لماذا نريد تعليماً عالياً على غرار الجامعات الأميركية والغربية؟ 2-2

تتميز الجامعات الأميركية المتقدمة منها وعالية المستوى بخصائص قلما تتوفر للجامعات العراقية منها امتلاكها لموجودات ملموسة بما في ذلك المعدات والمختبرات الحديثة والمتطورة والشبكات الالكترونية والمرافق المكتبية وغيرها،

ولها موارد بشرية غنية ذات مستويات عالية بما في ذلك أساتذتها وطلابها وموظفيها، وما الى ذلك. وللجامعات ثقافة اجتماعية مبنية على حب الأساتذة ومحبة الطلاب، ونظام إداري يعطي للأساتذة حق إدارة الجامعة بينما تمتع الجامعة بالاستقلالية الإدارية والأكاديمية، وفيها تنمو وتزدهر الحريات الأكاديمية وحق التعبير وتمارس الإدارة الديمقراطية بشكل بناء.

في جامعتي يعتز رئيسها بمسؤوليته أمام أعضاء هيئة التدريس فيرسل رسالة أسبوعية الكترونية الى كل التدريسين والباحثين في الجامعة يشرح فيها عمله وأخبار مكتبه خلال الأسبوع. بهذه الطريقة تكون الجامعة مركزاً لرعاية الذكاء والأذكياء والموهوبين وهو شيء لا يمكن حدوثه إلا عندما تكون الجامعة مركز محبة وإخلاص وتفانٍ في العمل والبحث بحيث تكون كالمغناطيس لجذب الأساتذة والباحثين والطلاب الموهوبين. ولابد من الاعتراف هنا بأني عندما قررت الانتقال من جامعة برمنغهام في إنكلترا الى جامعة دبلن في جمهورية أيرلندا، كان المغناطيس هو العرض المغري والذي شمل التجهيزات المختبرية الراقية وأموال البحث العلمي التي خصصت لي. هكذا تعمل الجامعات من أجل تبوِّئها أعلى المراكز ومن أجل تفوقها العلمي.

والجامعة العالمية المتميزة لها ثقافتها وتراثها وهذه تتمثل في حرم الجامعة بشكل رئيس في سعي الجامعة الى معرفة الحقيقة ضمن نهج صارم ودقيق وعلى ضوء الأخلاق العليا التي يفرضها البحث عن الحقيقة، فشعار جامعة هارفرد يتكون من كلمة واحدة: "الحقيقة". البحث عن الحقيقة هي ثقافة الجامعة بالإضافة الى الدقة والانتظام فلا يوجد للعشوائية والتخبط مجالٌ في سياسة الجامعة. وشعار جامعة ييل لا يختلف كثيرا فهو "النور والحقيقة" ، شعار يعكس طموح كل شاب وشابة في التقدم والتطور. أما شعار "كالتك" فهو "الحقيقة تمنحك الحرية" والذي لا اعتقد بوجود شعار أكثر صدقاً وقوة منه في التعبير عن العلاقة الوثيقة بين البحث عن الحقيقة والحرية الأكاديمية. ومن الواضح أن الجامعات الاميركية لما كانت أن تتميز من دون إعطاء الحرية الاكاديمية مكانتها اللازمة داخل الجامعات. وليس هنا من تأكيد على أهمية الحريات الاكاديمية إلا أن أعيد ذكر قول رئيس جامعة ستانفورد على سؤال لماذا أصبحت ستانفورد جامعة من الطراز العالمي في غضون فترة قصيرة نسبياً من وجودها قال رئيس الجامعة: "ستانفورد تكتنز الحرية الأكاديمية وتعتبرها روح الجامعة".

هذا وغيرها من الخصائص التي تميز الجامعات العالمية الرصينة والتي بها تتباهى بها هذه الجامعات وتفتخر بينما تحاول الأخرى تقليدها ومنافستها لاحراز التفوق. ويتفق عموماً على أن الجامعة الرصينة ذات الطراز العالمي لها ثلاث مزايا مهمة هي الجودة العالية للتعليم والتفوق في البحث العلمي ونشر المعرفة والمساهمات المتميزة في الثقافة والعلوم والحياة المدنية للمجتمع، وهي مزايا تتميز بها الجامعات الاميركية الرائدة.

