الإيمان بدون رجاء ومحبة يائس وعقيم

الأيمان هو فعل الأنسان مؤسس على ثقة مرجوة تعلن كشهادة لمبدءٍ ما يقرره عقله وضميره ، ومن ثم يعلنه بدون إرتياب . عندما يعلن المسيحي قانون الأيمان ويقول ( أؤمن بإله واحد ) فإنه يصرح للملأ بأنه يصدق ويثق بالله الواحد بملء الثقة مُسَلِماَ ذاته إليه بدون قيد وشرط . فعليه أن يصبح أميناً بأعترافه وملتزماً بكليته بما يؤمن به . الله خلق الأنسان حراً ، فكل إنسان حر بإيمانه . المسيح لم يجبرأو يخدع أحداً من تلاميذه ، بل هم أعلنوا أيمانهم وأعجابهم به لهذا ( تركوا كل شىء وتبعوه ) " مر 1: 17-18 " . كذلك كان الشاب الغني حراً في عدم إيمانه عندما ( أنطلق حزيناً لأنه كان ذا مال كثير ) " مر 22:10 " . إذاً الإيمان المسيحي هو الحب العميق في كيان الإنسان ، يعلنه بدون إكراه وبملء الحرية الواعية . قال يسوع لتلاميذه عن الإيمان به ( الذي يؤمن فذاك يخلص ) " مت 31:24" ، والمسيح لا يعني هنا بالإيمان المجرد من أعمال المحبة ، فهناك الكثيرين في المسيحية يؤمنون بأن الخلاص هو بالأيمان وحده معتمدين على بعض نصوص الكتاب من دونها ، فبولس الرسول الذي قال ( فآمن أبراهيم بالله ، فحسب له ذلك براً ..أما الذي لا يعمل وإنما يؤمن به يبرر الأثيم ، فأن إيمانه يحسب له براً ) " روم 4: 3-5 " فتعليمه لا يختلف عن تعليم المسيح ورسله ، بل ما يقصده بولس في رسالته إلى روما يعطف على كلامه في آيات أخرى يطلب من المؤمن الأيمان المقترن بأعمال المحبة ، لهذا نجده يقول في "غل 6:5" ( لأنه في المسيح يسوع لا الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة ، بل الأيمان العامل بالمحبة ) فصفة العامل بالمحبة يشرحها لنا بوضوح في ( 1 قور 13: 4-7 ).

من قول المسيح ( المؤمن به يخلص ) نعلم بأن للأيمان غاية ، وهي الرجاء الذي يهدف إلى الخلاص ، وهذا يتطلب إلى دخول الأنسان في شركة حقيقية مع سر الله الذي خلق الأنسان على صورته ومثاله ويعمل بوصاياه . المؤمن ليس رجل الأيمان فحسب ، بل رجل الرجاء والمحبة للجميع كخالقه ( إله المحبة ) . إنه الله الواحد المطلق في ماهيته اللامتناهية في القداسة وكما في جميع كمالاته . في قدرته الكلية ، وفي محبته ، إنه هو ( الكائن ) كما أوحى ذلك لموسى ( خر 14:3 ) وهو ( المحبة ) كما يعلمنا الرسول يوحنا ( 1يو 8:4) وهذه اللفظين يعبران عن الحقيقة الألهية ذاتها لذاك الذي أراد أن يعرف نفسه لنا ، والذي ( مسكنه لا يقترب منه ) " 1كيم 16:6" .

