حكومة الكاظمي بين استنساخ الماضي وترميم المستقبل..!

وَهْمُ الاحتواء أم واقعية التصدي؟!

اليوم وبعد مرور شهرين ونصف على نيل الحكومة الحالية الثقة في مجلس النواب في 6 أيار2020، فلعل السؤال المفصلي الجدير بالمقاربة لأهميته وجدليته هو:

«هل حكومة "مصطفى الكاظمي" تمثل مرحلة انتقالية موضوعية –بفعل حراك تشرين الثوري ودماء ضحاياه- لإصلاح النظام السياسي عبر إنصاف جزئي لأهداف الثورة؟ أم هي خيار "عقلاني" وظفه النظام ووافق عليه لإنقاذ نفسه تجنباً لاحتمال الإسقاط؟ أم هي شيء من هذا وشيء من ذاك، ضمن إطار تفاعلي بالغ التعقيد لمتغيرات متنافرة تحاول تهجين بعضها؟»

وبمعنى أكثر تحديداً هل يمكن عدّ هذه الحكومة جزءاً مُستولداً من النظام السياسي لا يغادره ولا يستطيع الانفصال عنه مشيمياً؟ أم هي عضو "شاذ" بات يريد النمو والتطور خارج النظام؟

فإذا كانت هذه الحكومة إصلاحيةً في جوهرها، فأين قاعدتها الاجتماعية؟ وما نظريتها عن بناء الدولة وأيديولوجيا الحكم؟ وأين ممثلوها من الفاعلين السياسيين؟ ومَن مثقفوها العضويون؟ وأين المخيال الاحتجاجي الشعبي الذي يرى فيها أملاً من نوع ما، هذا المخيال المتعطش لأي حاكمٍ يُشعره –ولو جزئياً ووقتياً- بالعزة الوطنية المفقودة؟

وإذا كانت الحكومة هي خيار النظام السياسي لإنقاذ نفسه، فلماذا لا يردع النظامُ الفصائلَ اللادولتية الراضعة منه، لتكفّ –ولو لمدة محدودة- عن انتهاك هيبة الدولة وثلم سمعة الحكومة وإضعاف سلطتها بشتى الوسائل العسكرية والسياسية والأيديولوجية والإعلامية، وكأنها حكومة محكوم عليها بالفشل بل بالتركيع مسبقاً؟

يصعب جداً – إنْ لم يكن مستحيلاً- تقديم تقييمات آنية مستقرة لمقاربة كل هذه الأسئلة، إذ أن الثورات غير المكتملة – كثورة تشرين 2019- تفتح مديات وآفاقاً غير محدودة بالمسارات الشائكة المتعددة التي يمكن أن تنطوي عليها الأحداث المتولدة عنها، فضلاً عن غموض دينامياتها وتمظهراتها الحالية، ومآلاتها القادمة. كما إن عمر الحكومة القصير يستوجب انتظاراً زمنياً أطول للتحقق من توجهاتها وخياراتها النهائية.

إلا أن ذلك لا يمنع من تقديم معاينة متريثة للأحداث، في محاولة توصيفية أكثر منها تفسيرية، تتسم باستفسارات شكوكية أكثر من سعيها إلى استشراف يقينيات ثابتة، في لحظة سوسيوسياسية متحركة ومائعة وربما منزلقة تحت تأثير الهزات الكامنة القادمة.

ثنائية شكسبيرية

ستكون فرضيتنا الأساسية أن الحكومة الحالية قد ولدت من رحم النظام الإثنو- طائفي في مواجهته للاحتجاجات التشرينية الجذرية غير المسبوقة في التاريخ المعاصر لدولة العراق، تعبيراً عن رغبته باتخاذ إجراءات "إنقاذية" قد يكون عاجزاً بنيوياً ووظيفياً عن تلبيتها في النهاية، ودون أن يعني ذلك عدم امتلاك الكاظمي وطاقمه رغبة إصلاحية – ما دون ثورية- منفصلة عن رغبة النظام بنقل البلاد بعيداً عن الأسلمة والفساد والتطرف والتبعية. فقد وجد الكاظمي وحكومته أنفسهم في مركب انتقالي بين شاطئين، لم يختاروا إلا الصعود إليه بإرادتهم، أما متانة المركب واتجاهات الريح وحركة الأمواج وأغلب البحارة فليسوا من خياراتهم. ولذا، فهي رحلة في "المجهول" وسط متغيرات عاصفة معلومة.

