رفحاء، الصورة الثانية

كتابان، وثيقتان عن محتجزي رفحاء في مكتبتي( تحت سماء الارطاوية، كتبه فارس عدنان و جمهورية رفحاء، كتبه طارق حربي) ولأنني لم اعثر على الكتاب الاول- ليعذرني فارس- بين دُرج مكتبتي، لذا سيكون الكتاب الثاني مادة مهمة، لمعرفة أكثر عن أولئك العراقيين،

الذين كثر اللغط عن معاناتهم ورواتبهم وامتيازاتهم، وهنا أثني على جهد الكاتبين، وهما من المحتجزين هناك، فقد قدما لنا صورة بالغة الاهمية لما لا نعرفه عن حياة الآلاف، الذين وقعوا بين كماشتي وجودهم كمنفيين في الصحراء ومخاوفهم من إعادتهم الى العراق، حيث النظام مازال قائما ويتوعدهم بالويل والثبور.

الحياة هناك لم تكن نزهة، أبداً، فالمحتجز رهين أمزجة العسكر البدوي السعودي، ذي الطبع الصحراوي الجلف كما يصفه الكاتب، والميّال -في تعامله معه بشكل ضمني- الى نظام صدام حسين، إذا ما علمنا بان 99 % من المحتجزين كانوا من شيعة الجنوب، الذي ثاروا ضده هناك، ثم هربوا بمساعدة قوات التحالف الى السعودية، إلا أنَّ حالهم بعد الاشهر الاولى تغير نحو الافضل، فقد تنعموا بفسحة الامن والحماية من بطش النظام، وباتت لهم خيامهم ومساجدهم وحسينياتهم ومضايف قبائلهم، وصار بمستطاعهم تناول الطعام والشراب والسجائر والتفاصيل الحياتية الاخرى، وللسخرية من أكل الدجاج شبه اليومي يقول الكاتب على لسان احدهم ساخراً: (كنا مدججين بالسلاح فأصبحنا مسلحين بالدجاج) ويقول: صرنا نبادل بعض رجال العمالة الاسيوية المواد الغذائية بسجائر الماربورو، إلا أن الطبيعة العراقية الصعبة والمأزومة في فهم السياسة والدين لم تدع حياتهم هناك على حالها.

ونفهم بأن المحتجزين لم يكونوا من فئة واحدة، أو الذين خرجوا على النظام، فهناك من وجد الطريق سالكة فهرب، طمعا في حياة جديدة، ويكشف الكاتب عن تشكيلة غير متجانسة من العراقيين، فنجد الشيعي المجاهد والشريف مثلما نجد نائب الضابط المتملق لشيخ العشيرة الباحث عن نسب له في السعودية ورجل الدين الذاهب بانتمائه الى ايران، بل ولا نعدم وجود الشقاوات والجواسيس، الذين تعاونوا مع الحرس والاستخبارات السعوديين، وهناك من ابتذل جسده تحت الرجال وغير ذلك،إلا أنَّ ما قام به المتشددون دينيا كان العلامة الفارقة في الكتاب فقد كان لهم الدور السيئ في رسم الصورة النهائية أمام الحرس السعودي وبين صفوف المحتجزين ايضاً، والذين عانوا من سلوكهم الامرين، حيث قسموا المحتجزين الى فئتين:" هذا يصلي وهذا كافر".

ويقول طارق حربي بانه وجماعة الوطنيين المحتجزين في رفحاء عانوا الامرين من المتشددين، حتى ان ارتداءهم لملابسهم مثل التيشيرت والتراكسوت بدا نشازاً ازاء ثيابهم (البيضاء والغترة) وأنهم دبروا له محاولة اغتيال فاشلة، وانهم كانوا ضالعين بصناعة المليشيات والحمايات الشخصية والبيع والشراء والتجسس سواء لصالح مقر القيادة او لمكتب الاستخبارات، ولاحزاب المعارضة او لجهات اقليمية وعربية ودولية وفي السحر والشعوذة وغيرها كثير، وما اخذ مدعي وكلاء المرجعيات الزكواة والاخماس والتبرعات من المحتجزين إلا صورة اخرى من صور النفاق والرياء.

في الختام، يمنحنا الكتاب صورة ليست بالمستوى الانساني عند الكثير من الجماعات التي تسيدت المشهد هناك، بل ولم يكونوا المثال والانموذج الحسن ولا بالصورة التي يستحقون عليها الثناء ووالرواتب العالية والامتيازات، ازاء الحضور الوطني والمشرف لآخرين استحقوا الثناء بما قدموه من صورة مشرقة للانسان العراقي الغيور على وطنه.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 26-06-2020     عدد القراء :  480       عدد التعليقات : 0