من زخارف اشعار مظفر النواب(5)

مثلما انشغلت نازك الملائكة و بدر شاكر السياب و عبد الوهاب البياتي و بلند الحيدري  بأمور قصيدةٍ ، شعريةٍ ، جديدة النوع ، جديدة الأسلوب و المضمون ، اسمها ( الشعر الحر) بعد التحرر من بحور الخليل الفراهيدي ، عام ١٩٤٧بإيجاد مصطلحات جديدة على هذا النوع من الشعر الفصيح وصولاً الى تسمية ( قصيدة النثر). كان مظفر النواب قد تدارس ، مع نفسه ، هذا النوع من التغيير في القصيدة الشعرية الشعبية . كانت محاولاته خلال النصف الثاني من خمسينات القرن العشرين هي الانطلاق نحو ( تجديد) مكانة و منطلقات الشعر الشعبي  على وفق تجارب الرؤى الحضارية،  الثقافية ، المتغايرة ، بكل مكان في العالم . على هذا الأساس اتجه النواب الى تحرير القصيدة الشعبية العراقية من بعض إيقاعاتها ، الساكنة  بمساراتها و  الرتيبة في فرص تقدمها ، ليكون  هذا النوع من الفن الشعري جزءاً من الشعر القريب  ، الذي توصل اليه النوّاب بقصيدته (الريل و حمد)  حيث بناها على معنىً شعريٍ جميلٍ ،  بأسلوبٍ عذبٍ، رصينٍ ، قاد بهِ القصيدة الشعبية الى ذروةٍ مشهودةٍ من ذرى الإمتاعِ و المؤانسة ، محققاً خطوةَ الوصول المبتكر  الى الذوق العالي  ، في الشكل الشعري و جماله،  انطلاقاً من ديناميكية (الابتكار) و (التجديد)   بمداخلاته مع نفسه ، حيث وفّرت ازدهار الشعر الشعبي بالنموذج المظفري  .

سجّل  مظفر النواب بقصيدته الشعبية (الريل و حمد) فضيلة أدبية - شعرية – شعبية ، من نوع خاص. ليس من السهل ان نراها معتمدة او سهلة المنال  لدى اي شاعر شعبي عراقي  آخر،  مهما كانت مثابرته و تطلعاته و ثقافته ،  في تلك الفترة المليئة بالتعارض والصراع . كانت  هذه الرغبة في اختراق تاريخ الشعر العامي – الشعبي مهيمنة على مظفر النواب وهو يتخيّل نموذجاً جديداً،  يقوم مقامَ نموذجٍ قديمٍ، و كان يشعر بضرورة اختراع قصيدة شعرية – شعبية تشرّع لمأسسة التجديد الشعري .

خصلة النواب ، نادرة و معرفية و تعبيرية  بوقتٍ واحدٍ . فيها مشاق التجديد و فيها مراجعة  خلق  ذوق  شعري ، لهجوي، لحاضرٍ  جديدٍ،  يعزّز إمكانية الإحساس بالذات الشعرية الشعبية و انقاذ عزلة الشعر الشعبي عن العالم الخارجي .

في معمعة المعقول و اللامعقول المشهودة في نقرة السلمان كان واحدا مهما من لباب التساؤل من نصيب الجرأة في كثير من السجناء عمّا إذا كان موج قصيدة (الريل و حمد) معبراً عن حركةِ من حركات  حب الشاعر ، نفسه،  بينما كان شاعرها منشغلاً بأخبار الناس ، بكل مكان من العالم . قانونه اليومي الأول هو الشوق في متابعة اخبار النضال الإنساني من اجل التغير و التحول .

ذات يوم من ايام الشتاء القارس البرد في ( النقرة) جلسنا ، مظفر و انا تحت شمس ما بعد الظهيرة ، حيث الإحساس بالدفء ، خاصة في لحظات تناول كأس من الشاي السيلاني الحار، من مصنوع شيق لشيوعي شيق بحديث يومي طريف في السرد و المحاورة و توليد صور و معاني الاحداث الجارية  . تطرقنا باحاديث عن الام السجن و عن الثورات و التمردات في دول عديدة من العالم  كما تحدثنا عن اوضار نفوسنا نحن السجناء مقطوعة عن العالم . لم تخنقنا احاديث  واقع  احلامنا الوردية في العيش ببلدٍ ،  يدرك بعضه البعض الآخر . لم يكن في اخبار ذلك اليوم و احداثه ما يمكن ان يشغل السجناء بمتابعته ، كما هو الحال في اغلب الأيام ، حيث  كل جزء من السجن  يتأثر بالجزء الآخر و يؤثر به.   كان كل انسان فيه يشعر ان الدنيا جمالٌ يمكن ، بتضحيات  الشيوعيين  وأخلاقهم و إصرارهم الوصول اليه ،  كما وصل اليه ، يوم أمس ،  جزء من نجاح نضال  الشعب الهندي في ولاية ( كيرالا) بجنوب الهند ، حسب ما جاء بأخبار النشرة السجنية  الصحفية ، المقروءة في جميع القواويش ، صباح اليوم ، بوقتٍ واحدٍ لم يتجاوز الساعة الثامنة ، أي قبل تناول وجبة الريوك ، بدقائق.

