التكافل الاجتماعي ظاهرة عراقية مشرِّفة

عشرات بل مئات من شباب العراق الطيبين يتجولون بسياراتهم وعرباتهم في الأزقة الضيقة والمناطق المزدحمة بقرّائها ومستضعفيها ومحروميها ، أكياس الرز وقناني الزيت وقوالب الصابون والشامبو واللحوم والخضراوات والفاكهة والبقوليات ،

كل هذه الخيرات يعبئوها بأكياس معتمة كي لا تتحول الى دعاية ، ولا تكون مصدر إحراج للمستحق العفيف ، أكياس بعضها قد توجها هؤلاء الشباب بوردة طبيعية جميلة ، مع قصاصة ورق نظيف كتبوا عليها : (هذا منكم وإليكم ، نسالكم الدعاء)...

إنها أخلاق العراقيين منذ أن كان العراق والى اليوم ، التكافل الاجتماعي الذي عزّزه ورسخه علي بن ابي طالب عندما حل في الكوفة الحمراء ، كذلك كان لأخلاق إمام الساجدين علي بن الحسين عليه السلام دور رائع في بناء الشخصية العراقية على هذا الخُلق الكريم، فإن أكثر أبناء هذا البلد يدينون له بالإمامة والإسوة والقدوة ، فقد كان سلام الله عليه يخرج منتصف الليل وقد سدل الحجاب على نصف وجهه ، كي لا يعرفه الآخرون فيفسد عطاؤه ، وتتحجم عظمة كرمه وشهامة ضميره ، يضع الحاجة على اعتاب بيت المحتاج ويطرق الباب ثم يولي وجهه شطر جهة مجهولة كي لا يعرفه صاحب الحاجة !

التكافل الاجتماعي الذي نشهده هذه الأيام في مثل هذه الظروف الصعبة العسيرة شرف عراقي سام ، من حقهم أن يفتخروا به ، ومن حقهم أن يكونوا بسببه قدوة الشعوب والأمم ، إنها الصيغة العملية للإسلام ، هو الإسلام العملي وليس الإسلام السياسي الذي لم يستفد منه العراقيون سوى الدم والخراب والدمار .

هذه الظاهرة الخيرة المعطاء كم ساهمت في ستر أعراض ، وحماية أجساد من النخر والأمراض والهزال ، وكم ساهمت بحق وحقيقة في تأصيل التآلف الاجتماعي والأسري بل وحتى المناطقي .شبيبة بعمر الورود ، عضلات سُمر ، ووجوه يعلوها نور الله عز وجل ، وشعور متدفق بالفرح والحزن ، فرح العطاء وحزن على حال العوائل المتعففة المستحقة .

هذه الظاهرة الحيّة دليل على أن هذا البلد ما زال بخير ، وإنه قابل للتطور الحضاري والأخلاقي وحتى العلمي ، فإن المجتمع الذي يضم من أمثال هذه الفئات الشبابية المتحمسة للخير تكتنز طاقة روحية خلاقة تهيؤها للعب دور حضاري عملاق .

إنها أخلاق العراقيين وكفى

  كتب بتأريخ :  الخميس 14-05-2020     عدد القراء :  88       عدد التعليقات : 0