ما زلتُ حيّاً... أشكر الرب

رنّ جرس هاتفي في ساعة مبكرة من صباح الخميس 28 مايس 2020  . إنتابني القلق وأنا أقرأ بعينين غافيتين إسم إبن عمي, الذي يسكن نفس مدينة سكناي,على شاشة الهاتف. سرح خيالي عبر احتمالات متعددة لا تتضمن أية احتمالية منها خبراً ساراً.  أجبته بنبرة متوجسة: صباح الخير حكمت, وهذ إسم ابن عمي, إنشالله خير؟ أجابني أنه استلم عدة نداءات من ابناء العمومة في العراق واستراليا وحتى كندا, ذاكراً اسماءهم جميعاً, مستفسرين عن صحة خبر وفاتي الذي نشرته على الفيسبوك صفحة "ألأطباء العراقيون". بصراحة, ضحكت وقلت له "الله يسامح من نشر الخبر", ما عليك غير إعلام الأعزاء ممن له حساب في "الفيسبوك" بتكذيب الخبر, وأنا سأتصل بالجهة التي نشرته حال إرسالك لي الإعلان عن النباْ. وما هي إلا لحظات حتى استلمت الإعلان عن وفاتي وحسب النسخة المرفقة.

إتصلت بالزميل مسؤول صفحة "ألأطباء العراقيون" الذي ليست لي معرفة سابقة به. أخبرني أن الوزير السابق "سمير الشيخلي" الموجود في الاردن نشر على صفحته في الفيسبوك نعياً عنّي .  ثم أتته , أي وصلت المسؤول" رسالة من أحد الساكنين في قطر ومن عائلة الشيخلي أيضاً يعلمه بالخبر باعتباره من المهتمين بمتابعة شؤون الأطباء في المهجر. عندها قام المسؤول بالإتصال بنقابة الأطباء العراقية بغية تزويده بصورتي الشخصية وما يتوفر من معلومات عني لصياغة الإعلان عن الوفاة.  إعتذر الزميل بكل أدب ورقة ووعد بان يحذف الخبر مباشرة بعد الإنتهاء من مكالمتنا. أحسست بحيرته بين تصديق النعي المنشور من قبل مسؤول سابق له مكانته وبين تكذيب الخبر على صفحته من قبل أقربائي بالإضافة إلى سماع صوتي الحي.

كيف ولماذا حصل ذلك؟ أعلمني أحد زملائي من بغداد عند اتصاله بي للإطمئنان بان المتوفي هو الدكتور(صيدلي يحمل شهادة الدكتوراه) صباح يوسف ميخائيل, وانتشر الخبر بذكر الدكتور صباح ميخائيل فقط, مما أدى إلى حصول ذلك الإلتباس. ,أضاف مازحاً: "أنا أعلم أنك مناضل بالعلم, ولم أتصور أن لك كل هذا التاريخ النضالي بالحزب".

عادت بي الذكريات إلى شهر آب  1980 الذي عدت خلاله من إيفادي إلى المملكة المتحدة بعد نيل شهادة الإختصاص. ما هي إلا أيام حتى اشتعل فتيل الحرب مع إيران. رنّ جرس الهاتف في ساعة متأخرة من الليل وأنا نائم في السطح كما كانت هي العادة تلك الايام. طرق سمعي صوت رقيق يسألني هل انت د. صباح ميخائيل؟ أجبت نعم. قالت: ألسيد وزير الصحة يطلبك. قلت: لا اتصور انا المقصود بطلب السيد وزير الصحة. أجابت: السيد الوزير طلبك, ونحن لا نعرف رقم هاتفك, والبدالة زودتنا بهذا الرقم... لم تكن لي معرفة شخصية بالمرحوم آنذاك, ولكن كانت عندي المعلومة بأنه مدير التجهيزات الطبية. قلت لها: أنا طبيب عسكري والسيد الوزير على الأكثر يقصد مدير التجهيزات الطبية الذي هو ايضاً د. صباح ميخائيل... إنتهت المكالمة بشكراً, وربما اقتنعت بعد أن سمعت "طبيب عسكري", إستلقيت ثانية على فراشي البارد وحتى الصباح.

