العـلاقـات الـدولـيـة والـنـزعـة الكـسـمـوبـولـوتـيـة

تتميز العلاقات الدولية الراهنة بكثرة من السمات الاقتصادية والسياسية أهمها محاولة الولايات المتحدة بناء شرعية دولية جديدة ترتكز على التبعية والهيمنة والتهميش وبهذا المسار تنهض امام دول العالم تناقضات جديدة أفرزتها السياسة الأميركية في الطور المعولم من التوسع الرأسمالي

قبل الخوض في بعض الموضوعات السياسية الشائكة لابد من الإشارة الى أن العلاقات الدولية الراهنة تستند الى عالمية أسلوب الإنتاج الرأسمالي وما ينتجه من تحكم قوانين المنافسة الاقتصادية – والهيمنة السياسية بين الدول الرأسمالية المعولمة وطوابقها الثلاثة.

-- تتمثل الطوابق الثلاثة بدول الرأسمالية المعولمة أولاً والدول المتطورة رأسمالياً ثانياً وآخرهم الدول الوطنية. وبهذا المعنى تتحكم العلاقات غير المتساوية وروح الهيمنة في علاقاتها الدولية.

- الطور المعاصر من العولمة الرأسمالية أضفى سمات جديدة على العلاقات الدولية تتمثل بنشوء تكتلات دولية اقتصادية - سياسية بين الدول الرأسمالية المتقدمة وبين الدول الوطنية على أساس توازن المصالح الوطنية.

-- فرضية نشوء تكتلات سياسية اقتصادية دولية ناتجة عن تنامي النزعات الوطنية المناهضة للتدخلات العسكرية وبين الهيمنة الكسموبولوتية المترابطة والروح الأميركية العسكرية تشترط السعي لبناء شرعية دولية جديدة تشترطها وحدانية التطور الرأسمالي مناهضة للنزعة الكسموبولوتية الاميركية الهادفة الى وضع دول العالم تحت هيمنتها العالمية.

--- انتقال العالم من ازدواجية خيار التطور الاجتماعي اشتراكي - رأسمالي الى وحدانية التطور الرأسمالي حمل الكثير من التغيرات السياسية والفكرية على صعيد بناء العلاقات الوطنية والعلاقات الدولية نحاول التعرض الى أهمها-

أولاً-- أفضى انهيار خيار التطور الاشتراكي الى سيادة نمط الانتاج الرأسمالي فضلاً عن اعتماده نهجاً لتطور الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية.

ثانياً- أدى انهيار النموذج الاشتراكي الى تفكك وحدة الكفاح العالمية بمكوناتها الثلاثة الدول الاشتراكية حركة التحرر الوطني العالمية والدول الوطنية المناهضة للرأسمالية العالمية.

ثالثاً-- أصبحت النزعات الكسموبولوتية الرافضة للمسألتين القومية والوطنية الغطاء الأيديولوجي للرأسمالية الأميركية المعولمة.

رابعاً-- تجاوز الكسموبوليتية الأميركية للشرعية الدولية من خلال تدخلاتها في شؤون الدول الرأسمالية الكبرى فضلاً عن تدخلاتها في نزاعات الدول الوطنية وتشكيلاتها الاجتماعية الوطنية.

خامساً-- تميزت الكسموبولوتية الأميركية بالتدخلات العسكرية في شؤون الدول الوطنية بهدف إسقاط الأنظمة السياسية ناهيك عن مساندتها للأنظمة الاستبدادية.

سادساً-- رفع الكسوبولوتية الأميركية قوانينها الوطنية الى مصاف القوانين الدولية مطالبة باعتمادها في العلاقات الدولية.

سابعاً-- نزوع العولمة الأميركية الى بناء شرعية دولية جديدة ترتكز على القوة العسكرية والتبعية والتهميش والتدخل في الشؤون الوطنية.

إن الملاحظات المشار إليها تشترط التركيز على سمات التغيرات الدولية في الظروف التاريخية المعاصرة والتي أجدها في الرؤى التالية –

-- اعتماد الرأسمالية الاميركية المعولمة نهج التدخلات العسكرية والعقوبات الاقتصادية والعزل السياسي في علاقاتها الدولية مع حلفائها في التحالف الأطلسي والدول الوطنية الأخرى.

- تهميش التشكيلات الطبقية في الدول الوطنية عبر اعتماد - الرأسمالية الأميركية -على الطبقات الفرعية -- الرأسمالية الكمبورادورية وبعض شرائح الرأسمالية المالية.

-- مناهضة الروح الوطنية وذلك من خلال تشجيعها واحتضانها الأنظمة الديكتاتورية لغرض مواصلة قمع المعارضة الوطنية الداخلية المطالبة بحقوقها الديمقراطية.

- ربط الدول الاستبدادية بتحالفات عسكرية بهدف مناهضة الحركات الثورية وعرقلة توجهاتها الهادفة الى بناء أنظمة سياسية تعتمد الشرعية الديمقراطية أساساً دستورياً للحكم.