فليس جديداً أن تعيد الأنظمة السياسية المتهالكة إعادة إنتاج نفسها بكيفيات متعددة حينما لا تستطيع الاحتجاجات/ الثورات استكمال أهدافها التقويضية للنظام. وهذا ما حدث مع ثورات الربيع العربي الأولى (مصر وتونس) والثانية (السودان والجزائر)، مع تمايزات نوعية وكمية تخص كل بلد. والأمر ذاته حدث مع تجارب الانتقال من الدكتاتورية إلى الديمقراطية في أغلب بلدان أمريكا اللاتينية. ويبدو أن "احتضار القديم واستعصاء الجديد" (استلهاماً من غرامشي) ما يزال فاعلاً وسائداً في المخاض العراقي.

فالحكومة الحالية تعيش –سيكولوجياً- هاجسين معاً: إنها ترى القديم محتضراً أمامها بوضوح، دون أن تجرؤ –لحد الآن- على المبادرة باستيلاد الجديد أو تستجلي السبيل لذلك، رغم نواياها الإصلاحية. وهي في ذلك تبدو للمراقب كما لو أنها تمارس التخاذل والتواطؤ (أو التريث في أحسن الأحوال) حيال الشبكات الزبائنية القابضة على عنق الدولة من جهة، فيما تضع (أي الحكومة) في الوقت نفسه سقوفاً خطابية عالية تغازل فيها دوافع التغيير لدى الجمهور الغاضب من جهة أخرى، دون أن تمتلك ستراتيجية متسقة ومدروسة لتحقيق ذلك سوى قرارات آنية مجتزأة تفتقر لشمولية الرؤية والتخطيط، لا تخلو من نوايا حسنة. وهذه القرارات غير المنسقة سرعان ما يتم إحباطها بفعل عوامل موروثة من الماضي كالأزمة المالية- الاقتصادية الطاحنة والفساد الإداري المستوطن وتداعيات الوباء الكوروني، أو يتم الإجهاز عليها من تلك الشبكات الزبائنية، فضلاً عن جماعات ما دون الدولة المرتبطة ايديولوجياً بصراعات إقليمية بالنيابة. (والأمثلة كثيرة على قرارات "إصلاحية" طالت فئات مجتمعية ثانوية دون أن تطال جسم الهرم الفاسد وقمته).

إن تحليل أداء الحكومة الحالية، يستدعي العودة أولاً إلى رئيس الوزراء السابق "عادل عبد المهدي" الذي دأب قبل توليه منصبه في تشرين الأول 2018 على نشر مقالات نقدية حادة والإدلاء بتصريحات مفصلة حول ضرورة مكافحة الفساد وإمكانية إصلاح النظام من داخله. وحينما تولى الرئاسة طوّر نسقاً سياسياً معاكساً لكل ما كان يبشّر به، حد ظهور متلازمة سياسية يمكن تسميتها بـ"الانتهازية السياسية"، إذ أتاح أداءه السياسي للمنظومة السلطوية الفاسدة أن تعيد تشكيل مواقفه وفق إملاءاتها دون مقاومة تُذكر منه، إلى جانب عجزه الإدراكي لاستيعاب مفهوم السيادة الوطنية أو الدولتية، فضلاً عن رغبته المستميتة للتمسك بممارسة السلطة حتى لو بشكل زائف حدّ فقدان "احترام الذات السياسية" دون أي ميل للاعتذار أو الاعتراف بالتقصير عن مقتل وجرح واختفاء آلاف المحتجين بعد الحراك الثوري التشريني. وليس هذا قدحاً بعبد المهدي على المستوى الشخصي، بل هو توصيف لمنظومات سياسية ذات سياقات شاملة تعيد صهر الأفراد داخلها شمولياً ليتصرفوا وفق إملاءاتها وشروطها حتى لو أتى ذلك بالضد من خصائصهم الشخصية.