كان مظفر النواب يعرف أنني منشغلٌ في الليلة السابقة ، بل في كل ليلة ، بانتزاع الأخبار و تقاريرها بحكم عملي محرراً في النشرة الصحفية السجنية ، اليومية. طلب مني تزويده بمعلوماتٍ أوسع عن الفوز  الكبير ، الذي حققه الحزب الشيوعي الهندي في  انتخابات ولاية ( كيرالا) للمرة الثانية في البلاد الهندية ، الشبيهة بالقارة .   حدثته بالتفاصيل من دون الإحساس بأي طائل لأنني كنتُ أنا المحرر ، الذي التقط هذا الخبر ، في الليلة البارحة ، و ربما جاوزت الحد في مديح الشيوعيين الهنود ، بصورة لا يقصد من ورائها تمجيد أساليب النضال السلمي بقصد بناء الاشتراكية في العالم الثالث.  لكن  هذا الخبر اثار ، في ذلك اليوم ، جدلاً واسعاً بين السجناء ، مما أوجد حالة كبيرة من اللغط  السياسي   و الخلاف الفكري . لكن ذلك الجدل توقف سريعاً ، حيث كانت الاستعدادات لمهرجانٍ ثقافيٍ كبيرٍ ، مساء اليوم ، احتفالاً بذكرى تأسيس الحزب الشيوعي . كان مظفر مكلفاً من قبل المنظمة الحزبية السجنية بواجبات كثيرة في هذا المهرجان . المهم اعتبر مظفر ما سمعه ، مني، عن تفاصيل الخبر  الهندي السار بأنه آمال و فضائل و استقامة و انتصارات يتمناها الى ولايتي (البصرة) او الى ولايته (الكاظمية)..!  كان جالساً معنا الرفيق نصيف الحجاج ، الذي اعلن عن شغفه بأن يكون مسقط راْسه ( كوت الحجاج) بالبصرة  عقلاً و قدراً ( كيرالياً) من خلال تحوّل مسقط راْسه الى قدوة بصراوية ، بينما توخى  مظفر النواب ان تكون الكاظمية او البصرة ، او كلاهما، مثل ( كيرالا) في عصمتها و مناعتها و قوة صوتها ، خاصة و ان تجربة بناء المجتمع الحر في سجن نقرة السلمان قد تم تنفيذها بأيدينا ، نحن السجناء ، الشيوعييين.  

لم يتحدث أي واحد منا عن فراق الحبيبة زوجة ام اختا او اما ليس من وجود للانانية في اخلاق السجناء الشيوعيين المرمية جثامينهم الحية بنقرة صحراوية معزولة عن العالم كل واحد منا نحن الباحثين عن دفء الشمس لم يتحدث  عما يكشف فيه عن حبه و غرامه كان يميل الى التسليم بحاسة الصمت  .

لا تحمل الجلسات مع مظفر النواب اي شكل من اشكال ترف الحديث و نعمته او تناول لمحات حياة المرحلة الشبابية لكل سجين من سجناء النقرة لذلك فان الجميع يشعرون ان احاديث الحب و الغرام ليست مناسبة في جلسات السجناء لانها أولا و أخيرا لا تؤدي لغير القلق و الاضطراب النفسي كل من يجالس مظفر فان المهمة الوحيدة هي اتقان أداء المحبة لشعر مظفر وعدم نسيان اخلاق القصيدة المظفرية . تلاحقنا بكل حديث عن الشعر الشعبي و بكل متعة الحديث عن قوة حواس (مظفر النواب) القريبة ليس فقط من أصحابه الشيوعيين ، بل انها قريبة من كل الناس ، من ارفعهم و أحطهم ، من الذين يدركون لذة الشعر الشعبي او من الذين لا دراية لهم بطيبات شعرائه . وجدنا أنفسنا اننا نتذوق هذه الطيبات المظفرية المرجحة في خصائص ما نشره من قصيدة شعبية ذات مزايا فيها خفة الأحلام .