فالمطلوب من المؤمن أن لا يبقى يتراوح على رقعة الأيمان منتظراً ، بل أن يتخطى نحو الأمام ليصل إلى ثمار الأيمان والرجاء بهدف الخلاص ، والرجاء يخلق للمؤمن الفرح الدائم لأنه سائر نحو ملء محبة الله واللقاء به ، وهذه المحبة تبدأ مع القريب أولاً . أما الرجاء فهو الأيمان بالمحبة الإلهية والثقة التامة للحصول عليها ، كما أن رجاء الإنسان بدأ منذ سقوط الأبوين في جنة عدن ولحد اليوم . الكتاب المقدس يحتوي على قصص لمسيرة فضيلة الرجاء التي تقود الإنسان إلى الهدف . في عصرنا رغم الحروب العنيفة والظلم والسبي والمآسي المفجعة التي نعيشها  أو نسمع بها ، فالمؤمن لا يجوز أن يفقد رجاءه بسببها ، وبسبب المحبة المسيحية التي يمتلكها والتي لا غمض فيها ، أنها تتحمل كل شىء من أجل المستقبل ، وذلك بسبب ثقة ذلك المؤمن بصورة المستقبل الغير المنظور الذي رسمه لنا الأنجيل المقدس لكي نؤمن بأن ( وجه البار سيشرق كالشمس -- ما لم تراه عين ... أعده الله للذين يحبونه – كنز غير متوقع – سيرى وجه الله ...الخ ) في صميم الأضطهاد والمحن لا يفقد صاحب الإيمان رجاءه لأن حياته قد سلمها لحنان الله ، لهذا رغم المآسي سيشعر في هذه الدنيا بمذاق الفردوس  الموعود ، بل يختبر ما في السماء ويعيشه على هذه الأرض ، والملكوت تبدأ من قلب المؤمن الملىء بالمحبة , أختبر قديسين كثيرين حياة السماء على هذه الأرض ، فالمسيحي في هذا الزمن ينبغي أن لا يعيش في إيمان بارد لكي لايصيبه الضعف واليأس فيرفضه الله  ، بل عليه أن يكون حاراً منيراً ومثالاً صالحاً ، لأن هذا الزمن ليس للأنتظار والكآبة وعدم الثقة بالمكتوب ، بل على نقيض ذلك إنه وقت ملائم لأعلان حكمة البشارة للعالم أجمع . إنه الواجب المطلوب من كل مؤمن ، بل هو وصية الرب للجميع ( إذهبوا إلى العالم أجمع ، وبشروا الخليقة كلها بالأنجيل ) " مر 15:16" . يجب إذاً أن نفضل هذا العمل على كل أمور الحياة الزائلة . البشارة برجاء الأنجيل هي بشرى محبة المسيح لكل البشر . وكل الناس محاطين بمحبته الإلهية ومات من أجل خلاص الجميع . قال البتابا القديس مار يوحنا بولس الثاني ( أن فادي الأنسان يسوع المسيح ، هو في محور الكون والتاريخ ) . على المؤمن بالمسيح أن يتقاسم رجاءه بالمسيح مع الذين لا يشاطرونه الإيمان ، لأن المحبة الواحدة تقربهم من بعضهم كعائلة بشرية واحدة في هذا الكوكَب ، والمسيح يعمل فيه منذ البدء ، ونوره يشع على جميع البشر ذوي الإرادة والأعمال الصالحة وإن لم يكونوا مؤمنين . قال الرسول ( الذين عملوا الصالحات سيقومون إلى الحياة ، أما الذين عملوا السيئات ، يقومون إلى الهلاك ) " يو 29: 5 " . الغير المؤمن الذي يعمل الصلاح في ضميره يوجد ( بذور الكلمة الحية ) وتلك البذور هي حجارة الأساس ، وهي نقاط الأرساء ، وجميع هذه القيّم تدعم حياة أبناء الأمم الغير المؤمنة للبحث عن الحق , فكل تعمل فيه بذرة الكلمة سيقول له الرب ، ستكون معي في الفردوس  كما قال للص الغير المؤمن المصلوب على يمينه " لو 44:23" قد يكون الغير المؤمن أكثر محبة وذو أعمال صالحة للآخرين من المؤمن . ومثال السامري الصالح خير مثال ، وكذلك طالع ( أصحاح 25 للبشير متى ) .  

طموحات كثيرة يسعى إليها كل من له رجاء وبأصرار يومي في سبيل بناء مدينة البشر على أساس المحبة ، وتلك المدينة يجب أن تقترب من مدينة الله المبنية على حجارة حية ، وملاطها هو محبة الأنسان المؤمن لأخيه الغير المؤمن ن أجل خلاصه . المسيح أحب الجميع وصلى ليس من أجل المؤمنين به فحسب ، بل أيضاً من أجل الذين سوف يؤمنون به بسبب بشارة المؤمنين لهم ، إنهم خراف من قطيع آخر ، ويريد الجميع أن يكونوا واحداً كما هو والآب واحد ( يو 7: 20 -21 ) .  

ختاماً نقول : الإيمان بدون رجاء ومحبة فراغ مخيف ، يجب أن يحيا الإنسان في إيمان حر وحار فيه الرجاء ومحبة للخلاص ،  ليس له فحسب ، بل لكل إنسان ، وكل إنسان هو أخو المؤمن وقريبه ، فالإنسان في الرسالة المشيحانية هو غاية تجسد المسيح وموته على الصليب ، أي في قلب رسالة المسيح يوجد إنسان ( الإنسان كله ) والذي يشكل الأمم كلها ، فالبشرى الإنجيلية ليست للمؤمن وحده ،

بل لكل إنسان ، فرجاءنا نحن المؤمنين يجب أن يشمل خلاص الجميع ونصلي من أجل الجميع ليكونوا من حصة المسيح الذي مات من أجل الجميع  .

له المجد الآن ، وفي كل أوان وإلى أبد الآبدين .

 

  كتب بتأريخ :  السبت 25-07-2020     عدد القراء :  208       عدد التعليقات : 2

 
   
 

ادمون زيا خوشابا

انصح الجميع بقرائتها وان يعملوا مشاركة Share لهذه المقالة الاكثر من رائعة لاننا بالفعل نمر بفترة نحتاج بها الى الكثير من الايمان بالمحبة في هذا الزمن الذي نعيش فيه الذي تزايدت فيه الامراض والحروب الباردة والتهديدات والمجاعات والغلاء والفقر وانحدار في الاخلاق والتجاذبات السياسية …

مقالة رائعة وبالفعل فان المحبة هي الكنز العظيم الذي يفتقده العالم.

سلام رب المجد يسوع المسيح للاخ وردا وعائلته الكريمة


ادمون زيا خوشابا

مقالة رائعة وبالفعل فان المحبة هي الكنز العظيم الذي يفتقده العالم.

سلام رب المجد يسوع المسيح للاخ وردا وعائلته الكريمة