عادية هي الموصل شمالا والبصرة جنوبا بعد ان فتحها سليمان الغازي بالطريق الى تبريز إذ اراد تعقب جيوش الفرس لكن وعورة الطريق وصعوبة سحب المدافع فيها جعلته يفكر بنصر رمزي غير مكلف فدخل بغداد دون اية مقاومة. ورغم ان المدينة دأبت على التشكل من جديد اثر كل نكبة من نكباتها ، إلا أنها لم تعد عاصمة ، فبعد ما سمى بالفترة المظلمة  منذ الغزو المغولي الاول ثم الثاني ، وتعاقب الفياضانات والطاعون عليها ، الى العبث الكبير الذي مارسته القبائل التركمانية ، تدنى عدد سكانها الى اقل من خمسة عشر ألف نسمة عند منتصف القرن السابع عشر ! لهذا ليس من باب  المبالغة القول ان سكان بغداد تعرضوا لخطر الانقراض اكثر من مرة ويكفي ان المؤرخ احمد سوسة خصص ثلاثة مجلدات لرصد حوادث الفيضانات في تأريخ المدينة ! [4]

بعد اندلاع الحرب العالمية الاولى عام 1914 ودخول الدولة العثمانية في تحالف الى جانب ألمانيا ضد دول الحلفاء بزعامــة بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية ، ادى ذلك الــى قطع خطوط المواصلات الاستراتيجيـة لبريطانيا مــع مستعمراتها مما ادى الى انقطاع شريان الامدادات الحيوي للحرب والحياة العامة البريطانية بسبب اعتمادها الكلي في مواردها وموادها الاولية وتمويل قطعاتها علاوة علـى منافذ التجارة التي تعد عماد الاقتصاد البريطاني ، الأمر الذي ادى ببريطانيا الى اعتماد خطة سريعة الهدف منها احتلال العراق من بين عدد من الاهداف ، في الوقت الذي كان الجهد العسكري في المواجهات مـع ألمانيا وحلفائها منصبا على الجبهات الرئيسية في قلب اوربا . وبعــد تمكن القطعات البريطانية التابعة لحكومة الهند الشرقية البريطانية من احتلال العراق بصعوبة بسبب الهجمات العثمانية المضادة مع المتطوعين فيما سمي بالجهادية ، لولا انهيار الجبهات الألمانية في قلب اوربا واضطرار العثمانيين لفتح جبهات متعددة منها الشرقية مع روسيا والغربية في البلقان والعربية في الشام والعراق واليمن ، ثم انسحاب الحليف الروسي من الحرب . وبعد اتمام احتلال العراق وضع تحت انتداب عصبة الامم المتحدة وتحت الادارة البريطانية وذلك عام 1918 . علما ان بريطانيا سبق وان هيمنت على الهند والتي اسمتها درة التاج البريطاني لما للهند من مميزات هامة على راسها ، وجود الموارد المعدنية ومن بينها التوابل بأنواعها ولكون الهند من الدول الاولى في انتاج العديد من المواد الاولية كارقى انواع الخشب والتوابل وغيرها من المواد الاولية .ومهدت دولة الهند البريطانية لغزو واحتلال العراق بإيعاز من حكومة صاحب الجلالة  في لندن تمهيدا لضمه الى امبراطوريتها من خلال سياسة اعتمدتها منذ وقت طويل جاوز المائتي عام وذلك بعقد الاتفاقيات التجارية وارسال السفراء والقناصل والمستشرقين لدراسة المجتمع العراقي عن كثب ، وتعزز ذلك من خلال تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية وما سمي لاحقا بيت لينج للتجارة مع الهند . [5]