هذه المتلازمة السياسية تغلغلت موضوعياً في مفاصل الحكم المتهرئ، فما يزال شبح عبد المهدي جاثماً ومهدداً لأداء الحكومة الحالية التي لم تتضح بعد هويتُها النهائية لقصر عمرها. فتركة عبد المهدي الثقيلة تشبه متحفاً ينتظر تقادم الأشياء أو خروجها عن الخدمة ليضمّها إليه، بحكم أن السياق السياسي الفاسد قد يتغلب في النهاية على رومانسية النوايا السامية لأي شخصية سياسية إصلاحية غير ثورية حينما تنتقل من مجالها الذاتي "المثالي" إلى المجال المنظوماتي الشمولي.

أمام هذه الإشكالية الحرجة تقف الحكومة الحالية ورئيسها، في موقف شكسبيري مصيري ثنائي لا يتحمل خياراً ثالثاً (إذا ما استثنينا خيار الاستقالة)، دون أن يلغي ذلك وجود خيارات أخرى ثانوية تتضاءل أهميتها بالمقايسة مع هذه الثنائية الأساسية. فإما أن تقوم الحكومة بشراء الوقت بصكوك الانتهازية السياسية وما يعنيه ذلك من تحولها لشاهد زور من شهود الخراب وإنهاء مفهوم الدولة الوطنية لأمد غير محدود، وإما استعانتها بسيكولوجيا المنقذ المحارب، والأداء البطولي الذي يمنحها رمزانية ثورية حد التماهي بالضمير المجتمعي مهما كانت "مأساوية" النهايات (الكاظمي أطلق على نفسه لقب الشهيد الحي!)، وقد لا تكون مأساوية بالضرورة.

ومن الأمثلة النموذجية التي يمكن مقاربتها عن خيار المواجهة الثورية، ما فعله "سلفادور أليندي" (1908- 1973)م الرئيس التشيلي المدني المتتخب حينما قُتل بخوذته الحربية في القصر الرئاسي وهو يقاتل دفاعاً عن الشرعية، على أيدي العسكر الفاشست المنقلبين عليه من داخل السلطة، بعد إصراره على منهجه الاشتراكي السلمي في تأميم الثروات المعدنية الكبرى للبلاد والإصلاح الزراعي والالتزام الحرفي بالسياقات الديمقراطية. تلك النهاية المأساوية انطوت على آفاق خلاصية غير محدودة اتضح رأسمالها الرمزي المتراكم بعد عقدين مظلمين حينما استعادت البلاد الحكم الديمقراطي. ولا يقصد بهذه المقارنة مع أليندي التشبيه أو المطابقة بين شخصين أو حالتين أو عصرين مختلفين، بل يقصد بها توجيه النظر إلى ثيمة رمزانية سياسية مشتركة هي "الدفاع عن الشرعية" ضد قوى متمردة سواءً من داخل الدولة أو بموازاتها، بأسلوب التصدي المصيري وعدم التخاذل أو التهيب أمامها حد المواجهة الحاسمة، دون أن تكون هذه المواجهة محكومة بالضرورة بنهاية تراجيدية، إذ يعتمد ذلك على نسبيات كل وضع وسياقاته وخصوصياته.

وَهْمُ الاحتواء

في الوقت نفسه، وأمام تلك الثنائية الشكسبيرية الحدية (بين عبد المهدي وأليندي)، يرى البعض أن ثمة طريق ثالثة وسطية "ناجعة" بات الكاظمي يتبعها هي سياسة "احتواء" الخصوم، عبر توزيع المناصب المهمة بين فاسدين ونزيهين، والتقدم الإصلاحي في ميدان مقابل التريث في ميدان آخر، أو اختبار ردود أفعال الشبكات المنتهكة لسيادة الدولة عبر الإقدام ضدها حيناً ثم الإحجام عنها بعد قليل. وهذا ما يمكن تسميته بـ"وَهْمِ الاحتواء" (في مقابل واقعية سياسة التصدي الحازم)، أي استغراق الحكومة في أداء تفاوضي ضمني مع أقطاب الفساد وفصائل ما دون الدولة وبقية النخب السياسية النهّابة لثروات البلاد والهدّامة لبناها كافة، بافتراض أن الإصلاح يتطلب أداءً وسطياً "حاذقاً" لتحييد البعض وكسب البعض وإلهاء البعض، وصولاً إلى "احتوائهم" بما يسمح بإصلاحات تدريجية عبر تفكيك المنظومات الفاسدة تباعاً.

