أفكار في جدلية المنظور الانساني لمعالجة جائحة كورونا
بقلم : د. أحمد عبد الرزاق شكارة
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

من الطبيعي أن تتنوع وتتعدد الآراء والتساؤلات حول فهم ومعالجة جائحة كورونا ولكنها وبرغم كل الجهود العلمية العالمية مازالت متواضعة في تقديم نتائج مقنعة للعقل البشري .

محورها جدلي بامتياز يتركز حول طبيعة المنظور الانساني وأين نحن منه من معالجة جائحة كورونا وما المستقبل المأمول للبشرية؟؟ مصادر، سياقات ومراحل التفسير جدلية بحكم طبيعة المراحل الزمنية وبحكم منابع الاختلاف الايديولوجي – السياسي- الثقافي – الحضاري أوالتنشئة الاجتماعية – الفلسفية أو بحكم النظم السياسية والاقتصادية التي هي الاخرى لها مرجعيات مهمة متنوعة تنتمي لعناصر أو مكونات تقع في المحيطين المادي – الطبيعي والانساني – المعنوي – القيمي أو إلى الاثنين معا. يوميا تحصد كورونا الآلاف من ضحايا الوباء العالمي (كوفيد -19 المستحدث).

لست بوارد تقصي جميع جذور ومصادر الوباء المتنوعة المتعددة ولا اقطع بوجود سبب واحد لظاهرة خطيرة ومعقدة جدا لها سياقات ذاتية علمية – طبية- بحثية - تأريخية ناجمة عن تأثيرات وتداعيات انتشار انواع من الاوبئة الخطيرة عالميا وفرت لنا عبرا ودروس أوهكذا يفترض. حصد بعضها الملايين والمئات من البشر (الطاعون، الانفلونزا الاسبانية والسارز أو غيرها) عبر مسيرة زمنية طويلة نسبيا. علما بأننا قد نتفق او لا نتفق مع التشخيص العام لظاهرة مستجدة (كوفيد -19 المستحدث). ظاهرة صاغتها عقول طبية متابعة لأحدث اساليب ومناهج البحث العلمي ولها مرجعية عالمية معتمدة على رأسها - منظمة الصحة العالمية World Health Organization-WHO . الاخيرة ما زالت تنتظر التوصل عبر بحوث علمية مستمرة تطوير أو الاستثمار المالي لاختيار افضل علاج نسبي ولكنه نهائي ناجع للجائحة المميتة. من هنا أهمية إيراد بعض الافكار المبدعة التي تدور في أوساط طائفة واسعة من الباحثين محورها يدور حول كيفية إيجاد خيارات وسياقات فكرية مناسبة جديدة يمكن من خلالها استثمار العمل الجدي التنافسي المكلف ماديا وزمنيا للتوصل لحلول شفائية ناجعة تنفع كل فئات المجتمع خاصة الفقيرة منه . إن عالم الاجتماع السياسي أيرفن لازالو Ervin Laszlo له العديد من الابحاث والكتابات حول تفسير الظواهر التي تنحو نحو مايعرف بنقاط النهاية Tipping points في ظل محيط عام يتسم بحالة من الفوضى chaos حيث تظهر اختلالات معرفية وعلمية يمكننا ان نعرفها بـ"تشخيصية واقعية- “Realistic Diagnostic تأثيراتها قد تؤدي إلى انهيارات عنيفة إما تعدل او تصحح جزئيا من طبيعة النظام السائد أوربما تؤذن بالانهيار التام لمنظومة نظام معقد معتمد أو ربما غير متفق عليه. آراء لازلوا تدور في حومة التغييرات الحرجة متأرجحة بين ما يعرف بحالة الفوضى "Chaos" ومرحلة الانتقال لحالة النظام "Order". إن تقربنا من نقطة الفوضى في النظام العالمي تأتي نتيجة إسهام ونشاطات يقوم بها الافراد والجماعات مهما بلغ صغر حجمها افرادا وجماعات في اتخاذ قرارات حاسمة ستنعكس على البشرية إن سلبا أم ايجابا. من هنا نجد أنه كلما تقربنا من ظاهرة الكارثة الانسانية (بضمنها مانعيشه حاليا من بلاء