مآسي كورونا الإنسانية
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لعل تداعيات التأثيرات الأولية لمحنة كورونا لم تعد تفرق مطلقاً بين دول متقدمة تملك الكثير من المصادر البشرية والمادية وتمتع بأنظمة صحية رصينة وآخرى تعيش أصلاً أنظمة متأخرة صحياً – بيئياً

وتواجه أوضاعاً إنسانية خطيرة تهدد بقاءها كونها أصلاً تعرف بالدول الضعيفة –الفاشلة أو في أدنى الحدود دول ذات أنظمة سياسية – إدارية – اقتصادية فاشلة في إدارة شؤون الحكم بتفاصيله اليومية،دع عنك ولوج صناع القرار في بلورة خطط ومشروعات مستحقة للنهضة وللتنمية المستدامة تنتظرها الغالبية من شعوب الأرض ومنها بالقطع تلك التي تقطن محيطنا الإقليمي العربي ولكنها لم تتحقق . حقيقة لم تعد لغة الأرقام "الإحصائيات" المتغيرة يومياً تفي في إيضاح إلا جزء صغير من قمة جبل الجليد لأزمة إنسانية عميقة الجذور والتداعيات،إذ قد يقال صائباً من لم يمت بكورونا كوفيد – 19 المستحدث قتله الجوع والعطش.

إذ وعقب أسابيع متتالية من الحجر الصحي بمختلف صنوفه وأشكاله بدأ العالم برمته يصحو على مسار صعب يتسم بالتدهور السريع في تفصيلات الأوضاع الاقتصادية – الاجتماعية – الصحية والبيئية بل قل "الستراتيجية- الإنسانية". نتائج ليس من الصعب التكهن بنتائجها الأولية في المدى المنظور من نقص شديد في القوى العاملة في شتى حقول الحياة توافقت مع تجمد الحياة العامة علماً بإن أبعادها ومسارها المستقبلي مازال بحاجة للمزيد من التحليل والدراسة العلمية المستفيضة المعتمدة على معلومات مازال الكثير منها غير متيقن منه أو ضبابياً يقع غالباً في الآماد الستراتيجية المتوسطة والطويلة.

في البدء يمكن القول إن من أكثر الفئات والطبقات الاجتماعية تضرراً تلك التي يمكن وصفها ب"المحرومة" والكثير منها يعيش على خط الفقر العالمي بحدود 1.90 دولار يومياً أو أقل من أمثلتها المهاجرون،النازحون داخل ديارهم والكثير ممن يفتقد لإبسط مقومات الحياة والعيش الكريم بحيث تمكنه من مواجهة التحديات المتراكمة واللاحقة على إنتشار فايروس كورونا. التحدي الأول الذي على الدول ذات الأنظمة الصحية – البيئية الضعيفة مواجهته يتمثل بضرورة الرعاية والاعتناء بخط الدفاع الأول في حربنا الضروس ضد كورونا متمثلاً بزيادة ملحوظة كبيرة جداً في أعداد طواقم الخدمة الصحية خاصة في إطار كثافة أعدادها نسبة إلى مساحة الكيلومتر المربع الواحد والذي حالياً لايتجاوز في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط الأربعة أشخاص من كل ألف نسمة مقارنة ب4.3 في جنوب شرقي آسيا،5.8 في الغرب الباسيفيكي،18.9 في أوروبا و24.8 في الامريكيتين. علما بإن افريقيا هي الإقليم الذي لديه الأقل كثافة سكانية في إعداد طاقم الخدمة الصحية نسبة لجميع الأقاليم حيث تبلغ 2.3 فقط.

علماً بإن العدد الكلي لطواقم الخدمة الصحية العالمي يقارب أو ينيف على ال59 مليون شخص ليس موزعاً بشكل عادل بين دول العالم إذ تستفيد الدول المتقدمة صناعياً منه بدرجة أكبر من الدول الفقيرة أو النامية ومنها دول منطقتنا في شرق البحر الابيض المتوسط. الشيء الذي كشفته أزمة كورونا أن دول العالم جميعها لم تستقرئ بصورة أفضل شكل ومضمون توقعات المخاطر والتهديدات الصحية القادمة لانتشار الاوبئة العالمية بصورة تمكنها من وضع رؤى وخطط لستراتيجيات تضامنية هدفها حماية البشر في أي بقعة جغرافية يعيشون فيها. من هنا،أهمية تحدي خلق بنك للمعلومات الصحية – البيئية تعمد فيه دول العالم لاعتماد مبدأ الشفافية والتشاركية في تبادل المعلومات ذات المصداقية reliable data بصورة مستدامة مبنية على تحديد دقيق للمفاهيم وللمعايير العلمية والواقعية في تقصي جذور الأزمات الصحية بكل تداخلاتها ـ تفاعلاتها وتداعياتها دون كلل أو ملل وعن سابق معرفة بمختلف مستجدات العلوم وتطبيقاتها في ظل أعلى مستويات التقنية استعداداً،تنفيذاً ومتابعة تخفيفاً لآثار إنتشارها وانتقال العدوى لمساحات سكانية – جغرافية جديدة .

