نهاية عصر النظريات

كثُر الحديث في غير مكان حول الطريقة التي يقرأ من خلالها الناقد أو الباحث أو المؤرخ العربي الظاهرات الثقافية أو النصوص الإبداعية أو الواقعة التاريخية، وامتد هذا الجدل إلى الصحافة الأدبية التي يرى بعضهم أنها ينبغي أن تكون على صلة مع الناس الذين لا يحتاجون إلى رطانة النظرية كي يتجاوبوا مع النص.

في حين يرى آخرون أن من واجب الكاتب رفع مستوى القرّاء، عبر الاستعانة بمفردة النص الغربي ومناهجه وأدواته في مقاربة كل الظاهرات.

ولعل الموضوع الذي يتبادر إلى ذهننا في هذه الحالة، يتصل بجهود الكاتب في التوصل إلى صيغة من العلاقة الناجحة مع قارئه والمنبر الذي ينشر فيه، وحدود حريته في فرض قوانين التعاقد بينه وبين قارئه المفترض.

بيد أن الكاتب العربي، مثل كل كتّاب العالم الثالث، مطالب بهوية خاصة به في كل الميادين ومن ضمنها ميدان البحث، فالعرب يحتاجون إلى ابتكار أنفسهم على حد تعبير جان جينيه، والنص الأدبي والفكري أحد ميادين اختبار الهوية، ولكن التسليم بتبعية الكتابة إلى مصدر يتفق المثقفون أنفسهم على أهميته، كانت أحد أسباب التشبث الببغاوي بالتنظيرات الغربية.

لعل الهوس بالنظرية في قراءة الظاهرات الثقافية لا يختص بها النقّاد والباحثون العرب، أو كتاب العالم التابع وحدهم، بل هي مشكلة غربية في الأساس مع الفارق في تمثلاتها عبر لغات مختلفة.

الثقافة الغربية اليوم، بعد ابتكارها وسائل الاتصال الحديثة، وبينها عالم الإنترنت، بدأت في نعي عصر النظرية. فعصر التنظير أوشك على الأفول، كما يؤكد غير باحث في ميدان الثقافة، وفي كتاب تيري ايغلتون " ِAfter Theory " الذي صدر عن دار بنغوين قبل سنوات قليلة، يقول المفكر البريطاني أن عصر النظريات الثقافية قد انتهى، فالرواد من أمثال جاك لاكان وليفي شتراوس ولويس ألتوسر ورولان بارت وميشيل فوكو، بقوا مسيطرين فترة طويلة على حركة الأفكار في العالم. من جاء بعدهم من أمثال بيير بورديو وجوليا كريستيفا وجاك دريدا وهيلين سيكوس وفرديرك جيمسن وإدوارد سعيد وسواهم، أضحوا بلا آباء بعد النهايات التراجيدية للرواد. رولان بارت مات ضحية سيارة جمع الغسيل في باريس، وميشيل فوكو بسبب مرض الإيدز، ولويس التوسر انتهى في مصح عقلي بعد أن قتل زوجته.

السخرية التي تسيطر على كتاب ايغلتون لا تقلل من أهمية ما يطرحه من أفكار تبدو على اتفاق مع طبيعة الثقافة الحديثة التي تودع عصر المثقفين النخبويين وتدخل زمن البراءة أي ما قبل التنظير والتجريد، على حد تعبيره.

بشر ليوتار وميشيل فوكو بانتهاء عصر السرديات الكبرى، وانتهيا بسرديات أخذت الخصوصيات بعين الاعتبار، ولكنها جاءت بكليات لم تكن تخلو من أفكار تجريدية. وهكذا نجد في كل فكرة جديدة استمراراً للماضي وتجاوزاً له.

ما هي طبيعة الأفكار التي يتداولها الناس اليوم؟ لمعرفة هذا السؤال ينبغي أن نرى أنفسنا عالقين بالبنيوية أو الماركسية أو ما بعد البنيوية، ولكن القرن الجديد غير عابئ بهذه النظريات في قراءة الواقع، فيما يشكل موضوع الجسد واللذّة، قطب الجذب في القراءات الحديثة. الجسد كموضوع للمتعة، وما تنتجه السينما من عوالم متخيلة مثل مصاصي الدماء وأفلام الرعب والفضاء والبورنو، هي الثقافة التي يتداولها الناس عبر وسائل الاتصال المعاصرة. المتعة واللعب وعالم المودة والصرعات الحديثة، لم تعد جزءاً من عالم تحسب الثقافة الرفيعة أنها على مبعدة منه، أو هي أرفع مقاماً وأعظم مكانة في الخوض بتفاصيله، فما من حدود اليوم بين ما يسمى الثقافة العليا والدنيا، كما يقول المؤلف.

الثقافة الحديثة بعد أن اجتازت عصر النظريات أضحت غير عابئة بالحقيقة، ولا بالأخلاق والقيم القديمة، فلم تعد السياسة موضوعاً يجذب الشباب، ولا الحقيقة ما يبتغون من غايات، فكل الأفكار تبدو متحركة وخاضعة إلى قراءات منوّعة وجريئة. ولكن ما من فكرة تنبثق من العدم، وسنجد كل ما تطرحه الثقافة الجديدة هو نقض لفكرة متداولة أو الأخذ بالهوامش منها وترك المتون. معظم ما جاء به مثقفو ما بعد الحرب العالمية الثانية كان يقوم على نقض أطروحة عصر النهضة، وفي المقدم منها فكرة تبجيل العقل الذي كان محور الفكر الغربي، واليوم تمضي الثقافة حثيثاً نحو إحلال المخيلة بديلاً لهيمنة الواقع، بيد إنها تنطلق في مخيلتها من حاجة الواقع الإنساني إلى تخفيف غلواء الثوابت في حياة الناس.

عصر الانترنت وتداخل اللغات، ضيّق الهوة بين عوالم الشباب في العالم، وبينهم الشباب العربي، ولكن أين يقف المثقف العربي من كل تلك المتغيرات؟

لا شك أن الثقافة الأبوية في العالم العربي تحتاج باستمرار إلى ناظم حدّيه عدم الاعتراف بالأجيال الجديدة، وتبجيل القديم، وعودة الحركات الرديكالية التي تدعو الى استعادة الماضي بواسطة العنف هو جزء من تكوين الثقافة العربية المعاصرة. وعلى قلة القراءات التي تحاول دراسة هذه الظاهرة، فكل ما كتب يستعين بالتنظيرات التي أوشك الغرب على التخلي عنها. وهذا الحال يدفعنا إلى السؤال عن مصير الثقافة العربية وهي تتمثل حقباً تعتبر منتهية في حياة الغرب، سواء في ميدان النظرية الأدبية أو النظريات الثقافية عموماً.

البحث عن الخصوصية أهم سمات الثقافة الحديثة، والكاتب الجديد في مقارباته الفنية والأدبية يعتمد على التجربة المستمدة من المعيش لا من التجريد. أنه حسي ، ورقيق وذاتي بامتياز، ولا مكان في ثقافة المستقبل للمنظّر التجريدي. هذا ما يؤكده تيري ايغلتون، ولكنه يحاول، فيما يحاول، خلق مواصفات جاهزة للكتابة، وهكذا سنجد أنفسنا أمام "نظرية" جديدة كان نقض الحاجة إليها من أسباب تأليف هذا الكتاب.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 22-05-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0