جائحة كرونا) تتصاعد الحاجة إلى أن تتظافر الجهود الجماعية لإيجاد حلول ناجعة وحيوية استثنائية لإنقاذنا من منطقة حافة الهاوية التي تأخذ صورا متنوعة مثل: الهجرات الجماعية، تناقص وقلة الموارد الطبيعية مع تنام واضح لظاهرة الفقر والجوع العالميتين اللتان وصلتا لحدود جد صعبة ذهب ضحيتها الملايين من فئات ضعيفة معرضة للمخاطر الآنية من مجتمعاتنا (أطفالا – وشبابا وكهولا من الجنسين) تترافق مع تصاعد حدة ظاهرة الاحتباس الحراري والتلوث البيئي الخطير، وحاليا تسارع انتشار عدوى كورونا بصورة لم تعهد منذ مائة عام على الاقل مع كل ما يمكن تصوره من كوارث إنسانية مستقبلية مميتة قد تكون متلازمة مع موجات أخرى من الاوبئة. المعادلة اضحت إذن واضحة لكل ذي لب وبصيرة: كلما تعمقت العلاقات التضامنية بين الامم والشعوب كلما أمكن إحداث تغيير جوهري نوعي إيجابي يوقف حالة التدهور الصحي – البيئي منذرا بإمكانية حصول تقدم مثمر على الصعيد الكوني – الانساني . ضمن هذا التصور العام الذي اطلقه المؤلف إرفن لازالوا يتبين أن امامنا حقيقتان تسهمان بتشكل الخبرة الانسانية المنتجة لحالة الوعي الانساني Human Consciousness تقدم لنا مايفترض من تفسيرات مقنعة نسبيا للاحداث وللوقائع تعتمد على:

اولا: "المنظور البايولوجي للخلق" أو"المحيط البايولوجي" الذي يشكل شبكة حياتنا العضوية المعقدة.

ثانيا: "المنظور القيمي" لمعنى الحياة التي نعيشها (أهميته تماما كحيوية الاوكسجين وعناصر النترات في اجسادنا) يتم من خلال تفعيل منظومة واسعة من القيم، المعتقدات المعنوية - الروحية – الدينية – الفلسفية – المادية وغيرها.

المشكلة التي نحن بصددها تتمثل حتى الان بعدم إمكانية التقريب الكبير بين المنظورين البايولوجي والقيمي – المعنوي ما يعكس عدم إمكانية التوصل لعلاقة متناغمة متجانسة إنسانيا بينهما بل يمكن القول إن شكلا من اشكال الحرب ربما اضحى امرا واقعا بينهما. تصور كهذا يدخلنا في مايعرف بمحيط الازمات crises environment التي تعجل بانهيارات جزئية او كلية في النظام العالمي. لعل من ابرز ما نلحظه منذ مدة ليست بالقصيرة عدم وجود توازن نسبي او موضوعي بين متطلبات: أولا، العيش المستدام في كوكبنا (الكرة الارضية) حيث يفترض أن نحرص جميعا على الحفاظ عليه "بيئة خضراء –زرقاء" مستدامة يتم من خلال تلبية متطلبات العيش النوعي الرغيد - الصحي . علما أنه ومع ازدياد فترات الحظر اضحى المناخ العالمي افضل صحيا نتيجة لم تكن متوقعة قبل عام . وثانيا، بين اندفاع في المعاني والمفاهيم التي نحملها لتشكيل مستقبل التحولات المتطلبة التي تتسابق الامم والدول لتحقيقها. لذا طرح الباحث لازالو تساؤلا منطقيا يدور حول الاسباب التي تجعلنا نقلل من قيمة حماية ورعاية الكوكب الارضي بينما يهتم صناع القرار بخوض سباق التسلح مثلا الذي يعد جزءا لايتجزأ من سباق يعلي قيمة المادة أوالمنجز العسكري او المادي – التقني على حساب معاني قيمية لمفاهيم عميقة إنسانيا وبعضها يحمل ازدواجية المعنى ونحتاج لتوضيحها وفهمها اكثر: الجمال، السعادة، التنوع الحضاري –الثقافي، الاهتمام بالجانب القيمي الحرفي – المهني، تباينات مهمة لتضاريس الارض والجغرافيا لا بد من فهمها والاستفادة العلمية منها