مرور قرن على تأسيس الحزب الشيوعي الإيراني 2-2

ما أن ألقت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى أعلن الغرب على لسان ونستون تشرتشل الحرب الباردة التي تركت أجوائها السلبية على كل بلدان العالم، وبالطبع تضاعف هذا التأثير السلبي على إيران بسبب موقعها الجغرافي إلى جوار الإتحاد السوفيتي. وأزيح ممثلو حزب توده من تركيبة مجلس الوزراء، وبدأت الدول الغربية الضغط كي تزيح حزب توده من الميدان السياسي.

وتطابق هذا النهج مع مصالح الطغمة الحاكمة ووسط يميني قومي- ديني أغرته أهداف الحرب الباردة ليضع كل ثقله إلى جانب المخطط الأميركي – البريطاني. وكالعادة الجارية تم افتعال محاولة اغتيال الشاه في جامعة طهران لتوجيه الإتهام للحزب بتدبير هذه المحاولة، وتم الحظر على نشاط الحزب في الدقائق الأولى من الإعلان عن محاولة الاغتيال بعد أن عُثر على هوية عضوية في حزب توده في جيب المتهم،

مما ينم عن تدبير وتآمر معد سلفاً ضد الحزب. وبدأ مسلسل الملاحقات وألقي القبض على عدد من قادة الحزب ومن بينهم نور الدين كيانوري( أصبح في عقد السبعينيات سكرتير اللجنة المركزيةلحزب توده إيران ثم اعتقل عام 1983)، وحكم عليه بأحكام ثقيلة، إضافة إلى إعتقال الضابط الأسطوري التودوب خسرو روزبه( أعدم في عام 1956)، وتم تهريبهم من سجن قصر بعد فترة قصيرة من قبل تنظيم الضباط لحزب توده ايران، وغادروا إيران سراً.

وما أن تولى الدكتور محمد مصدق مسؤولية الحكم بعد قيام مظاهرات جماهيرية عارمة ضغطت على المجلس وفرضت عليه القبول باستيزار الدكتور محمد مصدق رغم معارضة الشاه وبطانته. ولعب حزب توده، رغم الحظر عليه، دوراً مؤثراً في دعم مصدق واستيزاره وتحقيق شعاره في تأميم النفط الإيرانية، وهو إجراء حدث لأول مرة في بلدان العالم الثالث ضد مصالح الشركات النفطية الاحتكارية، مما أثار جنون حكام الغرب والشركات الاحتكارية النفطية وشرعوا بتدبير المؤآمرات للإطاحة برئيس الوزراء الإيراني الشرعي. وحسب "الأصول" وعلى غرار ما جرى في بلادنا في 8 شباط 1963، اتحدت وكالات المخابرات الأجنبية في الولايات المتحدة وبريطانيا وشركات النفط الأجنبية وبدعم إقليمي من قبل حلفائهما صوب إضعاف الجبهة الداخلية لمصدق عبر إثارة الخلافات في الجبهة المساندة له وإثارة بعبع الخطر الشيوعي بوجهه من أجل إثارة الخوف وتهميش حزب توده ايران وتجنيد أطراف في المؤسسة الدينية المحافظة ضد مصدق وإجراءاته الإصلاحية، هذه المؤسسة التي رفعت شعار:" سقوط الشاه يعني سقوط كل العمائم في إيران" على حد قول الشيخ ابو القاسم الكاشاني الذي دعم في البداية قرار تأميم النفط إلاّ أنه تراجع واستلم مبالغ نقدية من المخابرات المركزية الأميركية حسب ما كشفته الوثائق التي أميط اللثام عنها في الولايات المتخدة في الآونة الأخيرة. ونجح الإنقلاب، والغي التأميم ليتولى كونسرسيوم نفطي غالبية أسهمه تعود للشركات الأميركية ، ولم تحصل الشركات البريطانية النفطية إلاّ على الفتات وفقدت حصة الأسد التي كانت تمتلكها قبل التأميم. وبدأت، على غرار ما حدث في العراق بعد انقلاب شباط 1963، بتنظيم حمامات الدم ضد حزب توده إيران وملاحقة أعضائه وفتحت السجون على مصراعيها أمام خيرة شبيبة ايران، ومهدت ميادين الإعدام لخيرة ضباط الجيش الإيراني وجنوده من أعضاء حزب توده ايران والمئات من المناضلين الشيوعيين والديمقراطيين في إرهاب لم تشهده إيران منذ الإطاحة بالسلسلة القاجارية، الهدف الأساس هو تصفية حزب توده كلياً لتمهيد السبيل للهيمنة على البلاد لصالح قوى دولية تعيش على إذكاء أجواء الحرب الباردة لتأمين سطوتها على مقدرات الشعوب.

والعملية هذه استمرت حتى بعد سقوط الشاه عام 1979، حيث أصبح حزب توده هدفاً من جديد لمخططات خارجية وداخلية كي يتم تنفيذ مخططات لا تصب في مصلحة الشعب الإيراني، ولكن الآن بغلاف ديني يلامس مشاعر المؤمنين البسطاء، ومن جديد أصبحت الماكنة جاهزة للتنكيل والتصفيات بعد الهجوم على الحزب بدعاوى كاذبة لمجرد، من قبيل التجسس والسعي لانقلاب عسكري ضد الحكم بدعم سوفيتي، بعد أن رفع حزب توده شعار إنهاء الحرب العراقية الإيرانية مقابل شعار السلطة الذي ينص على أن :"الطريق إلى القدس عبر كربلاء" الذي يعني إصرار الحكم على الإستمرار بتلك الحرب القذرة العبثية التي استمرت ثماني سنوات والحقت ما ألحقت بالشعبين الضحايا والخراب.