لم تكن قصيدة (الريل و حمد ) قولاً في وصف امرأة جميلة او رجل وسيم . لم تحمل دواء لعاشق او عاشقة . لم تقدم اية صورة ناطقة بالحب الشخصي لشاعر القصيدة الريلية كما انها لا تتمكن من تصوير باطن النفس مهما كان الوجه ظاهرا بشعاع الحب  كانمظفر النواب طيلة وجوده في النقرة او في أي سجن اخر راضيا عن طفولته بجميع احاديثه الاتية جوابا لبعض أسئلة لسجناء كانت حالة الحب الشبابية مبهمة ربما تغطيها مسحة نوابية متعمدة او عن غير قصد  لم تكن لها علاقة بضياع مال او نصيب ، لم تكن عتاباً على شيمة دنيا الحب و لا تخلفاً او اختلافاً عن ظنون بين خليلين.  كانت قصيدة فيها الكثير من الوفاء الى الحبيب. فيها عهد محفوظ . في صبر على الفراق و الهوى .. فيها امثال يمكن تحويلها الى عبر . فيها أقوال منصفة ، جامعة، متشعبة. فيها قضية معروضة امام محكمة الاخلاق .. فيها تُبان المرأة وفيّة ، صادقة. و لأن اغلب السجناء في (النقرة) هم من لحمةِ نسبِ واحدٍ،  هو النسب الشيوعي. ساهم  التقارب بينهم وجود شعر  الشاعر مظفر النواب ، كان موحّداً لهم ،  ليس فقط من الناحية السياسية،  بل كان الميل العام و سليقة السجناء ، كلهم ، تدفعهم الى الظن بأن مظفر النواب هو (العاشق الأول)  بهذا المكان و ان ناظم قصيدة (الريل و حمد) هو ، بلا شك ، افصح لسانٍ عن المحبين و العشاق العراقيين،   بهذا المكان الهمجي و الزمان المنحط عن ابسط مدلولات المدنية . السؤال المبتسم المطروح امام شاعر الكفاح و التضحية : هل أن حَذّرّهُ جاء نتيجةَ مرارةِ التجربة الذاتية ،  الغرامية،  او ان مظفر النواب  يريد ان يُبقي قصة حبه ، نائمة ،  بأمانٍ،  في قلبه،  الى الابد،  من دون ان يؤذن لأحد ان أن يوقظها و يتناولها .

كانت انطلاقةً هائلةً من التجربة الشخصية ، في عقل الشاعر النواب ، مباشرة ، الى قلب المفهوم العام ،  عن اشكاليةٍ عموميةٍ،  تتميز بمعاناة الذات عند امرأة (قطار الليل) . إنها معاناة  ليس فيها حواجز امام النظام الشعري النوّابي . كان المكتسب الاول من قصيدة ( للريل و حمد) هو تعليم القضية الشخصية بالشعر العامي ، تعليم التاريخ العراقي للشعراء الشعبيين ، كي يتفهموا  قواعد التعبير الشعري بصورةٍ أحسن و أسرع . كانت القصيدة تكويناً نظامياً مرموقاً للعاشقين و الشعراء ، معاً، من ابناءً بلد واحد اسمه العراق ، ما زال منهجه الاجتماعي يسيح بوجهه عن (الحب الخالص) و تمجيد نفوذه بين الناس ، حتى جاء مظفر النواب لتسليح الشعر الشعبي بالديناميكية الشعرية ، الفردية و الجماعية ، بطريقة جذّابة أبدعتها طريقة نظم (الريل و حمد) بما يتوجب عليها من حيوية الشباب متمثلةً بشاعريةِ مظفر النواب و بلاغة كل بيتٍ من أبيات قصيدةٍ شعبيةٍ ،واحدةٍ ،  سمحتْ بحلولٍ اجماليةٍ لمسائل العشق الفردي.

تيقّن الكثير  من السجناء ، من أولئك المنحدرين من مجتمع البساطة ، من فلاحي الأرياف او من الجنود وضباط الصف ،  أن الوصف المناسب للشاعر مظفر النواب ، المنطبق عليه هو لقب  (العاشق الأول) . هكذا يجب ان يكون ..!   لأن لذة العشق تقتصر، بنظرهم ،  على الشعراء لأنهم قادرون على إدامة حبل الغزل ، بين العاشق و المعشوقة ، من خلال كلام الشعر نفسه ، خاصة من نوع  (الشعر الشعبي ) .  يعتقد الجميع ان قوة مظفر النواب في وسامته و في رقيّ بدنه .. هذا الشكل  يجلب له  أعلى أشكال السعادة .  يحسدونه  حالما يخرج مساءً، بعد وجبة العشاء،  يتمشى وحيداً،  في ساحة السجن، حيث يعتقل بنفسه تفكيره ومداركه لكتابة قصيدة او فكرة معينة .