معول الاحتلال البريطاني عام  1918  الذي هدم العراق هو  المعول  نفسه المستخدم للاحتلال الامريكي عام 2003 ،   عند دخول القوات الامريكية للعراق حدث النهب والسلب وادرج الحقائق التالية الواردة في مذكرات بول برايمر على سبيل المثال لا الحصر :  فتقدم المستشار بوزارة الداخلية بوب غيفورد ليتحدث قائلا : ان النظام والامن والقانون التي كانت سائدة قبل الغزو كلها انهارت ، وان كل الوزارات دمرت بفعل السلب والنهب باستثناء وزارة النفط لأن القوات الامريكية تلقت الاوامر بحمايتها ، وتضم هذه الوزارة ارشيفا ووثائق حول حقول الشمال والجنوب . ارسلت مذكرة الى الوزير رامسفيلد تتضمن شرحا تفصيليا  بحل وزارة الدفاع والهيئات التابعة لها بما في ذلك المخابرات والامن والجيش والوحدات العسكرية والشعب العسكرية . [6]

ومن خلاله تشكلت الدولة العراقية شعبا وكيانا ، ووجد االمجتمع العراقي امام وقائع تتطلبها المرحلة الجديدة من حياة سياسية وايدلوجيات حديثة تخدم الظروف . عاش الشعب العراقي تحت ظلال الحزب الواحد اكثر من ثلاثة عقود بقبضة حديدية انهكت المجتمع وقادته الى اليأس نتيجة الحروب من جهة  والحصار على الشعب العراقي الغني بثرواته الذي عاش ببطاقة تموينية مذلولا من جهة ثانية .

في اية قراءة للتأريخ السياسي للعراق تشكلت مرجعيات متمثلة في العشائرية والدينية للاحتلال البريطاني الذي استلم العراق من الامبراطوية العثمانية التي انهكت العراق هي نفس المرجعيات للاحتلال الامريكي الذي استلم العراق من صدام الذي خلف وراءه تركة ثقيلة من معضلات ومشكلات في البنية الاقتصادية والثقافية  العمودية والافقية .

ويلخص الموقف  ان المعارضة لم تستطع تحرير العراق إلا من خلال الاحتلال الامريكي  ، وهذا كان موقف نوري سعيد

وجعفر العسكري ، حيث كانا يعتبران أن بريطانيا هي " الحليف الرئيس للقضية العربية ، فبدون مساعدة بريطانيا ، لم يكن من الممكن تحقيق استقلال العرب، ذلك أن العرب لوحدهم كانوا عاجزين عن تحقيق الاستقلال أو تحمل أعبائه [7].

في قراءة لتأريخ العراق القديم والحديث نستنيج  ان الاحتلال والحكومات قد اثقلت كاهل الشعب نتيجة الاستبداد والدكتاتورية وعدم الاستقرار ، وتفحص اخي القاريء اللبيب سقوط العراق البابلي - الدولة الكلدانية ( البابلية الثانية) بيد الفرس عام 539 ق. م ثم توالت الغزوات الاسلامية والاحتلال والثورات وحسب الجدول ادناه [8] :

632 الى 661 م ( 11 – 40 هـ ) العهد الراشدي

661 الى 749 م ( 41 – 132 هـ )الحكم الاموي

750 الى 1258 م ( 132 – 656 هـ ) الدولة العباسية

1258 الى 1534 م  الحكم المغولي

1534 الى 1918 م الحكم العثماني

1917( 1918 ) الى 1921 م الاحتلال البريطاني المباشر

1921 الى 1932 م ألملكية

1939 الى 1945 م  ثورة رشيد كيلاني على بريطانيا

1945 الى 1958 م سقوط الملكية وقيام الجمهورية

1958 الى 1963 م سقوط عبد الكريم قاسم

1963 الى 1968 م  حكم عارف ( اضافة من كاتب المقال )

