ملاحظات على تقرير إجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي (4 ــ7 حزيران 2020)

أصدرت اللجنة المركزية قبل أيام تقريرا عن إجتماعها المنعقد للفترة من ( 4 الى 7) حزيران ، ويتضمن التقرير بشكل تفصيلي ومطول أراء نهائية للجنة المركزية في قضايا كثيرة عراقية وخارجية ، إلا إني سأتوقف عند بعض النقاط في مناقشتي هذه،وهي تلك التي أعتقدها خصبة أكثر من غيرها للمناقشة وتبادل الاراء .

* طول مدة الاجتماع: حيث إستغرق أربعة ايام في حين إن التقرير نفسه يشير الى  (تأكيد التحليلات والاستنتاجات التي كانت اللجنة المركزية قد توصلت اليها في اجتماعاتها السابقة، بشأن ما يعانيه بلدنا من أزمة شاملة بنيوية تطال جوانب عديدة،) فإن كانت التحليلات والاستنتاجات نفسها ما سبب طول وقت الاجتماع؟ حيث إن الوقت يطول إذا ماكانت هناك مسائل ونقاط خلافية حادة يجري بحثها بإستضافة للوصول الى قناعات مشتركة أو وسطية .علما إنه الاجتماع الاول الذي يستغرق هذا الوقت منذ2003

* يتوسع التقرير في توصيفات القوى السياسية المتنفذة والاصرار على نهج المحاصصة المقيت وغير ذلك من النعوت التي باتت معروفة للقاصي والداني ثم ينتقل الى إستنتاج (وقد ادى هذا كله وغيره الى الاستعصاء السياسي والاحتقان الاجتماعي، وتعمق حالة الفرز الاجتماعي والطبقي في المجتمع، واتساع الهوة بين الغنى المفرط والفقر المدقع ... الخ ) وبهذا فإن التقرير كمن يضع الموشور مقلوبا على رأسه وليس قاعدته! فالاجدر كان أن يبدأ التقرير بتحليل الوضع الطبقي للمتنفذين في الحكم ومآلاتهم  وماهي الشرائح الطبقية التي تصنفهم( مثل برجوازية بيروقراطية أو كومبارودورية أو عقارية  أو بقايا إقطاع ... الخ) كي تكون التوصيفات أكثر دقة والاستنتاجات أكثر واقعية بناءا على مصالح تلك الشرائح وطموحاتها.

* وردت عبارة كأنها تتحدث عن ظاهرة بسيطة او طارئة ممكن تجاوزها بنصيجة أو بتنبيه وهي ( أدى استمراء العديد من القوى السياسية الاستعانة بالعامل الخارجي، إلى فسح المجال لتدخلات إقليمية ودولية في الشأن العراقي الداخلي) أو في الاقل جاء توصيفا محايدا لهذه الظاهرة الخطيرة في الوضع العراقي ، ففي مثل هذه الحالة أي الولاء للخارج فهناك إما توصيف طبقي وهو كومبرودارية الشريحة التي تستمرئ العلاقة مع الخارج أو هي عمالة وخيانة للجهة التي تقوم بذلك وربما يجتمع التوصيفين ( كومبرادورية وعمالة ) وهنا لابد من وقفة فاضحة وإدانة علنية فالتدخلات تلك أدت ومازالت الى التدهور المريع في كثير من جوانب الحياة العراقية سواءا على الصعيد الاقتصادي او الاجتماعي ـ الخدمي والامني  بل وحتى سياسيا ، لذلك كان الاجدر إيلاء إهتمام أكبر لهذا الجانب في التقرير ووضع الصورة بإطارها الصحيح مع الاشارة المباشرة في الاقل للدول التي تدخلت بالشأن العراقي عن هذا الطريق.

* الموقف من الحكومة المؤقتة : في إستعراض غير مهم للصعوبات والمهمات التي تواجه الحكومة المؤقتة يخلص التقرير الى أن الحزب سيدعم كل الايجابيات التي تقدم عليها وينتقد كل ماهو سلبي ! وهذا الموقف ليس بجديد ولا هو إمتياز تنفرد به الحكومة المؤقتة، فهو الموقف الازلي منذ عام 2003 ومع كل الحكومات التي مرت، وللاسف فإن هذا الموقف هو من أخطر الدرنات التي أصابت سياسة الحزب في هذه الفترة، فالجماهير التي تقف مع الحزب اليوم في موقف مناهض للسلطة سوف تصاب بالصدمة في يوم آخر نتيجة لموقف تأييد من الحزب للسلطة نفسها وبالتالي فإن تلك الجماهير ستفقد ثقتها بالحزب ولن تساير مواقفه اللاحقة حتى وإن كانت منسجمة مع رغبات وتطلعات تلك الجماهير. إن الاجدر والادق والذي يفترض أن يتخذه الحزب من الحكومات المتعاقبة هو موقف المعارضة المستند الى تحليل طبقي لطبيعة السلطة ومن هي الطبقات التي تشكل رافعا إجتماعيا لها ومن المستفيد الاكبر في الاخر من تلك السياسات المتبعة حتى وإن إستفادت شرائح المجتمع المسحوقة من بعض تلك القرارات او السياسات المتبعة، فحين قال ماركس (إن التاريخ يبدأ مع عصر الاشتراكية) كان يعني أيضا رفضه لكل مخرجات الانظمة الرأسمالية وهو على يقين بما تقدمه شرائح البرجوازية المتعددة من منجزات علمية تخدم في الاخر عموم البشرية لكنه كان متأكدا أيضا إن كل تلك المنجزات تقدم الخدمة الاكبر للطبقات المالكة ولسلطتها السياسية وبالتالي فإنه أشار الى ضرورة أن تناهض أحزاب الطبقة العاملة وعموم الشغيلة كل ما يصدر عن تلك الانظمة، وفي تأريخنا العراقي ما يغنينا ثراءا ففي زمن الحكم الملكي قدم النظام منجزات عمرانية وحضارية متعددة لكن مع ذلك كان الحزب الشيوعي معارضا دائما له وعمل بجد لاسقاطه ونجح، ذلك إنه كان يعلم إن كل منجزات ذاك النظام قُدمت بالاساس لخدمة روافعه الاجتماعية ولديمومته في حكم البلد، واليوم فإن قيادة الحزب أحوج ماتكون للاستفادة من هذا الارث النضالي ومراجعة مواقفها من السلطات بالاستناد الى التحليل الطبقي الماركسي .