يقول الشيوعيون الفرنسيون ان لكل  شاعر نشيط قصة حب ، معلنة او مخبوءة ، كما هو حال الشاعر ( أراكَون) الذي أغرم الكثير من اجمل الفتيات الفرنسيات به و بشعره . هكذا يقال عن تشابه الشعراء بكل زمان و مكان . اول فعل مؤثر من افعال الشاعر، اي شاعر ،  هو تأثير عباراته و إشاراته و افانين  مشاعره المختلفة ، المتنوعة ، يمكن ان تجدها المرأة في عالم القصيدة ، قبل اي شيء آخر.

هكذا صارت (عيون ألزا) حباً عظيماً في مهارة الحب بقصائد اشعار بابلو نيرودا .

تُرى .. هل كان للحب مقامٌ في قلبِ مظفر النواب ..؟

هل هناك  امرأة معينة من تلك الآلاف من الفتيات المحسنات ، المعجبات، بشعرِ مظفر النواب ، بدءاً بقصيدة ( الريل و حمد)،  التي كانت تحملُ دفاعاتٍ يونانيةً و رومانيةً و إنسانيةً،  بابليةً و آشوريةً و عربية عن عدّة الحب و جماله و زينته . منذ حروب طروادة حتى اليوم صار الحب ليس ملهاة و تسلية بل من عظائم الأمور الإنسانية الكبرى ..!

لم يمتلكْ مظفر النواب مَلَكَةَ النظم الشعري و قوة التعبير اللغوي والتحدث بكلماتٍ تجلبُ له الجلالَ و الاعجابَ و حسب ،  بل يملك عينين ، جذّابتين،  ساحرتين ، ساجيتين،   لم يملكها انسان غيره.  كل  امرأة  تنظر  اليهما فأنها تحس بصعود مدّ الاحمرار الى وجنتيها ، كما يَغيرُ زلزالٌ على  قلبها ..  بعضهن يدركن ، فوراً،  انهن بحاجة الى غيثٍ من غزلهِ و حبهِ. هكذا قالت كثرة من زميلاته في اثناء الدراسة الجامعية :  ان من تنظر الى عينيه فأنها  ترى وجها يعيش في عينيها وان صورته قد رسختْ ملامحها،  في قلبها،  وفي باطن نفسها.  

كما اخبرني احد أصحابه منذ أيام الطفولة حتى أيام نقرة السلمان ان مظفر النواب ظل محبا للمراة بطريقة مشرقة ، بوجهه المشرق و قلبه المخلص.. يحب المرأة لأنها ، بنظره ،  قرين الجمال.  اخبرني صديق النوّاب ،  السجين الكظماوي (هاشم صاحب) ان شعور مظفر النواب بالحب لم يتفجر الا حين تجاوب معه قلب احداهن و هي طبيبة اختصاص منذ عام 1962  حيث علت وجهيهما بشاشة الجمال و السعادة المشتركة . لكن الوضع السياسي العام ،  كان نقيض آمالهما ، ليجعلهما ضعيفين جدا ، محرومين ، ً في استمرار  الحب ونهايته  بالزواج ، بعد انقلاب 8 شباط 1963 ، حين فرض عليهما زماناً  اسودَ بهروب الشاعر الى ايران واعتقاله فيها و من ثم تسليمه الى السلطة العراقية الباغية و اصدار الحكم عليه بالإعدام.

كانت اخبار هروبه و اعتقاله و محاكمته قد أوقعت على (الحبيبة) ثقلاً تعسفياً، هائلاً،  لم تستطع تحمّله .  جعلها هذا الحجر الثقيل تفقد حُسن   الطباع ونصوع حبها لحبيبها مظفر. كما عصتْ عهدها بالحب الابدي . ابتذلت حكمة الاستقلال عن رأي عائلتها الضاغط عليها بمحسناتِ زواجِ احدهم ، تقدم إليها،  خطيباً و خطّاباً،  حين كان نصيب حبيبها عام 1964 ظلام نقرة السلمان .