علماً بإن خطوط النقل والاتصالات الحديثة أسهمت بشكل واضح في سرعة وحجم الانتشار. مثل هذه الاوبئة الخطيرة ومنها كورونا بخاصة آخذة بدور يشل الحياة العامة بكل تفاصيلها. ترتيباً على ذلك لابد للمجتمع الدولي أن يزيد من إنفاقه على الاستثمار في الخدمة الصحية بكل صنوفها ومستوياتها خاصة في الدول التي لم تستطع تطوير البنى التحتية الصحية بشكل يجعلها تتكيف بفاعلية مع مستجدات العصر التقني – الالكتروني الجديد.

عراقنا ليس بعيداً عن ذلك خاصة إذا عرفنا أن ماينفق على الصحة والبيئة لايتجاوز 12/1 من مجموع الموازنة العامة وهو معدل لاشك متدنٍ كثيراً عن المستويات العالمية التي وضعتها منظمة الصحة العالمية أو دول العالم المتقدم. آخذاً بالاعتبار أن نسبة تنيف عن 30% من مواطني بلدنا يعانون من الجوع وشظف العيش ومرارته خاصة وأن نسبة متصاعدة من البطالة مازالت لم تحل إشكالاتها في مجالات العمل المتنوعة ومع تنامي أزمة كورونا منذ بداية العام 2020 تتفاقم أبعادها الشاملة ستراتيجياً .

ثانياً: التقديرات الأولية للأشخاص الذين سيفقدون وظائفهم وأعمالهم كنتيجة لاستمرار إنتشار وباء كورونا العالمي قد تم تقديرها من قبل منظمة العمل الدولية بحدود 25 مليون شخص . العراق ليس بمنأى عن حجم تقديراتها الكبيرة التي لم تحدد بشكل نهائي أخذاً بالاعتبار أن صناع القرار في بلدنا أخفقوا في خلق حالة التنويع الاقتصادي للموارد وللطاقة اللهم إلا في مجالات محدودة جداً ومنها في القطاع الزراعي . مدير منظمة العمل الدولية السيد غي رايدر Guy Ryder كشف عن أن الفئات الأقل حظاً او إمتلاكاً للمزايا أو الذين يقعون في أدنى سلم الأجور سيكونون من أول المتضررين من تداعيات كورونا.

في منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط وبضمنها العراق نجد مثل هذه الفئات هي المتضرر الأول من النتائج السلبية للازمات الانسانية – الاقتصادية – الاجتماعية المتتالية ومنها تلك التي حصلت في عام 2008 – 2009 "أزمة قروض الاسكان المالية" وغيرها لتجيئ أزمة كورونا الراهنة لتضيف أعباءً متجددة وقعها شديد على قطاع العمل الذي يقع في صميم دائرة المعاناة الإنسانية بصورة تفوق أي وصف تستدعي منا جميعاً التحرك الفعال كلٌ من موقعه للضغط على السلطات الحكومية المعنية بالشؤون الاجتماعية – العمالية والاقتصادية والصحية – البيئية أن ترفع من وتيرة استجابتها السريعة لإنقاذ الفئات المحرومة من واقعها الدامي ونقلها إلى واقع إنساني يليق حقاً بكرامة الإنسان Human Dignity .

ثالثاً: من التداعيات الأخرى المهمة التي يجدر الانتباه لها تلك التي تقول بإن حال النساء العاملات سيكون أسوأ من الرجال ولكن لماذا؟ بداية تحتل النساء مقارنة بالرجال نسبة الغالبية العظمى من قوة العمل الصحي –الطبي الخدمي على مختلف مستوياته من أعلاها مهنياً (الاطباء والطبيبات) إلى تلك التي ترتبط بالرعاية التمريضية الصحية والاجتماعية – النفسية تترجم ب(70% في 104 دول) بل هن على الخطوط الأولى للدفاع ضد كوفيد - 19 المستحدث مع كل المعاناة الإنسانية التي يجابهونها بضمنها فقدان حياتهم .