وبمناسبة مرور قرن على تأسيس الحزب الشيوعي الإيراني، ليسمح القارئ الكريم إطلاعه على نموذج استثنائي من نماذج الرعيل المؤسس للحزب وهو الشهيد آوتيس ميكائيليان (سلطان زاده). ولد سلطان زاده في سنة 1889 في مدينة مراغة الإيرانية، من عائلة أرمنية هاجرت إلى إيران ، الأب هو حسين سلطان والأم مريم باجي ، أنهى الفتى المدرسة الإبتدائية ثم انتقل إلى العاصمة الأرمنية يريفان، وسجل في مدرسة أرمنيان التي تعود إلى الكنيسة الأرمنية ، وفي عمر الثامنة عشر التحق بالحركة الاشتراكية الديمقراطية الروسية في القفقاس، وفي عام 1913 أصبح عضواً في الجناح البلشفي للحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وساهم في نشاط النقابات العمالية قبل ثورة اكتوبر، وفي أثناء الثورة شارك في النشاط الثوري في مدينة بطرسبورغ.

بعتبر سلطان زاده أحد مؤسسي حزب العدالة في إيران. وأصبح عضواً في هذا الحزب في آسيا الوسطى، وشجع العمال الإيرانيين على الإنضمام إلى الجيش الأحمر. وفي نيسان عام 1920، شارك في كنفرنس حزب العدالة في طاشقند حيث أعلن إنضمام سبعة آلاف إيراني إلى هذا الحزب. ومهد هذا الكونفرنس الطريق لعقد المؤتمر التأسيسي الأول للحزب الشيوعي الإيراني، الذي إنعقد في ميناء أنزلي. وجرى انتخابه كسكرتير أول للجنة المركزية للحزب، وشارك في المؤتمر الثاني للكومنترن وأنتخب عضو في اللجنة التنفيذية للأممية الشيوعية. وفي عام 1921، أصبح مستشارا للينين زعيم ثورة اكتوبر وترأس دائرة الشرق الأدنى في كميسارية الشؤون الخارجية في موسكو. وفي 25 من كانون الثاني عام 1922، قررت اللجنة التنفيذية للكومنترن تعيينه كممثل للحزب الشيوعي الإيراني في الكومنترن. في ذلك الوقت كانت سياسة الاتحاد السوفيتي تجاه إيران قائمة على دعم رضا خان في المرحلة الأولى من سلطنته. واتخذ سلطان زاده موقفاً مماثلاً لموقف الحزب الشيوعي الإيراني في انتقاده لسياسة الاتحاد السوفياتي تجاه موقفه من رضا شاه. ونتيجة لموقفه هذا ابتعد عن الحزب الشيوعي الإيراني وتخلى عن منصبه في الكومنترن. ومنذ عام 1927، عمل كمستشار اقتصادي في الاتحاد السوفييتي، ولعب دوراً مؤثراً في تأسيس معهد المصارف السوفييتي. وتولى منصب رئيس تحرير مجلة المصارف السوفييتية. وخلال هذه الفترة ألف سبعة كتب، اهمها "ايران المعاصرة" و "الأمبريالية الإنجليزية في إيران"و "النفط والفحم الحجري والعمال"، إضافة إلى عدد من الكتب الماركسية ومن ضمنها " الأجور والأسعار والأرباح" و "العمل والرأسمال" و "البيان الشيوعي" وتم ترجمته إلى اللغة الفارسية تحت إشرافه.

في عام 1927، عاد إلى الحزب الشيوعي الإيراني وأصبح في قيادة الحزب بعد أن غيّر الكومنترن سياسته تجاه رضا شاه ونعته بالاستبداد واتهمه بقمع القوى التقدمية. واتخذ سلطان زاده موقفاً معارضاً لموقف السكرتير العام للحزب حيدر عمو أوغلي الذي طالب بالعمل المشترك مع ميرزا كوجك خان ، وعارض العمل المشترك مع ميرزا كوجك خان وطالب بإجراء إصلاحات فورية باعتبارها المقدمة للثورة الاجتماعية في إيران. واعتبر أن رضا شاه ومنذ تسلمه مقادير الأمور بدا فردياً ورجعياً ومستبداً، وعبر سلطان زاده عن معارضته لما تنشره بعض الصحف السوفيتية التي تكيل المديح لرضا شاه معتبرة أياه شخصية وطنية معادية للأمبريالية.

شارك سلطان زاده في المؤتمر الثاني (1920) والثالث (1921) والسادس (1928) للكومنترن بإعتباره ممثل الحزب الشيوعي الإيراني. والتقى سلطان زاده مرتين مع لينين وبحث معه القضايا المتعلقة بالحركة الثورية في الشرق والمسائل المتعلقة بطروحات الكومنترن حول القضية القومية والمستعمرات، ومنذ عام 1935، شرع سلطان زاده بانتقاد البيروقراطية التي استشرت في الاتحاد السوفيتي. وفي السادس عشر من كانون الثاني عام 1938 ومع الشروع بحملة التصفيات السياسية في الاتحاد السوفيتي، وُجه الإتهام له كجاسوس لألمانيا النازية وأعدم رمياً بالرصاص. وبعد رحيل ستالين، أعاد الحزب الشيوعي السوفيتي الإعتبارله ودفن في مقبرة تليق بهذه الشخصية الفريدة.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 26-06-2020     عدد القراء :  480       عدد التعليقات : 0