يسكن قلبي ...

تابع محبو الدراما العراقية في رمضان الماضي على مدى مساءات الشهر الكريم عدداً من المسلسلات العراقية كان من أبرزها مسلسل "يسكن قلبي"، الذي وظفت له إمكانات كبيرة مادية وغير مادية وأعتمد فيه على عدد من نجوم الصف الأول في العراق والنجوم الشباب.

لعل الأمل يحدو بكل هؤلاء المتابعين النشطين أنْ يشاهدوا مسلسلاً يحكي عنهم ويبث فيهم مشاعر حميمة بالعودة إلى مجد الفن التمثيلي العراقي الأصيل مما يسترجعون بعضاً منه رغم مضي عقود من الزمن على انجازه وتقديمه في ظل ظروف مادية محدودة كما في "تحت موسى الحلاق"، "النخلة والجيران"، و"ذئاب الليل"، إلخ. بيد أنّ المشكلة الرئيسة التي ظهرت في مسلسل "يسكن قلبي"، أنّه استند إلى فكرة جزئية أخذها المؤلف السيد باسل الشبيب من رواية "المسرات والأوجاع"، للروائي العراقي الراحل فؤاد التكرلي دون الاعتراف بنسبتها إليه. تمثلت الفكرة المحورية المقتبسة في المسلسل بشخصية "ماجدة"، التي أدتها الفنانة شذى سالم وولدها الضابط "أنس"، التي أداها الفنان باسم الطيب. وكذلك الحال في شخصية "نديم"، التي أداها الفنان مازن محمد مصطفى وكان ظهر في الرواية بإسم "أبو الأدب" وهو نموذج للمثقف المحبط من طريقة تطور الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في العراق. أجريت تحويرات معينة في الفكرة لغرض المسلسل ابتعدت فيها عما جاء في الرواية بطريقة سلبتها موضوعيتها ومصداقيتها وبالتالي أفرغتها من القدرة على الاستقرار في وعي المتابع والمشاهد على نحو معقول. فقد تسبب "نديم"، الذي آوته ماجدة لثلاثة أيام في بيتها خلال فترة غياب زوجها "ابراهيم" في جبهة الحرب ضد ايران بطلاقها وحرمانها من ولدها وهو في سن الخامسة من العمر وتعريضها للفقر والمهانة.

تطرق التكرلي في روايته المذكورة إلى شخصية "غسان"، الشاب الذي وصف نفسه أمام "توفيق"، بطل الرواية بأنّه "الحقير ذو الحظ الحسن". وكان ذلك بسبب هروب "أم غسان" من زوجها الرسام "عبد الإله كمال"، واقترانها برجل آخر فرطت من أجله بحياتها العائلية. فكان أنْ وقع الأب الرسام باللائمة على الطفل الصغير محملاً إياه وزر ما فعلته أمه. حسب الرواية، يموت زوج الأم ويخلف ثروة طائلة ترثها زوجته والتي تتوفى بعد حين لتتركها للوريث الوحيد "غسان"، مما يؤدي به إلى الإنتقال من حالة الفقر والفاقة إلى حالة الغنى الطارئ والمستجد. لا يتخلص الطفل الموجوع من عذابات الطفولة التي عاناها على لسان والده ويبقى أسير تلك الفترة من حياته التي تصليه بموجات من الشعور بالذنب والمعاناة التي لم يكن له دخل فيها. قضايا مهمة تحدث على صعيد الحياة اليومية للناس وتتطلب معالجات علمية تساهم بتطوير الوعي وتعميق الإحساس بمعاناة الأبرياء من الضحايا. لم يكن لينقص من المسلسل والجهود التي بذلت لإنجازه الاعتراف بمصدر الفكرة ليستهل المسلسل بها اعترافاً وإضفاءاً للوجاهة عليه من حيث ارتباطها بروائي عراقي معروف ومقروء تماماً كما ذكرت أسماء آخرين منهم الإشراف العام (مجاهد أبو الهيل) والمؤلف والمخرج وكل الأسماء الأخرى المهمة التي ساهمت فيه. الحقيقة، كان يمكن تفادي الكثير من الهنات ونقاط الضعف التي اعترت المسلسل وقللت من أهميته لو عاد إلى الرواية التي كتبت بإتقان.