وهنا لابد لي من الإشارة الى دراسة ألدن ولن Alden and Lin, 2004)) التي تطرح عدداً من خصائص الجامعة ذات الطراز العالمي، اهمها:

1 - ذات اعتبار عالمي في البحث العلمي

2 - ذات اعتبار عالمي في التدريس

3 - تمتلك عدداً من الباحثين المتميزين عالمياً

4 - معترف بتفوقها من قبل الجامعات العالمية الأخرى ومن المؤسسات خارج منظومة التعليم العالي

5 - تمتلك عدداً من الأقسام العلمية ذات المستوى العالمي المتميز

6 - بالتركيز على البحوث الرائدة التي تتميز بها الجامعة تستطيع إحراز الأسبقية في هذه المواضيع

7 - تبتكر أفكاراً رائدة وتنتج بحوثاً أصيلة وتطبيقية بكثرة

8 - تجذب أفضل الطلبة وتنتج أفضل الخريجين

9 - تنتج بحوثاً رائدة وتحصل على أفضل الجوائز العالمية

10 - يمكنها من جذب أفضل الأساتذة والباحثين العالميين للعمل فيها

11 - تجذب أكبر الأعداد من طلبة الدراسات العليا

12 - تجذب أكبر الأعداد من الطلبة الأجانب

13 - عالمية في سوقها وعملها الأكاديمي من حيث الارتباطات العلمية وتبادل الأساتذة والطلبة والزائرين العلميين

14 - تحصل على أموال عالية من جهات عديدة فيما عدا الدولة كالقطاع الخاص والصناعي والخيري

15 - توفر لطلبتها وأساتذتها بيئة أكاديمية وعلمية صحية وبأرقى المستويات

16 - تمتلك قيادة إدارية لها رؤية ستراتيجية وخطط تطبيق

17 - تخرج طلبة يحصلون على مستوى عالي جداً من الوظائف ذات النفوذ في الدولة والمجتمع

18 - بصورة عامة لها تاريخ طويل من الناتج ذي المستوى المتميز

18 - تقدم مساهمات متميزة للمجتمع وللحياة العصرية

19 - تقارن دائماً بنظيراتها من الجامعات ذات الطراز العالمي المتميز

20 - عندها الثقة الكافية لوضع مشاريعها وخططها بدون الاعتماد على جهات خارجية

وقد سبق لي، وفي عدد من المقالات والمحاضرات أشرت الى هذه الخصائص وقمت بتوضيحها وتفصيلها على أمل أن تخطو الجامعات العراقية خطوات جدية في هذا المضمار وتنتهج نهجاً جديداً متطوراً يتيح لها الدخول في القرن الواحد والعشرين. وكنت قد دعوت في إحدى المقالات السابقة قيادات التعليم الجامعي الى التفكير والتخطيط لنظام تعليمي جامعي يعتمد على:1. المنافسة بين الجامعات المختلفة ، 2. الإدارة اللامركزية للجامعات والمرونة التنظيمية والهيكلية لمختلف مؤسساتها، 3. إدخال أنظمة إدارية وأكاديمية جديدة ملائمة لقبول التغيير السريع والمستمر ، 4. التعاون الأكاديمي والعلمي بين الجامعات العراقية أولاً، وبينها وبين الجامعات الأجنبية ثانياً، 5. إيجاد مصادر أخرى لتمويل الجامعات ، 6. تنمية مستوى كفاءات ومؤهلات الموارد البشرية ، 7. تطوير المناهج وطرائق التدريس وبما يتناسب مع حاجة السوق ومع التحول من التعليم الى التعلم.

