ذكرى الصديق تدوم الى الابد

قبل ان يكون المرحوم هيثم سليمان اودو صهري، فهو صديقي منذ وطأت اقدامي جامعة الموصل مطلع السبعينات، عرفته مستقيماً، وسيما، مبتهجاً، مشرقا، واجمل ما فيه ابتسامته، اضافة الى الأصالة المتجذرة في عائلته وبلدته القوش، وهو الذي لم يولد فيها بل في اربيل عام 1949، ثم سرعان ما انتقل مع اهله الى الموصل فاصبحت تلك المدينة العظيمة في التاريخ، مدرسته،جامعته، حسن تربيته، واكتمال شخصيته.

قبل خمسين عاما كتب هيثم خلف صورة جميلة له اهداها الى خاله روكسي منصور( الدنيا عذاب وشقاء وآخرها الفناء) وكأنه يستشف دروبها الصعبة، وكأسها المر في آخر المطاف. هيثم سليمان صادق شعيا ميخائيل( مرخو) هرمز اسحق اودو، سليل اسرة الاطباء الشعبيين في القوش( الحكيم) لقرون وقد توارثوها اب عن جد منذ قدومهم الى القوش من منطقة اشيثا في اقليم حكاري بتركيا في القرن الثامن عشر، وسليل رجال الدين طبقت شهرتهم الآفاق: البطريرك مار يوسف اودو، المطران الشهيد مار توما اودو، المطران مار اسرائيل اودو، ومطران حلب الحالي مار انطوان اودو، اضافة الى عدد من القساوسة والشمامسة.

تخرج من جامعة الموصل قسم الفيزياء، ثم واصل تعليمه في الجامعة التكنلوجية ببغداد ليتأهل مهندسا، ويعمل في احدى منشآت الاسكندرية قرابة عقد من الزمان، وعندما حصل على بعثة الى فرنسا فيالثمانينات، دققوا في معلوماته الشخصية فعرفوا ان اخته كفاح، انا، وبناتنا: لينا وريلا،ملتحقين بفصائل المعارضة المسلحة في شمال العراق، الغوا بعثته وكل الامتيازات التي حصل عليها، وابلغ ان يترك الاسكندريةخلال مدة قصيرة، ثم سيق الى الخدمة العسكرية في سني الحرب العراقية- الايرانية. وبعد تسريحهانتقل الى وزارة الصناعة، ونظرا لكفائته واخلاصه في العمل، تدرج في الوظيفة حتى تقاعده بدرجة مدير عام، وقد عمل لمدة 40 عاماً بالتمام والكمال.

عندما اجتاحت موجة الاغتيالات مدينة الموصل، في اعقاب فشل تمرد الشواف عام 1959، كان والده الموظف المرموق في رئاسة صحة المدينة، يتحمل تلك الايام السوداء المنذرة بأشد الاخطار، حيث طال الارهاب أناساً آمنين ووطنيين احرارا، رغم ذلك لم يتزحزح منها في حين هاجرها خيرة ابنائها الى بغداد والمدن الاخرى. هكذا اقتدى الابن بابيه بعد ان كتب له ان يعمل بعد تخرجه في الاسكندرية ثم بغداد، فصمد صمودا ملفتا للنظر، امام كل الاحداث والمصائب التي عصفت بعاصمة البلاد، علما بان اغلب الناس المنحدرين من افضل السلالات، وورثة اعظم الحضارات في تاريخ البشرية، تركت بغداد الى مدن اخرى او الى البلدان القريبة والبعيدة، لكنه آثر البقاء الى جانب زوجته العزيزة سميرة جعفو قوجا.

صمدوا معا في بغداد اعوام الحرب العراقية- الايرانية، سنين الحصار الظالمة طويلة الامد، ومن ثم موجات القتل والتطرف والعصابات المنظمة والارهاب المنفلت، والتي شلّت الحياة وأرعبت العباد، حتى دخول البلاد في جائحة كورونا الكارثية، كل هذا وهيثم في وطنه يأبى ان يغادره. لم يعد لهيثم وسميرة اهل واقرباء في بغداد، فكلهم توزعوا في المنافي والمهاجر، لكنهم عاشوا بين اخوة مسلمين وهم نعم الاهل والجيران، فانسجموا ايما انسجام. احبّوا بيتهم الذي سكنوه حتى اليوم، فألِفوا محتوياته ومراحل حياتهمالطويلة فيه، حيث ربّوا اولاداً وهم:ألن، رامي، وفادي، ولكن سرعان ما غابوا عن ناظريهم الى اوربا. كان لهم اخوة واخوات لم يعودوا قريبين منهم، فاصبحت وسيلتهم الاتصال مع كل هؤلاء بالهاتف، وسنح الزمن لهم ان يزوروهم لبضعة مرات، ولكنهم لم يقتنعوا في البقاء هناك، فعادوا في كل مرة وهم اشد رغبة  وقناعة، في الاستمرار بالعيش في بلادهم بين النهرين.

لم تتركه نوائب الحياة هكذا، بل داهمته امراض مزمنة بعد تقاعده، واصبحت تتعبه واشتدت عليه تدريجيا، حتى كانت ليلة السابع والعشرين من ايار 2020، حيث ادرك ان نهايته اقتربت، فقامت زوجته بالاتصال بالاسعاف ولكن الاسعاف لم تأت، فاتصلت بجيرانهم تبلغهم بان حالة زوجها ورفيق عمرها خطيرة، فهرع شابان منهم في مقتبل العمر وحملوه على الاكتاف الى سيارتهم، وانطلقوا بسرعة الى المستشفى، في تلك الليلة الليلاء حيث منع التجول ساري المفعول، بسبب تزايد اصابات كورونا في بغداد، هناك لفظ انفاسه الاخيرة اخي وصديقي هيثم،ذلك الانسان المسالم والطيب الى اقصى الحدود. رجعت زوجته تصرخ وتبكي وحدها، لا احد يقابلهاغير حيطان بيتها، ولا تعرف ماذا تعمل في وقت عصيب عاشته.

مؤلم ان اطيل اكثر، ولكن مع بلوغ شفق الصباح،جاء اليهم الشابين خالد ورافد اشبال خالي جمال اودو، فبذلوا قصارى جهدهم في الاتصال بالكنيسة ومرافقة الجثمان، وبما انه قد رُسم شماساً في فترة سابقة، توجب ايصاله الى الكنيسة للصلاة وحل سيامته، تم ذلك من قبل احد الكهنة الغيارى، ثم توجهوا جميعاًومعهم ايضا الشابين الجارين، من الاخوة المسلمين الرائعين، الى مقبرة الكلدان الكبرى على طريق بعقوبة. هناك ووري الثرى، بانتظار رحمة الله ورضوانه ليدخل دار النعيم.

  كتب بتأريخ :  السبت 06-06-2020     عدد القراء :  240       عدد التعليقات : 1

 
   
 

Dr Kamil Mansoor Yousi

الاخ العزيز نبيل يونس دمان المحترم
إلى عائلة المرحوم هيثم سليمان اودو وأخوته وأخواته ولأهله ومحبيه المحترمين
نقدم لكم تعازينا الحاره لانتقال المرحوم هيثم- و سا بقا المرحوم عمك حبيب - إلى الاخدار السماوية
ونسأل الرب ان يسكنهم ملكوته مع الأبرار والقديسين وان تكون هذه اخر الأحزان والصبر
والسلوان لأهلهم ومحبيهم

د. كامل منصور يوسف ديزا
Dr Kamil Mansoor Yousif, Zakho University
[email protected]uoz.edu.krd