بعد سنوات من الحوار الهاتفي الليلي, وللأسف لا أتذكر عددها, إتصل بي زميل وصديق معاتباً عن عدم دعوتي له بحفل زفافي.  سألته عن أي حفل زواج تقصد؟ قال قد طرق سمعه أن د. صباح ميخائيل أقام حفلاً شيقاً في فندق شيراتون بمناسبة زواجه. قلت عزيزي لم أكن أنا وإنما الدكتور الصيدلي.

إختلط الامر على صديقي, وقبل ذلك على وزارة الصحة, ولكن الثالثة كانت الاقوى والأكثر سخرية لأنها طرقت باب الإعلام كمعلومة صحيحة ألصقت بي سهواً فأماتتني وأنا حيٌّ , والشكر للرب.

تعرفت على المرحوم في تسعينات القرن الماضي حينما كان مديراً لأحد أقسام وزارة الصحة, وكنت انا ممثل الطبابة العسكرية في اللجنة الإستشارية لإستيراد الأجهزة والمواد الطبية لأمراض القلب. كنت ازوره في قسمه بعد الإنتهاء من عملي في اللجنة. إنسان بشوش, بسيط ومتواضع, يميل إلى مساعدة الآخرين, يرفض الظلم, مشبع بتجربة حياتية تؤهله لاتخاذ الموقف الصائب, وجدير بالإستشارة في اي وقت. مهما كتبت قد اقصر بحقه, ولكن أختصر كل صفاته بقولي انه شخصية محبوبة وتستحق التقدير والإحترام.

إقترح عليّ بعد الإجتياح الاجنبي عام 2003 أن أشترك معه في تاسيس تنظيم مسيحي يحضى بدعم الأمريكان بشرط أن يشمل شريحة متعلمة ومعروفة بين الاوساط المثقفة, والذي من خلاله ودعمهم المشروط  يستطيع المسيحيون الحصول على العديد من حقوقنا الضائعة.

حضرت الإجتماع الاول في مذخره قرب ساحة الواثق, وكان عدد الحضور حوالي العشرة أشخاص, أعرف جيداً واحداً منهم فقط. تولدت لدي القناعة من خلال الطروحات والمناقشات بأن هذا المسار غريب عليّ, فكان هو الإجتماع الاول والاخير. إلتقيت بعد فترة بالشخص الذي أعرفه جيداً. سالته عن التنظيم؟ اجابني بابتسامة ذات مغزى بأنه تركه بعد اجتماعين. وفي لقائي الأخير مع المرحوم صباح قبل مغادرتي العراق عام 2004 , سالته: اين وصل التنظيم؟ أجابني أنه ترك الفكرة والموضوع كلياً؟ قلت له لماذا؟ أجاب "ماكو فائدة واحد يجر بالطول والآخر بالعرض,  فالافضل نبطل وكل واحد يكعد مكانه". لم اتفاجا حيث أحسست كيف ستؤول إليه الامور من حصيلة أول اجتماع وبالأخص بعد أن طرح أكثر من واحد من المجتمعين المفاهيم القومية التي تتعارض مع الفكرة الاساسية لتاسيس تنظيم مسيحي شامل.

ألرحمة لك يا صديقي العزيز صباح. أسكنك الرب مع الابرار والصالحين.

أعود إلى الإعلان غير المقصود عن وفاتي والذي حُذف بعد أقل من أربع ساعات على نشره. لقد علّق عليه ما يقارب 300 شخص. أغلبية المتداخلين إن لم يكن جميعهم هم من الإخوة "الربع". عدد غير قليل منهم من نشر صورتي معهم, وهناك من ذكر تجربته معي, ومن تطرق إلى موقعي العلمي والوظيفي. حقاً من يزرع الخيرَ يحصد خيراً وفيرا.

كيف كنا؟ وكيف أصبحنا؟ تذكرت رباعيتي الشعرية:

تلكمُ الاخلاقُ عن أعرافِ ماضينا غريبهْ

نحن شعبٌ ألفَ العيشَ حبيباً وحبيبهْ

غمرتْ أطيافُهُ الأمسَ موداتٍ وطيبهْ

ما دهاها اليوم في شكٍّ وريبهْ؟...من أنادي؟

ما اعظم وصيتك يا يسوع: ما أوصيكم به هو: أحبّوا بعضُكم بعضا, يوحنا 15:17

  كتب بتأريخ :  الجمعة 29-05-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0