\"إذا مت ظمآنا...\"

في تعاقب الأيام والسنين ومرورها على العراقيين تجارب وعظات تختلف عن باقي شعوب العالم، كما أنها تأتي دوما بجديد وعجيب وغريب، ووجه الاختلاف الذي قصدته إنما يكمن في الشخوص الذين يتصدرون المشهد، ويأخذون دور البطولة في سيناريوهات يبدو أنها كانت معدة مسبقا.

والذي يثير الغرابة والاستهجان والامتعاض، أن الآتي والجديد عادة ما يكون أسوأ من السابق والـ -عتيك-. ولو أردت ذكر أمثلة على ما أقول فـ: "جيب ليل واخذ عتابه"..! ولعل أول مثال في هذا المضمار هو مجلس نوابنا بدوراته الأربع، فالكلام عنه بعد كل عملية اقتراع يأخذ منحى آخر غير الذي كان قبله، وعلى الكاتب أن يختار بين مفردتي السابق واللاحق، والماضي والحاضر، وقد يضطر الكاتب الى استباق ذكر نائب -او رئيس- من باب الوصف او التمني او التشفي، فيطلق مفردة المقبور اوالبائد، عندما يكون الحديث عن سابق منهم، وقطعا هذا لم يأت من عدم، فسلبيات أعضاء برلماننا (العتيگ) فضلا عن رئيسه (مايلبس عليها عگال). حيث ماسجله معظم النواب خلال الدورات جميعها، لم يكن أغلبه في خدمة المواطن، بل على العكس، كان الشعار المرفوع فوق قبة البرلمان (كلمن يحود النار لگرصته) بل أن أغلبهم زادوا على المثل فصار؛ (كلمن يحود النار لگرصته وگرصة حزبه وكتلته وطائفته) وتمادى بعضهم فحاد النار الى أسياد له كلفوه بمخطط قام بتنفيذه حسب الاصول، او جهات خارجية أجزلوا له العطاء وأغرقوه بالمن والسلوى. وقطعا لم يفعلوا كل هذا (لأجل سواد عيونه) وهو بدوره لم يفعل شيئا لأجل سواد عيونهم، فالعراق يدفع الثمن من (چيس) شعبه وأرضه وحقوقه ومستقبله.

  لذا يتوجب على من يروم الكتابة عن مجلس النواب انتقاء المفردة المناسبة زمانا ومكانا، لكن الجميع متفق على ان سلبيات البرلمان بدوراته كافة كانت أكثر من الإيجابيات بكثير. فقد دأب مجلس برلماننا (العتيگ) منذ ولادته متلكئا في سن القوانين وإقرارها تحت سقف زمني معقول او نصف معقول او حتى عُشر معقول، إذ يدخل مشروع القرار بوابة مجلس النواب ليصطف في طابور يشبه لعبة (حيه ودرج) مع سابقاته من مشاريع القرارات، والتي بدورها قلبتها القراءات بين أولى وثانية وثالثة، وكذلك التأجيلات بين فصل تشريعي وثانٍ وثالث. وكان ديدن المجلس هذا ونهجه في المماطلة والتسويف والتأخير ينحصر بالقرارات والقوانين المهمة التي تخص مصلحة البلاد والعباد، أما حين تكون الجلسة مخصصة لقراءة قانون او مشروع قانون يخص تقاعدهم او مرتباتهم اومناقشة امتيازاتهم ومكافآتهم، وكذلك التسهيلات الممنوحة لهم من علاج وسفريات وحجّات وعمرات، فكانوا (أسرع من الذيب اخف من الهوى العالي) إذ سرعان مايعقد الاجتماع وتبرم الجلسة على عجالة، وتُقرأ المشاريع وتُقر القوانين، ويصادق عليها وتنشر في الجريدة الرسمية، وكأن رئيس المجلس وأعضاءه يرددون قول ابي فراس الحمداني:

معللتي بالوصل والموت دونه

إذا مت ظمآنا فلا نزل القطر

[email protected]

  كتب بتأريخ :  الإثنين 11-05-2020     عدد القراء :  128       عدد التعليقات : 0