هذه الستراتيجية يمكن أن تصحَّ في بلدان مستقرة سياسياً واقتصادياً وأمنياً بدرجة ما. أما في الدول الهشة المنهكة بالصراعات الإثنية والتطرف السياسي والفساد الشامل والإفلاس التام كالعراق، فإن الإغراق في سياسات الاحتواء لا يعني في الغالب أكثر من إرضاءٍ سيكولوجي لذات صاحبها، مع إتاحة فرص جديدة للمنظومات الفاسدة لكي تعيد هيكلة بُناها بما يمنحها عمراً أطول لإدامة سلطتها، أي تنجح هي في احتواء الحكومة لا العكس.

وفي مثال آخر على سياسة الاحتواء غير المنتجة هذه، اتجهت الحكومة منذ أيامها الأولى لاختراق الحراك الاحتجاجي وإقامة صلات تفاوضية مع بعض رموزه الشبابية -دون غيرهم-، وتوظيف ناشطين آخرين –دون غيرهم- في أروقتها الإدارية والسياسية، في سلوك اندفاعي يفتقر لمعيارية محددة في اختيار هؤلاء الأشخاص، سعياً منها لـ"عقلنة" بعض هذه التوجهات ومنحها وجوداً داخل الحكم تحقيقاً لمبدأ احتواء الجميع دون استثناء، بما لا يؤدي –حسب رؤية الحكومة- إلى اندلاع احتجاجات شاملة جديدة تحرجها في خطواتها "الإصلاحية".

وقد أدى ذلك إلى مردودات معاكسة، إذ ازدادت الانقسامات والتخوينات بين البؤر الاحتجاجية الموزعة بين بغداد ومحافظات الجنوب. وبذلك خسرت الحكومة تياراً واسعاً من الحراك الاحتجاجي كان يمكن أن يكون داعماً لها، إذ بات ينظر إليها بامتعاض وارتياب على أنها "مخلب" للنخب السياسية الحاكمة الساعية لاختراق الحراك وتفتيته. فبدلاً من استغراق بعض مخططي سياسة الحكومة في وَهْمِ أنها حكومة خارجة من معطف الاحتجاجات، كان الأجدر بهم التخطيط الميداني لكسب مجمل الحراك التشريني عبر البدء بإجراءات العدالة الانتقالية لإنصاف ضحاياه، والمباشرة بمكافحة جذور الفساد العميقة، واتخاذ خطوات مدروسة باتجاه إعادة توزيع نسبية للثروات المنهوبة (الرواتب والضرائب والكمارك وشركات الاتصالات ومحاكم الفساد)، والتهيئة الفعلية الملموسة لانتخابات برلمانية مبكرة نزيهة.

إلى جانب ذلك، يُلاحظ أن التفكير الرغبي والإنكار والتجاهل وأوهام التحكّم واستبدال الأفعال بالأقوال (سوف واخواتها)، باتت تشكل جميعاً جزءً ملموساً من سيكولوجيا الخطاب السياسي والإعلامي للحكومة، دون إغفال أن بعض أعضاء الحكومة -من الباحثين المرموقين- يحرص على التحلي بخطاب واقعي ولغة علمية في مقابل النمطية التوهمية لمجمل ذلك الخطاب الرسمي.