بصورة اعمق واشمل جيوسياسيا، وظاهرة تنوع الاجناس البشرية غير المحدد عددا والتي يمكن الاستفادة من منجزاتها الحضارية، وأخيرا ظاهرة التدهور الملحوظ للمناخ خاصة في الغلاف الجوي المحيط بالارض ما قد يؤثر سلبا في الحفاظ على نوعية عالية من الهواء النقي، ومن البحر والتربة النظيفة مع كل ما تتضمنه من كائنات حية، ما يستوجب تقليل درجات الحرارة . من هنا وأنطلاقا من تنامي حالة الوعي الانساني بضرورة إعمال وتفعيل حركات النهضة الشاملة الفكرية والمادية معا "كونيا" في ظل ظاهرة مرحلة من التحولات الانسانية Transformational Humanistic era الحاسمة التي تتطلب أن تنضم جميع الدول القومية إلى حركة التضامن العالمي الانساني للاعتناء بكوكبنا الاخضر وحمايته من كل المخاطر الممكنة. مسألة حيوية لم تعد تقع فقط في إطار محيط العالم المثالي Idealist World بل يمكن إرجاعها إلى نظرة اكثر واقعية للاحداث وللوقائع مع كل ما يقتضي من تقديم تفسيرات مناسبة أو ملائمة لطبيعة التطورات سريعة الايقاع في عالم معولم Globalization World. صحيح أن العولمة لم تمت ولكنها ستأخذ اشكالا وسياقات جديدة تنطلق مثلا من ظاهرة تبدو بسيطة في مظهرها العام ولكنها عميقة في تأثيراتها تعرف بالابتعاد الاجتماعي Social Distancing ، مايقتضي في الغالب الاعم تطوير آليات العمل من خارج مؤسسة العمل او المواقع الثابتة اي تتم عبر وسائل الاتصال الاجتماعي والخاص بمواقع الانترنت العالمية. كل ذلك في مرحلة انتقالية قد تطول او تقصر حماية للصحة العامة للبشر من مخاطر الاوبئة وتلبية لهدف مستدام: "بقاء الجنس البشري –Human survival" عامل الوقت والجهد المبذول من قبل المواطنين ومؤسسات الدولة في إنعاش الوضع الصحي خاصة عقب توصل الطب لعلاج ناجع لكورونا سيعد كفيلا برفع سقف الآمال والتوقعات من إرجاع تدريجي لطبيعة الحياة المجتمعية التي نعرفها ضمن المحيطين الداخلي والخارجي ولكن وفقا لضوابط صحية. كل دولة من موقع شرنقتها اوقوقعتها المائية – الهوائية العازلة bubble يفترض أن يخطط لها صناع القرار الرشيد ستراتيجيات مميزة للتنمية وللنمو الاقتصادي – الاجتماعي – التربوي - الثقافي – التعليمي – العلمي – المعرفي والتقني وغيرها. على ضوئها يمكن تحديد مقاسات علمية - زمنية للتوصل لحلول صحية –بيئية – مجتمعية فاعلة مؤثرة تمكننا من تجاوز مثل هذه المرحلة الاستثنائية عبر تاريخنا السياسي الحديث. لعل من المناسب القول إن مواجهة التحديات المقبلة في عالم مابعد كورونا لن تتم "مثاليا- Idealist" في سياق مخطط يمكن التحكم بكل تفصيلاته قد يحتوي قدرا من الفوضى أو الاختلالات وهو امر طبيعي او واقعي بالنظر لطبيعة المرحلة الاستثنائية غير المتيقن من مسارها ومن نتائجها . الكاتب تم هارفورد Tim Harford أصدر كتابا عنوانه التكييف: لماذا ينطلق النجاح دائما من الفشل Adapt: why success always starts from failure بالاضافة لكتاب اكثر حداثة صدر في عام 2016 عنوانه اللافت للانتباه الفوضى: قوة عدم الانتظام لانجاز التحول في حياتنا Messy : The power of disorder to transform our lives . منجزان بحثا في ظاهرتين هامتين أولهما ركز على ضرورة التكييف مع متغيرات عالمنا الخارجي او الداخلي السريعة