1968 الى 1979 م مجيء البعث

1980 الى 1988 م الحرب العراقية الايرانية

فترة ما بعد حرب الخليج الثانية الى سقوط بغداد في 9 نيسان 2003 م

إن الانسان العراقي  يخضع فـي حياتـه الاجتماعيـة لتنويم يشبـه مـن بعض الوجوه التنويم المغناطيسي وهـــو ما يمكن ان نسميه بـ " التنويم الاجتماعي " . لان الاحتلال  وتغيير النظام تكمن في تغيير لذهنية المجتمع حسب مفاهيم السلطة. فالمجتمع يسلط على الانسان منذ طفولته الباكرة ايحاءاً مكررا في مختلف شؤون العقائد والقيم والاعتبارات الاجتماعية وهو بذلك يضع تفكير الانسان في قوالب معينة يصعب الخروج منها بسبب تشدد الانظمة المتعاقبة الدكتاتورية في الغاء المواطنة . وهذا هو الذي جعل الانسان الذي نشأ في بيئة معينة تحت السلطة الدكتاتورية  ينطبع تفكيره غالبا بما في تلك البيئة من عقائد دينية وميول سياسية واتجاهات عاطفية وما أشبه ، فهو يظن أنه اتخذ تلك العقائد والميول بارادته واختياره ولا يرى أنه في الحقيقة صنيعة بيئته الاجتماعية ، ولو أنه نشأ في بيئة اخرى لكان تفكيره على نمط آخر .

بعد سقوط النظام في 2003  اضحت الكيانات الارهابية تلعب دورا  في تنظيم عمليات تصفية منظمة لإنهاء الوجود المسيحي في العراق وزعمائهم الدينيين .

تناقص عدد المسيحيين من جراء الاضطهاد والذبح والقتل وتهجير العوائل من قراهم ، وازداد عدد الهاربين الى دول الجوار بشكل كبير وتثير اوضاعهم للقلق . إنها عملية منظمة تهدف الى التهجير لإنهاء وجودهم في وطنهم الاصيل ارض العراق ، ارض بابل .

قبل الغزو العربي من الجزيرة العربية لارض بابل العراق كان سكان هذه البلاد مسيحيين بنسبة 95% . وحتى الغزو العثماني لبلادنا كان عدد المسيحيين في العراق ( 9 ملايين) ، اما اليوم (1.5 مليون ) حتى نيسان 2003 ولم يبق منهم حسب تقارير صادرة عن منظمات انسانية الى هجرة 75% منذ عام 2003 وحتى الان ، بينما في العهد البائد ولحد عام 2003 لم يتعد عدد المهاجرين ( 300 الف ) مسيحي خلال 35 سنة .

عقب دحر تنظيم داعش من المناطق المسيحية الشمالية للعراق ، ما أثار مخاوف جدية من تغييرات ديموغرافية قسرية يقع ضحيتها  سكان المنطقة . وازداد تواجد الشبك في برطلة وقراقوش وغيرها من المدن المسيحية  تأريخيا في العراق . وتقع كل من برطلة وقراقوش في سهول نينوى، وهي بحسب صحيفة "ميدل أيست آي" المنشورة في موقع الحرة ، منطقة استراتيجية لإيران في الشرق الأوسط ، فهي منطقة تربط بين الأجزاء ذات الأغلبية الشيعية في العراق وحلفائها في سوريا ولبنان، بالإضافة القرب من البحر الأبيض المتوسط .

والسؤال ماهو دور من يمثل المسيحيين في البرلمان العراقي  لهذه المظالم ؟

[1] علي الوردي – لمحات اجتماعية من تأريخ العراق ، ص 19

[2] نفس المصدر ، ص 9

[3] نفس المصدر، ص 12

[4] محمد مظلوم – عراق الكولونيالية الجديدة ، ص 21

[5] الموسوعة الحرة- الانتداب البريطاني

[6[ مذكرات بول برامير – عامي في العراق

[7] وميض نظمي – الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية الاستقلالية في العراق –

مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، ص 161

[8] الموسوعة الحرة- تأريخ العراق

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-05-2020     عدد القراء :  336       عدد التعليقات : 0