شوّه المسلسل الفكرة كما جاءت في الرواية بطريقة جعلت من "أنس" شاباً معقداً أصيب بمرض نفسي كدر عليه حياته. وظهرت "ماجدة"، بشخصية معتلة تكاد تستجدي عطف الآخرين واحترامهم لها من خلال التطوع لتقديم المساعدة لكل من هبّ ودب بإسم المحبة وتقديم يد العون حتى لمن لا يطلبه منها بصورة مباشرة. هذا سلوك يدل على ضعف بالشخصية وخلل بالتكوين كان يمكن أنْ يقدم إنّما بتوضيح العوامل التي أدت إليه كي لا تكون نموذجاً تقتدي به الساذجات البسيطات، وما أكثرهن. يتعرض الفرد الذي لا يتعلم آليات حماية الذات والدفاع عنها إلى الإنتهاك وهو دلالة على العجز وليس الصحة والسلامة والشخصية السوية كما تشهد بذلك نتائج العديد من الدراسات العلمية ذات الأختصاص. يبدو أنّ نظرة واضع النص أو فلنقل مطورها تقوم على فكرة الـ "خطية"، التي تطرق إليها الدكتور علي والوردي معتبراً إياها احدى علامات النكوص للمساعدة على بناء مجتمع يسوده القانون ولا تأخذ بحماته والقائمين عليه لومة لائم. مثّل سلوك "ماجدة"، هذا الذي تجلى بإستضافة المشرد "نديم"، أو مساعدة هارب من وجه العدالة "رعد"، أو مطلوب بجريمة "ثأر" مثل "سعد"، وصولاً إلى ارهابي محترف تعبير عن حالة مرضية تعانيها "الشخصية". يهتم الناس في العادة بحماية أنفسهم ووضع حد للتعامل مع الآخرين خشية استباحتهم. فكيف ببطلة المسلسل تنتظر عودة عابر سبيل "سعد"، حدث أنْ سألها عن غرفة للإيجار وتبقى تنتظره بالباب حتى يعود وتستضيفه وتقدم له غرفة مؤثثة للإيجار!

هذا جانب وهو الأساس. أما الجوانب الأخرى فقد تمثلت بطريقة اختيار الفنانين لأداء الأدوار المحددة. لم يكن اختيار الفنانة شذى سالم برغم كفاءتها الفنية المعروفة موفقاً من حيث العمر بالدرجة الأساسية. كان يمكن أنْ يسند هذا الدور لفنانة أصغر سناً لتبرير تعلق كل هؤلاء الرجال بها مثل "عامر"، و"عاصم"، و"هوبي". بالتأكيد، هناك الكثير من الوجوه النسائية الفنية التي كان يمكن أنْ تقوم بالدور على أحسن ما يكون وبما يعزز الواقعية ويقدم ما يكفي من المبررات لزخم العواطف المشتعلة في قلوب كل هؤلاء الرجال. كما كان يمكن استبدال شخصية "عامر" التي أداها الفنان محمود أبو العباس بـ "عاصم"، الذي أداه الفنان محمد طعمة التميمي لكونهما أكثر انسجاماً مع الدورين المحددين والذي تمثل الأول بابن الباشا عبد الحميد فيما تمثل الثاني بأحد رؤوس المافيات العراقية. فيما عدا ذلك فقد أبدع الفنان حميد غانم بأداء دور التمريضي الولهان "هوبي"، والفنان باسم الطيب بأداء دور "أنس"، الضابط الشاب المنشغل بأمر أمه وتمردها على والده "ابراهيم"، الذي جسد شخصيته الفنان مناضل داود. وكذلك الحال بـ "نديم"، الذي أبكى متابعيه على الصعيد الفني فيما فشل المسلسل بالصيغة التي اختارها بتسليط الضوء من خلال هذه الشخصية على ارهاصات شريحة من المثقفين العراقيين الذين ينازعون بين هذا وذاك. وهنا أيضاً تبرز أهمية الدعوة للعودة إلى الرواية التي تناول فيها التكرلي مسألة الموقف من النظام. هل يتحتم على المثقف أنْ يندمج بالنظام ويتعاون معه لغرض إصلاحه أم أنّ عليه المحافظة على استقلاليته لكي لا يتحول إلى أداة من أدواته يسترزق منه ويحيا على عطاياه!