إن التغيرات الدولية التي تحملها الرأسمالية الأميركية المعولمة تلقي بظلالها على علاقاتها مع حلفائها في الدول الأوروبية والدول الوطنية الأخرى والتي نحاول رصدها في الموضوعات التالية --

-- مباركة انحسار الشرعية الديمقراطية للحكم في الدول الرأسمالية الكبرى والتركيز على القوى اليمينية المتطرّفة ومحاصرة النزعة الوطنية المرتكزة على الاستقلال والسيادة الوطنية.

-- إضعاف مبدأ السيادة الوطنية من خلال مصادرة القرارات الوطنية وتأكيد الهيمنة الاميركية في السياسة الدولية.

-- مباركة قرارات حلف الأطلسي التدخلية الهادفة الى محاصرة الدول الوطنية الرافضة لميول الهيمنة الاميركية.

-- ربط بعض دول النموذج الاشتراكي السابق بالبنية الأطلسية لغرض منعها من التطور الرأسمالي المستقل وعرقلة علاقاته الدبلوماسية مع الدولة الروسية.

-- مناهضة الوطنية الروسية باعتبارها الخصم الدولي للسياسة الأميركية ومنعها من القيام بدورها الدولي الهادف الى محاربة الهيمنة الأميركية والتيارات السلفية الإرهابية.

-- ربط بعض الدول الوطنية أو تلك المنسلخة من الاتحاد السوفيتي السابق بحلف الناتو واحتضانها للقوى اليمينية والسلفية بهدف تشديد التبعية والالحاق.

استناداً على ما حمله البحث المكثف من أفكار تشير الى هيمنة العوامل الخارجية أرى بناء جبهات وطنية – دولية تسعى الى --

1- بناء أنظمة حكم وطنية على أساس الشرعية الديمقراطية المرتكزة على موازنة المصالح الطبقية في التشكيلات الاجتماعية الوطنية والتركيز على استبعاد العوامل الخارجية في صياغة القرار الوطني.

2- إقامة علاقات وطنية - خارجية ترتكز على المساواة وصيانة المصالح البلاد الوطنية.

3– رفض التدخل في السياسات الداخلية الوطنية ومناهضة القوى اليمينية الساندة للهيمنة الاميركية وهيمنتها الدولية.

4– بناء شرعية دولية ديمقراطية ترتكز على المساواة والتعاون الدولي في مكافحة نهوج الإرهاب والتطرّف.

5– رفض سياسة التبعية والتهميش الخارجية واستبدالها بالتعاون الدولي المستند الى احترام المصالح الوطنية.

6-- التنسيق بين الدول الرافضة لسياسة التبعية والتهميش يستمد شرعيته من مخاطر هيمنة العوامل الخارجية على التطور الوطني الناتج عن النزعات الكسموبولوتية في نهج الهيمنة الأميركية.

انطلاقاً من موضوعات البحث الفكرية والسياسية نتوصل الى بعض الاستنتاجات العامة المتمثلة ب--

الاستنتاج الأول — أصبحت العوامل الخارجية في الطور المعولم من التوسع الرأسمالي عوامل مقررة في تحديد طبيعة وشكل الأنظمة السياسية وتوجهات تنميتها الاقتصادية.

الاستنتاج الثاني -- الدول الوطنية باعتبارها الطرف الأضعف في التشكيلة الرأسمالية العالمية أمست موضوعاً للتدخلات الخارجية الأمر الذي يتطلب تأكيد القوانين الدولية الضامنة للعلاقات الدولية المتساوية وما يشترطه ذلك من تفعيل القوانين الدولية.

الاستنتاج الثالث -- يكمن التناقض الأساسي في الفترة الراهنة بين الرأسمالية المعولمة المتشحة بالايدلوجية الكسموبولوتية وبين النزعات الوطنية والقومية الضامنة لتطور الدول الوطنية بعيداً عن الهيمنة والتبعية التهميش.

الاستنتاج الرابع --التناقض الرئيس في التشكيلات الاجتماعية الوطنية يجد تعبيره بين الطبقات المنتجة الرافضة للهيمنة الخارجية وبين الطبقات الفرعية - البرجوازية الكمبورادورية والفئات المالية الربوية - المتحالفة والرأسمالية الكسموبولوتية.

الاستنتاج الخامس-- رفض التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية الهادفة الى تسعير النزاعات الطبقية والحروب الأهلية بما يفضي الى التبعية والتهميش.

الاستنتاج السادس -- صيانة الدول الوطنية ومصالح تشكيلاتها الاجتماعية ترتكز على الترابط بين الشرعيتين الوطنية والدولية وما يفرزه ذلك من بناء عالم يسوده الأمن والسلام الدوليين.

إن الاستنتاجات المشار إليها تشير الى أن دول العالم الكسموبولوتية تسعى الى إعادة بناء العلاقات الدولية استناداً الى مبادئ الهيمنة والتهميش وبهذا المسار يتوجب على القوى الوطنية الديمقراطية إعارة اهتمامٍ متزايدٍ الى التغيرات الدولية وما يرافقها من تغيرات تمس مسار الديمقراطية والتنمية الوطنية

  كتب بتأريخ :  الخميس 14-05-2020     عدد القراء :  184       عدد التعليقات : 0