إن الجامعات العراقية لكي تتحسن مستوياتها لابد أن تدرس تجارب الجامعات الغربية لتتعرف على خصائص هذه الجامعات وسبل تبنى أساليبها وطرقها لغرض الوصول الى القمة. ولكن هذه المعارف وحدها لن تمكن الجامعات العراقية من تحقيق أهدافها إلا بانتهاج النهج الذي وضعت علاماته أعلاه وهو نهج لابد وبالضرورة سيعتمد تطبيقه على تغيير جذري في نظامنا الإداري وثقافتنا الاجتماعية فالاستقلالية والحكم الذاتي للجامعات مسألة أساسية لكي تأخذ جامعاتنا طرقاً مختلفة عن بعضها الآخر بحيث تتميز الواحدة عن الأخرى وهذا التميز سيدفع بها الى التنافس فيما بينها للحصول على الصدارة وطنياً وعالمياً. أما الآن فالاختلافات شكلية والفروق نسبية، ولكن مع أهمية الاستقلالية لا يمكن للجامعات أن تتطور كثيراً إذا لم تتوفر لها قيادات إدارية وتربوية فائقة المعرفة. ولا ننسى أن الجامعات لا ترقى إلا بقيمها وأصولها، ولا يكتمل تميزها إلا بتميز تقاليدها وهويتها.

ويبدو أن التخوف من إساءة استخدام الجامعات لاستقلاليتها يلعب دوراً مهماً في تمادي الدولة في فرض سيطرتها على الجامعات. في أميركا والغرب يلعب سوق العمل وحاجة المجتمع كقوى أخلاقية ملزمة للجامعات في اختيار البرامج الاكاديمية وعدد طلبتها وتبرير وجودها، لذا لا تلعب حكومات هذه الدول إلا دوراً صغيراً جداً في تسيير التعليم العالي. قد يؤدي منح الاستقلالية كاملة ولكل الجامعات العراقية في الوقت الحاضر الى عكس ما نريده من تطور نتيجة تخلف الهيكل التنظيمي، ووجود وشائج من العلاقات الشخصية والسياسية والاجتماعية والدينية التي تلعب دوراً مهماً في تسيير الجامعات، ولأن الثقافة السائدة في المجتمع العراقي مازالت هي ثقافة الوظيفة الرسمية والتسلسل الوظيفي الهرمي والتي تعتمد على إطاعة المسؤول الأعلى درجة من قبل المسؤول الأقل درجة.

الجامعات الاميركية تنعدم فيها ثقافة طاعة المسؤول فيستطيع أي طالب أو استاذ من مساءلة عميد الكلية أو رئيس الجامعة متى ما شاء من دون خوف، وفيها يتمتع الاستاذ باستقلالية شخصية تجعله يتعامل مع من يشاء، ويتنقل ويسافر متى ما شاء، وله ميزانية بحث خاصة به، ويحضر مؤتمرات ويشارك في ندوات متى ما شاء، ويعمل كاستشاري لمن يشاء، ويزور العراق متى ما شاء! ولا يطلب من رئيس الجامعة الموافقة على كل شاردة وواردة تحدث في الجامعة، ولا يتوقع من الطالب أن ينادي أستاذه بدكتور أو بروفسور، ولا تتوفر مقاعد أمامية وثيرة في قاعات الجامعة لتحتضن المسؤولين، ولا وروداً بلاستيكية رخيصة تعيق من حركة ورؤية المحاضر. وهذا لا يحدث إلا نتيجة شيوع ثقافة أكاديمية تعتمد على الشفافية والاحترام والمصلحة المتبادلة والاخلاص للعمل. لهذا أكرر أن للجامعة أن تتبنى وتنشر ثقافة أكاديمية داخلية تعتمد بالاساس على إشاعة الحريات الاكاديمية والثقة بالنفس واحترام الرأي الآخر والاخلاص في العمل والذود عن مصالح الجامعة لكي تتمكن من الوصول الى مستويات الجامعات الاميركية والغربية.

خلاصة القول إن ما على الجامعات العراقية التعلم من الجامعات الأميركية يكمن في جوهر المفاهيم التالية: جذب ورعاية المواهب، وإذكاء شعلة التشوق للتفوق والتعلم، وبناء ثقافة وتراث اكاديمي خاص بالجامعة، وإشاعة الحريات الاكاديمية، والارتباط بسوق العمل.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-05-2020     عدد القراء :  392       عدد التعليقات : 0