قد تعزى هذه التوهمية لسببين. يتعلق الأول بكثرة وتشعب الأهداف البعيدة المدى التي وضعها رئيس الحكومة في أولوياته رغم قصر المدة المتاحة لعمل حكومته (يفترض سنتين أو أقل)، وهذا يستدعي بالضرورة استخدام ميكانزمات دفاعية تمويهية لخداع الذات لاشعورياً بما يمنح كل هذه الأهداف المتشعبة وَهْمَ التحقق. أما السبب الثاني فهو ضعف الواقعية السياسية بتأثير الخبرة السياسية المحدودة للكادر الحكومي، وعجزه عن امتلاك أدوات التأثير المباشر بالأحداث لكونه معزولاً نسبياً عن بقية المنظومة الإثنو- طائفية الحاكمة ومتهماً بـ"العمالة" للغرب من أطراف محلية تريد اصطناع خصومة ايديولوجية زائفة لتقوية سردية الصراع الإقليمي بين معسكري إيران والولايات المتحدة، ما يستدعي منه (اي الكادر الحكومي) محاولة التغلب على هذه المعوقات بأوهام التعويض النفسي المشار إليها.

وبعبارة، إن استمرار الحكومة الحالية بالعزوف عن ستراتيجية التصدي الواقعي الحازم والمباغت، بالرغم من وجود بيئة احتجاجية ساندة ومتعطشة لهذا التصدي، والاقتصار على سياسات الاحتواء المطعمة ببعض خيارات التصدي المجتزأة المحدودة بما يرافقها من ميكانزمات رغبوية وإنكارية، سوف يلتقي ضمنياً في النهاية مع قوى الثورة المضادة للحراك التشريني، في تسويغ وشرعنة الوضع القائم وشيطنة كل من ينشط ضده، ويحجز مكاناً مؤكداً لها (أي للحكومة) في متحف عبد المهدي.

ما الموقف من الاحتجاجات القادمة؟!

على الرغم من العمر القصير الذي قطعته الحكومة الحالية، وعدم إمكانية تقديم تقييم جازم لأدائها، إلا أنه من المهم تأشير أن ساعتها الزمنية المُدرِكة للأحداث ما تزال غير قادرة لحد الآن على اللحاق بالزمن الاجتماعي الهادر في هذه البلاد، على الرغم من نواياها "الطيبة" المعلنة والكامنة. فالزلزال التشريني لم تتضح بعد للعيان جميع ارتداداته التأصيلية الكامنة في السلوك السياسي والثقافة السياسية لجيل الشباب الثوري المغترب عن كل أنواع الايديولوجيا والمنتمي نفسياً لفكرة الوطن المرتجى والحق المستلب.

إن أبرز ما حققته ثورة تشرين غير المكتملة، أنها أقنعت جيلاً كاملاً – يشكل نفوسه أكثر من ثلثي المجتمع- ممن شاركوا فيها فعلياً أو اكتفوا بالمراقبة، أن السياسة التقليدية والدين السياسي باتا عاجزين (أو غير مؤهلينِ) عن التحكم بمستقبلهم ومصيرهم، إذ تغيّرت بوصلة التحكم لتكمن حصراً في إراداتهم وقدراتهم وطموحاتهم الشبابية. وبمعنى أدق، انتقلت "قدسية" التأثير والفعل والتغيير -في مخيالهم السياسي- من غيبيات تقع خارج الذات الاجتماعية إلى وقائع إرادوية تقع داخلها وفي عمقها.

هذه القناعات الاحتجاجية، وفي ضوء التدهور الاقتصادي والخدماتي المستمر، ستعاود الظهور بكيفيات نوعية جديدة في مرحلة قادمة بعد استيفائها للتراكمات الإحباطية الحالية، وبعد انقضاء حالة الانعزال الاجتماعي والمناطقي بسبب جائحة كورونا؛ علماً أن التظاهرات والاعتصامات الاحتجاجية المطلبية عاودت الظهور والتصاعد مؤخراً في أماكن متفرقة من الخارطة الممتدة بين بغداد والبصرة، كما يُلاحظ اندفاع جماعات شبابية تشرينية عديدة مؤخراً إلى المناداة بتشكيل تنظيمات سياسية (أحزاب أو ائتلافات)، عبر النقاش والتشاور أو عبر التنسيق التنظيمي الفعلي على حد سواء. وهو تطور جاء متأخراً بعض الشيء، إلا أنه يعكس الوعي الاحتجاجي المستجد بأن الهيكلية والتنظيمية شرطان أساسيان لمواصلة الكفاح المجدي ضد مؤسسات السلطة المتضامنة.

