راءة في رواية ( 1958 / حياة محتملة لعارف البغدادي ) الكابوس الذي اصبح كارثة

يأخذنا الكاتب ( ضياء الخالدي ) الى المهارة الاسلوبية غير المسبوقة في الفن الروائي المتطور في تقنياته وفي الحبكة السردية , التي هي من صنع الخيال المتخيل الفسيح في تصوراته في خلق الاحداث وتعبيد مساراتها المتخيلة . في سياحة الخيال المدهش في التخيل والتصور , في التناول اعقد قضايا حساسة من تاريخ العراق . الذي يستند على طرحه جملة افتراضيات يجعل منها حقيقية قائمة بذاتها . لاشك ان هذه الافتراضيات في ذائقة الاحتمال والتوقع , تملك أرضية واقعية في الشأن السياسي , وترسم خارطة العراق المتخيلة من هذه الافتراضات . ومن خلالها تتشكل اعمدة الواقع المتوقعة اذا في حالفها الحظ  ونجحت نظرية الافتراضيات . هذه المحاور هي عماد البناء الفني للمتن الروائي ومنصات الحبكة  السردية  , الذي ابدع في تكوينها وتشكيلها وصياغتها  بذائقة التشويق المرهف . وهي تخص تاريخ العراق على مدى قرن تقريباً من الزمن . لذلك لابد في تفصيل هذه الافتراضيات في النص الروائي التي تختص مجمل الواقع العراقي . أولى هذه الافتراضيات هي : ماذا لو فشل الانقلاب العسكري في 14 تموز في عام 1958 , كما فشلت الانقلابات العسكرية الاخرى على النظام الملكي ؟ . والافتراضية الثانية .  ماذا لو استمر النظام الحكم  الملكي حتى عام 2000 . كيف سيكون شكل العراق ؟ هل يكون شكل العراق عبر الانقلابات العسكرية الدموية أم تقمع الى الابد ؟ هذا الافتراضيات تخلق الاحتمال والتوقع . ربما تدور في ذهن كل عراقي من زخم الكوارث الدموية المتعاقبة التي سقطت على رأس العراق  حتى الى اليوم الحالي . هذه هي علقم المشاكل والازمات وحال العراق , منذ الهجوم على قصر الملك وعاث المهاجمون بالقتل والحرق وسحل الجثث في قصر البلاط ,  حتى لم يرحموا من الحقد الدفين الاطفال . هذه محاور المتن الروائي بذائقة الخيال والتخيل , لكنها تحمل وجاهة في الطرح والتناول , من خلال سيرة حياة ( عارف البغدادي ) الذي ولد في ( الحيدرخانة في بغداد ) عام 1910 . ويتابع السياق الروائي منذ ولادته حتى على مشارف حياته في  عمره التسعين عاماً . وتتميز حياته بالمجازفات والمغامرات والمفارقات الغريبة . ونعرف انه منذ ان نشأ عوده تمرد على العلاقات الاجتماعية والعائلية والدينية , ضرب مؤذن  ( جامع حيدرخانة ) بالحجارة ساعة الاذان وهو في العاشر من العمر , وعندما  كبر واصبح شاباً كان يشعر بالاختناق وانه عنصر سلبي في مجتمع يحاصره في الاختناق وفشل في تعلم مهنة يكسب منها . حتى انه ترك المدرسة العسكرية لتخريج ضباط في  الجيش . لذا جالت في ذهنه مغامرة الهجرة للوصول الى المانيا , لذلك خاض رحلة طويلة مليئة بالاحداث العاصفة من بغداد الى تركيا مروراً بسورياً ثم تركيا ولكن تعثر في روما / ايطاليا . فقد سجن وحكم عليه بالسجن عشرة اعوام على جريمة لم يرتكبها , وحالفه الحظ بضرب السجن خلال الحرب العالمية الثانية فتهدم السجن وهرب مع صديقه التركي , وفي تركيا تزوج من ( عائشة ) ورزق مولداً ( قدوري / جيار ) ولكنه اجبر عنوة من عائلة زوجته على الطلاق , رغم انه يحب زوجته ( عائشة ) ثم طرد من تركيا . وعاد خائبًاً  الى بغداد . واطلع عن قرب على الوضع العراقي وبلاط الملك منذ  ( فيصل الاول )  قبل مجازفة هجرته وبعد رجوعه الى بغداد , وتعرف على  ولي العهد  ( غازي ) من خلال المدرسة العسكرية . وكان يتسم بالبساطة والتواضع . وكان شأنه اي طالب اخر , واثمرت العلاقة الصداقية حتى اصبح ملكاً على العراق .  وتعرضه  الى الموت من حادثة اصطدام سيارته بعمود الكهرباء . وكثرت الشائعات بأن حادث الموت كان مدبر ومقصود وليس قضاء وقدر . بما يعرف عن ملك ( غازي ) بشكل واضح كرهه الى الانكليزي وخلافه العميق في تفاصيل كثيرة معهم ,  فتخلصوا منه بهذا العمل المدبر . لذلك عاشر في علاقاته  ( عارف البغدادي ) عن قرب مع البلاط الملكي حتى مجزرة القصر , التي  قتل فيها  الملك الشاب ( فيصل الثاني ) والتمثيل بجثته  وسحله . . ولكن محور البناء السردي يعتمد على المشكلة النفسية التي تعاني منها ابنة  الملك  فيصل الاول  ( عالية ) كانت منذ صغرها تعاني من مرض غريب يهجع حياتها بالنحول والهزال والضعف  , ويجعلها طريحة القلق والخوف , وكبر معها هذا الكابوس الثقيل في السنوات اللاحقة  , رغم انها حاولت البحث عن تفسير له من خلال الكتب العلمية وكذلك كتب ( فرويد ) حتى عجز الاطباء في تفسير حالتها النفسية المريضة . وكان هذا الكابوس الذي يثير في روحها الخوف والفزع , يأتيها في اليقظة وليس في المنام , واخفت سره عن عائلتها حتى لاتثير القلق والفزع فيهم . ولكن هذا الكابوس المزعج يرسم مصير عائلتها ونظام الحكم الملكي . يرسم مصير العراق ومستقبله . يرسمه بريشة السواد الكاريثية . لذلك طلب الملك ( فيصل الاول ) معاونة ( عارف البغدادي )  في الاسهام في حل المشكلة النفسية لابنته ,   بان يلتقي مع ابنته الصغيرة ( عالية ) وخاصة الاوضاع العامة  ولا يوجد فيها   تهديد جدي يزعزع عرشه  , سوى بعض الانقلابات العسكرية الفاشلة , وانتحار رئيس الوزراء ( محسن السعدون ) , وخاصة ان خصال الملك ,  انسانية ومتواضعة في بساطتها دون بهرجة وتكلف . والنظر الى الامور بواقعية في المدار الانساني لها  .