الايقاع برغم قساوة المحيط البيئي هذا من جهة. ومن جهة أخرى ليس بالضرورة ان يتم إحكام برامج التخطيط الستراتيجي رغم اهميتها وفقا لأحكام الدقة المثالية في وقت نعيش فيه اختلالات واضحة مجتمعية – اقتصادية مادية ومعنوية "نفسية" حيث أن حالة الاختلالات لن تنتج لنا نظاما رصينا ولكنها تبقى مهمة لإجراء تغييرات وإصلاحات متطلبة في مرحلة استثنائية نظرا لإهمية التركيز على عاملي الابداع والمرونة المستدامة Resiliency في مواجهة المتغيرات والتغيرات الجديدة المقلقة لنا جميعا. إن التفاعلات البيئية السريعة الايقاع مقترنة بتقنيات حديثة إلكترونيا ورقميا توجب الاستمرار بعمليات التجارب العلمية وصولا لحلول مرضية نافعة تنقذ البشرية من واقعها المرير. كل ذلك يتطلب ان يتضامن العالم كله في طريق النمو والتنمية و الهدف الاساسي أن تعيش الانسانية جميعا بخير معافاة من الامراض والاوبئة. تجربة العراق الصحية متارجحة ولكنها وبرغم كل التحديات الجسام إداريا – سياسيا- مجتمعيا- ثقافيا- اقتصاديا (متأرجحة بين وفرة أو ندرة مالية- نفطية وفقا لتقلب اسعار النفط) مكنت البلاد والعباد من تشكيل نخبة طبية وعلمية اعترف ويعترف العالم بأنها متمكنة وتتمتع بجدية ومهنية عالية القيمة، اضحت مثار اهتمام العالم، ما دعى لاستقطابها خارج حدوده. علما بأن العراق ذاته بقي يصارع من أجل إقامة "حكم رشيد مستدام" Good Governance من خلال الابقاء على كفاءاته متوطنة داخله ولكن من دون جدوى إذ واجه تحديات غاية في الالم والصعوبة دفعت في العقود الثلاثة او الاربعة الاخيرة بابنائه من المتخصصين للهجرة للخارج . القادم من الزمن يتطلب استقطابا شاملا لكل الكفاءات الطبية والعلمية والبحثية مع رفع مهم في نسبة الانفاق على البحث العلمي والتنموي من الناتج القومي الاجمالي بدرجة يستحقها ابناؤه إذ "ليس هناك أغلى من الانسان" عماد الحضارة البشرية . ألا يكفي ما جرى للعراق من مآسي إنسانية حصدت خيرة ابنائه بضمنها مايحدث يوميا من مأساة كورونا؟ . حاليا منظمة الصحة العالمية وصندوق الغذاء العالمي ينذران بأن عشرة ملايين طفل او مايقارب من ذلك سيعانون تبعات كورونا من ظاهرة إنخفاض مستوى التغذية النوعية الصحية التي تحتاج على الاقل) 300 مليون دولار( لتجاوزها كل ذلك يجري مع استمرار وهدة الفقر العالمي (1.90$ دولارا يوميا) للعمالة من الاطفال والشباب. إن الشباب يشكلون اكثر من %60 من شعبنا العربي ما يعني ان إنتاجية بلادنا لن تتحسن دون اهتمام ورعاية بالشباب. اتساقا مع ضرورة رعاية كبار السن ومن الجنسين ايضا. في الختام أتمنى أن تدرك الامم والشعوب أننا نعيش في كوكب واحد ما ينقذ جزءا منه يعني إنقاذ كل البشرية وإعمار جزء آخر منه هو اعمار وبناء للجميع دون تمييز ما يستدعي خططا ستراتيجية شاملة وطنية واقليمية تحت رعاية الامم المتحدة والوكالات المتخصصة بعيدا عن تسييس المواقف او الاحتكارات الاقتصادية – السياسية أو تلك التي تتشكل لأغراض فئوية محاصصية تنشر الفساد بدل أن تنشر قيم العدل الاجتماعي مقترنة بالمحبة والتعايش المشترك من أجل إسعاد البشرية كلها.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 25-05-2020     عدد القراء :  176       عدد التعليقات : 0