* الحركات الاحتجاجية: يستعرض التقرير بشكل تفصيلي طبيعة الحركات الاحتجاجية والعوامل التي أدت الى إندلاعها وما ترتب فيها من تغيرات وغير ذلك مما أوفى الموضوع حقه لكن ترد عبارة في التقرير عن هذه الحركات تقول :( إن حزبنا يؤكد مجدداً انحيازه التام الى الانتفاضة السلمية ومطالبها العادلة، داعما لها ومشاركا فيها ومدافعا عنها بوجه كل من يحاول الإساءة اليها،)

ورغم إن هذه العبارة تبدو للوهلة الاولى طبيعية ومنطقية إلا إنها تخفي في طياتها إعترافا من قيادة الحزب بالتخلي عن الدور الريادي الذي أضطلع به لمثل هكذا حراكات إجتماعية ووقوفه خلفها وليس قائدا لها !! وهذه حقيقة تستدعي من قيادة الحزب وهيئاته الاختصاصية أن تبدأ عملية مراجعة فكرية أولا ومتابعة يومية لكل مايجري من مستجدات سياسية وإنسلاخات طبقية صعودا أو هبوطا وما يترتب عن كل ذاك من إرهاصات مجتمعية تستدعي الشيوعيين ليكونوا المشخصين الاوائل لحاجات الجماهير وكيفية صياغة شعاراتها وطرق المطالبة لتحقيقها ، فهذا ما درج عليه الحزب منذ تأسيسه فلابد من العودة لتلك الحقب ودراستها بإستفاضة مع ظروفها التي رافقتها وكيفية الاستفادة منها في الوضع الحالي .

* تحالف سائرون : لعل الاعلان عن إنتهاء العلاقة بتحالف سائرون إحدى أهم ما تضمنه هذا التقرير وهو بنفس الوقت موقف جرئ وواضح تعلنه قيادة الحزب من شأنه أن يقطع دابر الاقاويل التي لا تغني عن جوع ، ومن الايجابيات أيضا إن قيادة الحزب باتت تؤمن بما طرحه معارضو التحالف في حينها فقد ورد في التقرير: (بينت التجربة ان هناك قضايا معينة يمكن التنسيق والتعاون بشأنها، من دون دفع ذلك الى اطر تحالفية، لانها تحتاج الى مقاربات أخرى لها علاقة بمنهج الأداء السياسي وطبيعة الأطراف ونمط ادارتها، ولا يكفي في هذا الشأن تشابه المنحدر الاجتماعي لطبيعة جمهور القوى المتحالفة.) . لكن من الضروري التوقف مليا في هذه التجربة ، فالتحالف لم يكن حدثا عابرا في حياة الحزب الداخلية ولا على صعيد سياسته المعلنة ، فقد أحدث التحالف بما يشبه الهزة الارضية في عموم وضع الحزب مما يستدعي مراجعة شاملة لكل الظروف التي أدت الى الانزلاق لهذا التحالف بدءا بالمرتكزات الفكرية التي يقرها برنامج الحزب بعد ان صارت الماركسية واحدا من المصادر وليس لوحدها منهجا وصولا الى إضافة الفكر الاسلامي كأحد المصادر الفكرية للحزب كما أقره المؤتمر الثامن ، وأيضا مراجعة تطبيق المبادئ الديمقراطية في حياة الحزب الداخلية بدءا مما جرى في قيادة الحزب نفسها حيث ظهر تأثير أكبر وربما تفرد بالقرار لبعض من اعضاء القيادة على حساب رفاق آخرين لا يقلون عن غيرهم في التاريخ والتجربة والمكانة، إن لم يكن خزينهم أغنى، فلماذا وكيف حدث ذلك؟ وأيضا ضرورة أن تراجع قيادة الحزب وضع الرفاق المعترضين على سائرون بما عانوه نتيجة ذلك من تهميش وإقصاء وعقوبات غير مبررة بالمرة ، فالعودة الى جادة الصواب أيضا مكلفة كالخطأ الذي دفع للخروج عنها ولابد من مواجهة كل ذاك بروح شيوعية أصيلة تعتمد النقد والنقد الذاتي طريقا لتصحيح ما وقع .

  كتب بتأريخ :  الجمعة 26-06-2020     عدد القراء :  272       عدد التعليقات : 0