قال الملك مؤيداً كلام الشاب !

- هذا صحيح , قصدك بحذافيره , ان نكون أنسانيين

- أنسانيون , حسب ما يراه الاسلام , وليس ما يراه الغرب

- لا يوجد فرق . الانسانية واحدة , يا فتى ) ص73 .

وبالفعل تم اللقاء بين ( عارف البغدادي ) وابنة الملك ( عالية ) بما تعاني من مشكلة نفسية وهو الكابوس المزعج الذي يروودها .

( - جدي . أنا حزينة

لم اقاطعها , كنت منصتاً لها , وهززت رأسي  دلالة الى اكمال ما تريد قوله .

- بأختصار . ارى في يقظتي رؤية مزعجة . حريق شب في هذا القصر , وجثث عائلتي مسجاة في الباحة , أجسادهم محترقة بالكامل , وانا الوحيدة التي لم يصبني أذى , أتنقل مذعورة بين الجثث , وانظر الى النيران الخارجة من نوافذ القصر

- حلم ؟

- لا , في يقظتي أمام عيني , مثل مشهد حي ) ص10.

هذا الكابوس كان نذير بحرق العراق عامة , قبل حرق قصر البلاط , به انزلق العراق الى الانقلابات العسكرية الدموية المتعاقبة  على رأس العراق , ولم تتوقف كوارثه الدموية الى اليوم , بالدماء والمجازر التي لم تنقطع في تاريخ العراق . لذلك البناء الفني للنص الروائي اعتمدت على فرضية في غاية الاهمية . ماذا لو فشل الانقلاب عام 1958 ؟ هل تحدث انقلابات دموية  اخرى تلعب في مصير العراق ؟ ماذا لواستمر النظام الملكي حتى عام 2000 , كيف سيكون حال العراق ؟ ان سر الكابوس حصرته ابنة الملك داحل نفسها . كما فعل ( عارف البغدادي  ) بشكل لامبالاة بما يرواوده في رأسه  يمر عليه  بشكل عابر غير مهتماً به   , وهي تشكل  محطات العراق الدموية في تواريخها الكارثية ( يظهر في رأسي  ارقام لتواريخ سنوات معينة . 1958 . 1963 . 1968 . 1980 . 1990 . خمسة تواريخ لا تفارقني , وكلما نقبت عنها في سيرة حياتي وبلدي والعالم , لا اجد شيئاً  للانتباه سوى عام 1958 ) ص125 .

لذلك يبني على فرضية لو فشل انقلاب عام 1958 , وظهور عبدالكريم قاسم في مقابلة صحفية لجريدة بغدادية يعلن فيها فشل الانقلاب العسكري ( عندما كشفها عبدالكريم قاسم في مقابلة في صحيفة بجريدة بغدادية , بعد فشل انقلاب تموز لعام 1958 , عندما اشتهر أسم هذا الضابط ) ص78 .

ولكن سوء حظ العراق لا يقبل الافتراضيات . وانما قبل بالتواريخ الدموية الخمسة التي جلبت الكوارث على رأس العراق . وتنتهي خاتمة المطاف في الرواية بالمفارقة التراجيدية المأساوية , بين التشييع المهيب والرسمي بموت الملك ( فيصل الاول ) وبين قتل وحرق وسحل جثة الملك الشاب ( فيصل الثاني ) في الشوارع .

جمعة عبدالله

  كتب بتأريخ :  الخميس 28-05-2020     عدد القراء :  136       عدد التعليقات : 0