وهنا يمكن للحكومة الحالية – إذا استمر عجزها عن إطلاق مبادرات إصلاحية جوهرية لتحشيد الرأي العام حولها- أن تؤدي دوراً سلبياً في دفع هذه القناعات الاحتجاجية إلى مزيد من الراديكالية العنفية حدّ انقسام البلاد إلى بؤر احتجاجية مناطقية يائسة بعيداً عن الهوية الجامعة بوصفها أداة سلمية للتغيير (وهذا ما يحدث اليوم محلياً في بعض المحافظات عبر أسلوب الإقالات الشعبية للمسؤولين الإداريين، وقطع الطرق الخارجية، واقتحام الدوائر الرسمية)؛ أو أن تؤدي دوراً إيجابياً في تجميع الغضب الأخلاقي المجتمعي المتصاعد، حول مشروع سياسي إصلاحي يجتاز الطابع التطييفي للهويات إلى فكرة خلاصية تتمحور حول خيار الدولة الوطنية الجامعة ذات السيادة، بما يشكل (أي هذا المشروع) ظهيراً سانداً للحكومة ينتشلها من غموض انتمائها السياسي الحالي ويمنحها عمقاً سوسيوسياسياً متمثلاً بما هو متحقق فعلاً في الفضاء العام –منذ احتجاجات 2015- من هيمنة ثقافية مضادة (بزوغ الوطنياتية)، يقابلها أفول مستمر في المشروع الإثنو- سياسي.

هذان الدورانِ للحكومة يتوزعان ببساطة بين الخيارين السابقي الذكر: إما سياسة "وهم الاحتواء" للبقاء "الآمن" في متاحف التاريخ المنقرض بما يعنيه ذلك من تجذير للآلام الاجتماعية؛ وإما سياسة "التصدي الواقعي الحازم" مدعومة بالزخم التشريني القابل للاستنهاض بما تتضمنه من "أخطار" يمكنها أن تفتح كوة واعدة نحو مستقبل مغاير.

وباستخدام تعبيرات غرامشوية، هل ستكتفي الحكومة بوهمها الحالي في مساعيها لـ"احتواء" المنظومة الفاسدة والحراك الاحتجاجي معاً، بما يفتت كليانية الصراع التاريخي – الذي انبثق في تشرين 2019- بين القديم والجديد، ويحيله إلى "حرب للمناورات war of maneuvers فحسب، بين جمهور محبط وغاضب وبين نخب أوليغارشية قادرة على التكيف السريع مع التهديدات والضغوط، على نحوٍ يلغي مصيرية هذا الصراع ويستبدله بمعارك كر وفر مناطقية جانبية دون مركزيةٍ ستراتيجية لإنجاز التغيير؟ أم إنها تستطيع أن تؤدي دوراً في تمكين الزخم التشريني الثوري –بوصفه بنية وليس أشخاصاً- من التغلغل جزئياً إلى مناطق النفوذ داخل المنظومة السياسية والايديولوجية الحاكمة بما يمنح ذلك الحراك أحقيته ليمارس تأثيره الإصلاحي (هيمنته الثقافية) في مجمل الهيكلية السلطوية بوسائل التأثير الاحتجاجي الضاغط والانتخابي النزيه، أي أن تكون الحكومة واسطة لتيسير وإنضاج "حرب المواقع" war of positions ستراتيجياً بين القديم والجديد؟

ولذا، فكما بدأنا بسؤال مفصلي، ننتهي بسؤال مفصلي حتمي آخر: «إلى أين سيتجه الكاظمي؟ إلى متحف عبد المهدي حيث المحنطات السياسية بأسعار بخسة؟ أم إلى أفق أليندي حيث ترميم المستقبل ولو بأثمان غالية؟ أم هي الاستقالة وربما الإقالة؟».

  كتب بتأريخ :  الخميس 23-07-2020     عدد القراء :  104       عدد التعليقات : 0