اصبح مظفر النواب في (النقرة) شاعراً على طريقته الفاجعة ، عاشقاً مفجوعاً، من اساطير الاولين لكنه بلفظ شعري عربي أهّلهُ أن يكون واحداً من شعراء العرب ، قبل عشرة قرون ، كأنه ممتدٌ من ذلك العصر  إلى العصر الحالي .  

في كل الوقت ، الذي قضيته مع مظفر النواب سواء في نقرة السلمان او في سجن الحلة او في بيته و في بيوت الأصدقاء وفي بيته الدمشقي،  لم اجده يتحدث عن نفسه ، كائناً واحداً او شخصاً فريداً . ما سمعته يتحدث عن مفارقات حياته الشخصية ،  بما له صلة بالأمور النسائية أو عن مجامع علاقاته حول خصوصية  مضامين الحب و مراحل الغرام،  التي مرّ بها .

لم اسمع من الشاعر النواب أية مشاعر  عن قصة حب او غرام تعيش في أعماقه او انها أوجدت شيئاً من الضعف  او الانسحاق في تصرفاته ، سواء كانت القصة فاشلة او ناجحة . لم يتعود ان يلبس قناعاً لخدع أصحابه . ظل بكل الأحوال على حقيقته ، بأبهى حالات الصدق و الواقعية .

حدثني هاشم صاحب ، في النقرة و من ثم في الكاظمية حين افتتح مكتباً لممارسة المحاماة كنت ازوره فيه لقضاء وقت مشترك بداية كتابة مشروع ادبي مشترك  ، لم يكتب له النور .

حدثني عن قصة حب مظفر ..  قال انها ليست معروفة لأي شخص آخر غيره . اخبرني بأن أتميّز بفضيلة الحفاظ على سريتها .

عاهدته  ان يبقى سره محفوظا بصدري لا يعتريه كشف و لا نقص و لا إضافة  فأخبرني، بما يلي  :

صحيح ان مظفر النواب يعيش وتيرة حياة يومية أدبية – سياسية ،  ربما لا يريد تعديلها او تبديلها ، إلّا  بتغير الظروف السياسية بالبلد . كان يأنس باحاديثه مع رفاقه و زملائه و أصدقائه.  كان يريد ، دائماً،  ان يكون بمقدمة المناضلين من اجل الحرية .

هذا هو الحب بمنطق مظفر النواب .. منطق وحيد  لا يقبل الجدال.  لكن الشاعر  هاشم صاحب كاشفني بما يشغل عقل و قلب الشاعر مظفر النواب من عهود الحب و الزواج مع طبيبة اختصاص،  من عائلةٍ بغداديةٍ ، عرفني باسمها و بمكان عيادتها ، الكائن في بداية شارع السعدون .. كان قد اثقل عليها جداً خبر  اعتقال حبيبها ( مظفر النواب ) و الحكم عليه بالإعدام ما اجبرها ان تضطرب افكارها عن مستقبل حبها النوابي وأن تزيغ عقيدتها عن الاصطبار على حبيبٍ سجينٍ بأتعس سجنٍ في العالم ، كله.   تبلبلتْ خواطرها عام 1964 حين وجدت ان الانفع لعشقها ان ينتهي بالموافقة على تنفيذ طلب زواج تقدّم به احدهم لم يكن معرضاً لأي سجن  ولا تتخلل حياته مبارزة مع الدولة و الحكومة ، كما هو حال الحبيب الأول ،  مظفر النواب ،  المقبل على مواجهة الإعدام او السجن الطويل الأمد .  

كانت ذخائر المعلوماتية في احاديث الشاعر هاشم صاحب عن الشاعر مظفر النواب قد اجتذبتني لحفظها على طريقة قسم الأطباء باثار ابيقور الجليلة في ابتكارات عهود الشرف في الشعر عند الشعراء .

كان من دأب مظفر النواب ان ينحني عند محادثته النساء و الرجال ، سواء هو  في حالة جلوسٍ او في حالةِ وقوفٍ  . بكل الحالات هو  يحترم جميع  حافات القول الصادق و يدين الكذب و الباطل  . هو مثل الكاتب الجيكي فرانس كافكا،  لا يحب تزويق او تحسين مفردات كلامه . يشتق الكلمات من اعماق صدره ليصبح كلامه بليغاً ، محفوراً في أعماق الأعماق.

اصبح  اللاشعور عند مظفر  النواب ، شعوراً ، حاداً ،  مثل كافكا ، معبراً عن قلق الانسان في عصر القوة و العقل و التطور .

  كتب بتأريخ :  الخميس 18-06-2020     عدد القراء :  352       عدد التعليقات : 0