طيور السايلو وجلد الفاسدين فكاهياً

أخذت حادثة سايلو النجف لحبوب الحنطة حيزاً واسعاً من اهتمامات وتعليقات المواطنين, اتسمت أغلبها بالسخرية من تعليل أحد المسؤولين على السايلو اسباب النقص : " اكلتها الطيور !".

فقد التهمت هذه الطيور الشرهة من قوت المواطنين والفقراء منهم بالخصوص, ما مقداره 752 طناً من الحنطة المودعة هناك. وقد قدرت لجنة تحري من هيئة النزاهة وكذلك دائرة الرقابة المالية والتجارية التابعة لوزارة التجارة, قيمة الحنطة المفقودة ب 420 مليون دينار عراقي, خسرتها الميزانية العامة ( ويُذكر ان سعر الطن رسمياً 560 ألف دينار عراقي, حسب ما أورده " موقع النجف مدينتي " على النت ).

لأول مرة في تاريخ العراق منذ 2003, لا تسجل حالة فساد او أختلاس في دائرة حكومية ضد مجهول, وهذا وحده انجاز يثلج قلوب العراقيين, فالفاعل, هذه المرة, موجود يتقافز بيننا وحوصلته تحتوي على قرينة ادانته, ومنقاره يواصل التقاطه لحنطتنا, عينك عينك...

وبقدر ماهو انجاز فأنه تعجيز, لأن مرتكبي الجريمة عددهم لايحصى ولا تستطيع اية قوة شُرطية القاء القبض عليهم, ,فالأمر يحتاج الى معجزة ! ... هذا فيما لو رغب أحد قضاة التحقيق اصدار مذكرة القاء قبض.

أحد أصحاب الشأن اشار الى : " حقيقة ان الحبوب  تُستلم, عادة, من الفلاحين والتجار او المسوقين برطوبة الحصاد, اي رطوبة عالية... تُستلم بما لايزيد عن 12.5 نسبة رطوبة... وهي تبقى في المخازن لفترة غير محدودة, عندها تفقد جزء من رطوبتها, اي انها تفقد جزءاً من وزنها الأصلي, ويتناسب فقدان الوزن طردياً مع فترة الخزن... اضافة الى مفقودات التحميل والخزن ".

تفسير يبدو منطقياً ومقبولاً يدعو للتفهم لأول وهلة.

وما دام الأمر يتعلق بتحميل الطيور دون البشر مسؤولية الضياعات والنقص, أضيف من عندياتي متهميّن محتمليّن آخريّن من فصيلة اللا بشريات, لا أعرف سبب اسقاطهم من دائرة الشبهة, هل هو تواطؤ ام نسيان ؟ ألا وهي القوارض وما تلتهمه و أسراب النمل وما تحمله من حبوب الى جحورها.

لا نعرف من ألهم هذا المسؤول هذا التبرير, لكن تبرير نقص 752 طناً من الحنطة, يبقى غير مقنعاً, فهي كمية كبيرة حقاً...

فهل يا ترى خسائر الأعوام الماضية كانت بنفس هذا الحجم ؟ ولماذا لم يعلن عن حصول هدر بمثل هذا المقدار في سايلوات اخرى في البلاد ؟ وكيف تتعامل سايلوات العالم مع آفة أسراب الطيور الملتهمة ؟ ولماذا أوصت لجنة التحري بمسائلة القائمين على السايلو اذاً ؟ ويمكن للمرء تسطير الكثير من الأسئلة .

وحتى لو حاولنا تفهم بعض الحجج الفنية, فمن يستطيع ان يقنع ملايين العراقيين الذين عملت احزاب السلطة المتحاصصة طوال حقبة حكمها على غشهم واستغلالهم وسرقتهم ؟

فقد اثبتت هذه الطغمة انها لم تكن يوماً أهلاً للمسؤولية, بعدم أمانتها وسرقتها لثروات البلاد, واشاعتها لعدم الثقة لدى المواطن الذي أصبح يمقتها ولايصدق أي تصريح تطلقه في اي شأن من شؤون الحياة, لهذا رفضهم وانتفض.

ولنفس السبب, اكتسحت عاصفة التهكمات والسخرية, مواقع التواصل الأجتماعي, وانتعشت صناعة النكتة واطلاق الدعابات لجلد الفاسدين فكاهياً, ولتبرئة الطيور التي لا حول لها ولا قوة ولا حتى محامٍ لها ولا مُعين.

اعترض البعض على قدر السخرية من هذه التبريرات والضحك من حمق الحكام, والتشفي بسقطاتهم, واعتبرها مبالغة, ودعا الى العودة الى الجدية في متابعة ما يجري في واقعنا السياسي.

لا أتذكر من قال بأن " الفرح فعل مقاومة ", لكني متيقن من ان تكريسهما اصبح ضرورة في ظروف بلادنا المأساوية, وسلاح الفكاهة هو بالنهاية سلاح من لاسلاح له, فهو مقاومة ثقافية  سلمية لجور الحاكمين وعسف السلطات وتغول الميليشيات, ومن خلال مواقع التواصل الأجتماعي, الملجأ الأخير, ليثأر بها المواطن لنفسه, ولو معنوياً.

والأدب والفن الساخر, بما يتضمناه من تهكم وتندر ودعابة وتنكيت ومُلح وهزء وقفشات ولمعات وهزل ورسوم ومشاهد كاريكاتورية, حاجة موضوعية مُلحة في ظرفنا الحالي, في ظل شيوع المظاهر الجنائزية والبكائيات وسوداوية الصورة العامة ومناخ الكآبة واعتلاء الوجوه القميئة الكالحة ناصيات الساحات واحتلالها لبرامج الفضائيات.

ولمواجهة كل هذه الفجائعية ووحشية القُبح, ولشفاء الروح المحتقنة للعراقيين جراء كل ما يحدث, لابد من تحفيز مضادات الأكتئاب لديهم مثل هرمون السعادة " السيروتونين ", واثارته بكل ما هو متاح من وسائل, لرفع معدلات الفرح والحبور والمرح والسرور والتفاؤل, والأقبال على الحياة وكل ما هو ايجابي يبعث على الثقة بالنفس, ليلاقي الأنسان مصاعبها بعزيمة وتصميم بعيداً عن روح الأنكسار والدونية والضعف والخنوع والسوداوية التي تريدها لهم قوى التخلف والظلام.

أسهل من تطبيق الحد على طيور السايلو, بنتف ريشها عالآخر بما فيها قوادم أجنحتها  لجعلها مجرد دواب تدب في الأرض ولا تنطلق الى عنان السماء, اعتقال المتسببين بهذا الأهدار في الموارد, والكشف عن السرّاق الحقيقيين وتقديمهم للعدالة.

وقد قيل : " لكل ساقطة لاقطة " !

وهذا ينطبق على حنطة السايلوات المنثورة وطيورها كما على المال العام السائب وسرّاقه .

  كتب بتأريخ :  الخميس 04-06-2020     عدد القراء :  248       عدد التعليقات : 0