أختتم المسلسل بحلقة طبخت على عجل وصارت مسرحاً لتوزيع الجوائز على الشخصيات المرضي عنها فيه. فهذه "ماجدة"، التي يطحنها الفقر وتحتار في الساعة آلاف المرات لتأمين لقمة العيش لها ولمن يقيم معها تحصل على ملكية بيت الباشا بمنحة من "عامر"، الذي يتصالح مع زوجته سليلة الباشوات والتي كانت مبعث تذمره وضجره منها على امتداد الحلقات التسعة والعشرين، هكذا بجرة قلم. مما يؤسف له أنّ المسلسل انتهى برسالة تخديرية تقول: أطمأنوا أيها الفقراء. ففي هذا العالم من الرجال من يعطي ويبذخ من أمثال "عامر عبد الحميد" ابن الباشا، ومن النساء "ماجدة"، من تجعل من بيتها ملاذاً للضائعين المشردين في زوايا المدينة المنطوية على نفسها. وأنّ هذا البيت قابل للتوسعة ليستضيف الثنائي المعدم "سحر ونازك"، واللص الذي تورط في أكثر من عملية سطو مسلح "فائق"، وسينال المجرمون جزاءهم المستحق لهم من أمثال "أمجد"، وحيد أبويه ممن لم يخلصه والده الصناعي من الإنحراف ووالدته المتفرغة له من أنْ يصبح لصاً محترفا!.

كان يمكن للمسلسل أنْ يطول أكثر ليستفيض على كثير من القضايا التي تناولها لو أنّه استعان بمختصين ذوي خبرة وتجربة ونظر إلى جانب إشراك الفنانين المساهمين فيه بنحت شخصياتهم. إنّ هذا جزء من آليات العمل الديموقراطي على مستوى الإنتاج الفني ليأتي العمل صقيلاً ومكتملاً ولتخليصه من عدد من التحيزات التي أنهكته. على سبيل المثال، عزز المسلسل الصورة النمطية السائدة عن زوجة الأب رغم أنّها لم تكن كذلك في الرواية من خلال شخصية "سندس". كما أنّه لم يوضح كيف انتقلت زوجة "ابراهيم" الثانية من زوجة أب سيئة ونقناقية إلى أنْ تكون ملاكاً بين لحظة وأخرى. تجاهل المسلسل الاختناقات التي تصاب بها العلاقات الزوجية وبخاصة بعد فترات من الزواج كما في "عامر" وزوجته وتجاوزها دون معالجة. كان يمكن تفادي كل هذه الإشكالات لو تم الإلتزام بما جاء في الرواية التي أحكمت واقعيتها بطريقة تستوجب الاحترام والاعتراف.

يبقى أنْ نعترف بفضل المسلسل بتقديم الوجه الجديد الشاب "رياض" الذي قام بأدائه الفنان مرتضى حبيب. وهذا بحد ذاته شهادة على إنّ دعم الشباب ودفعهم لتوسم الأدوار المتنوعة سيسهم ببث دورة الحياة في الأعمال الفنية العراقية خاصة وأنّ هناك الكثير منهم ممن يتطلع إلى أنْ يأخذ فرصته وفق آليات المنافسة المشروعة التي تسمح بإختيار الأفضل والأكثر ملائمة للدور والشخصية وليس المعروفية والعلاقاتية مع القائمين على العمل. كما تبرز أهمية التفرغ للعمل وتوفير الوقت الكافي من حيث إنّ العمل الفني التمثيلي والمسرحي عملية خلق وابداع وهذا لا يأتي عن الهوى وأنّما من خلال التدريب على الصنعة والدأب عليها وعدم التهاون في إعادة الكثير من مشاهدها المفصلية بغية ضبطها وتمتينها.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 01-06-2020     عدد القراء :  296       عدد التعليقات : 0