كما إن إلاغلاق التام الكلي للمدارس كان وسيكون له رد فعل سلبي جداً على النساء اللواتي تحملن حالياً أو سيتحملن مستقبلاً المزيد من مسؤولية الرعاية الصحية والاجتماعية للأطفال عقب انتشار مخاطر كورونا في المجتمع الدولي. هذا وتشير المعلومات الواردة من الجهات الصحية ومنها منظمة الصحة العالمية ومنظمة العمل الدولية أن النساء العاملات يقمن بثلاثة أضعاف عمل الرعاية الاجتماعية دون أجر مقارنة بالرجال. النقطة التي يمكن ربما اعتبارها إيجابية نسبياً ولحد ما هي في كون معدلات وفيات النساء الناجمة عن الوباء أقل من تلك التي تصيب الرجال أي تصل ما يقارب 1.7 % في مقابل 2.8 % للرجال.

الأسباب وراء ذلك متعددة منها أن أسلوب أو نمط الحياة للرجال بعض مسالكه سلبية جداً منها ممارسة عادة التدخين بصورة أكبر من النساء بينما يتبين علمياً بإن للنساء إمكانية إنتاج المناعة الجسدية أو العضوية ضد الإصابة بالأمراض. برغم ذلك،فإن ما تقوم به قوة العمل النسائية في ظل أزمة كورونا مثلاً من ساعات عمل كبيرة جداً مكرسة للخدمات والرعاية الصحية تعد متعبة حقاً بل وقد تجعل النساء عرضة لتلقف الوباء أكثر من الرجال ما يؤدي مع الأسف الشديد لحالات الوفيات بين الممرضات والممرضين المساعدين.

رابعاً: أوضاع الطوارئ الصحية تستوجب تعبئة كل طاقات المجتمع ضمن خطة إنقاذ ستراتيجية يعاد فيها هيكلة البنى التحتية للقطاع الصحي – البيئي بصورة تعطي لهذا القطاع أفضل انتباه ورعاية لأنه استثمار في أغلى ما لدى البشر ألا وهو صحتهم ونوعية حياتهم Quality of life التي يراد لها أن تجسر الفجوة بين مختلف شرائح المجتمع ضمن محيط يتسم بالعدالة الاجتماعية.

خامساً: استمرار التفكير خارج الصندوق Outside thinking من أجل استخدام تقنيات العصر الالكتروني الجديدة شكلاً ومضموناً بصورة ترفع من الأداء في مؤسسات الدولة ومنها في القطاع الصحي – البيئي بعيداً عن كل تسيس غير مرغوب به.

سادساً: لابد من إعداد ستراتيجية عمالية موحدة دولياً هدفها الارتقاء بحقل العمل والعمال في كل مجالات الحياة خاصة وأن ما حصل يعد أمراً يهم كل دول وشعوب العالم ولايمكن أدلجته أو فلسفته بصورة بعيدة عن حب الإنسانية وخدمتها ورعاية الإنسان الذي هو أغلى شيء في الوجود.

ما يستدعي الاستفادة من تجارب عمالية –صحية إبداعية نجحت في دول أخرى مثل النروج،كوريا الجنوبية،نيوزلندة وغيرها في التخفيف نسبيا من آثار الأزمة وتداعياتها الخطيرة على بقاء الجنس البشري.

أخيراً : دون قيادة رشيدة تتمتع بضمير إنساني في جعل الهوية الإنسانية هي الأساس في معالجة الأزمات لايمكن عبور المرحلة القادمة الحرجة - غير المتيقن من نتائجها. إذ أن خلق المصل الجديد لمعالجة كورونا على أهميته البالغة في توفير الأمن والأمان الجسدي والنفسي إلا أنه ليس كافياً لإحداث تغيير جذري في الذهنية التي تعتمد على الغيبيات،الأساطير والمعتقدات الضيقة الافق أوكل ما ليس له علاقة بالعلم والتقنية. التعاون والتضامن هو أساس النجاح ودونه سنظل نتخبط ونتبارى دون جدوى على أمور ثانوية وليست جوهرية بضمنها صراعات على السلطة والمغانم.

  كتب بتأريخ :  الخميس 14-05-2020     عدد القراء :  136       عدد التعليقات : 0