سنوات من الانتظار وسنوات من اليأس
بقلم : د. أثير ناظم الجاسور
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

هي سنوات عشناها ونعيشها وما زلنا نرسم صورة في الخيال عن وطن نحاول أن نحيا في كنفه بسلام، ما زلنا نحاول بعد كل هذه السنوات نعيش مع كل المآسي والانكسارات الحاصلة بالرغم من أن العراقيين كانوا تواقين لحياة أفضل من سابقتها،

قبل العام 2003 ما إن تختلي برفقة الأصدقاء والأقارب حتى يدور الحديث عن نظام الحكم والدكتاتورية والممارسات التي تطال هذا أو ذاك والتي كانت تمارس من قبل النظام تحت مسميات مختلفة أهمها معاداة الحزب والثورة، أو انتماؤك لجهة حزبية تتعارض فكرياً وأيديولوجياً مع النظام بالنتيجة تعدها سلفاً أجهزة الحكم ورأس النظام معادية للحزب والثورة، لم تنته معاناة العراقيين عند تسلط العائلة أو المحيطين مهما كانت درجات الإحاطة والقربى، فالدولة برمتها عاشت تحت طائلة الظلم من جراء حروب شرقاً واحتلالات جنوباً وصراعات أيديولوجية غرباً وسياسات مغلوطة تسودها أفكار مبنية على منطلقات غير منطقية وسياسات كان النظام يمارسها تجاه جيرانه وتجاه العالم التي بطبيعة الحال سببت للعراق عزلة إقليمية ودولية، كل هذه الأعمال جعلت من الدولة عرضه للضعف والعداء من قبل الدول والمنظمات بعد أن عكس المزاج العدواني للنظام تلك الصورة، بالتالي وبعد حروب طاحنة وحصار قاتل وصل الحال بالمواطن العراقي بالتمني من أن يحكمه أي شخص وأي تبني وتوجه إلا صدام وحزبه خوفاً من ما كان عليه شكل الدولة والحاكمين، حتى بات العراقيين ينظرون إلى خارج الحدود على أنها مبعث الحرية فبين مهاجر ومعتقل وسجين ومفقود هكذا عاش العراق والعراقيين أيامهم فاقدين الحرية والانتماء ولا يتجرؤون على قول كلمة لأن ( الحيطان إلها آذان)، فكان العراقيين يتطلعون إلى تغيير هذا النظام وزواله ليكونوا أكثر حرية واكثر تمتع ببلدهم الغني المليء بالثروات كانوا ينتظرون من يخلصهم من الظلم والاستبداد والدكتاتورية.

ما أن تغير شكل النظام وأركانه على يد الاحتلال الأمريكي عام 2003 حتى تطلع البعض أملاً أن يكون الحال أفضل والكل تواقة لتغيير الأوضاع والتفكير والتوجه من خلال التجربة التي كان يحلم بها المواطن العراقي، بالنتيجة شهد العراق هجرة عكسية كبيرة فكل الدول التي تتعرض إلى احتلالات وحروب نرى أبنائها يتركونها خوفاً على أنفسهم إلا العراق فقد شهد عودة كبيرة من أبنائه الحالمين بالوطن الجديد الذين كانوا يحاولون أن يعيدوا رونق هذا البلد، كان الجميع يتطلع إلى العيش كأقرانهم من دول العالم أن تكون لهم حياة كريمة خالية من الخطر والتهديد خالية من الخوف على الأبناء والاخوة والنفس خالية من الحيطان التي لها آذان تسمع وتكتب وتقرر مصيرك خالية من الحروب استنزافها المادي والمعنوي، لكن الذي تفاجئ به العراقيون جملة من المشاكل المعقدة التي تطلبت لأجل حلها أعطاء تضحيات كبيرة لا تعد ولا تحصى، والأغرب استمرار معاناة المواطن لا بل زادت المعاناة بدرجات أعلى خصوصاً وهو يرى أحلامه بهذا الوطن المعافى تتلاشى، فلم تكن التجربة ولا النموذج على خير ما يرام فالأساس الذي بُنيت عليه الدولة الجديدة غير قادر على تحمل الأحمال الثقيلة التي القيت عليه، فقد ذابت الآمال مع أول مفخخة حصدت مئات الأرواح ناتجة عن فشل أمني غير مبرر وانتهت مع الانفلات والفوضى التي سادت شوارع المدن العراقية التي بكل الأحوال أفضلها سيئ، وعن تتبع الخارطة السياسية لما بعد 2003 فهي صممت على أسس تفتيتيه غير قابلة للإصلاح انتجت ورسخت وعززت وساهمت أن يتذيل العراق قوائم التطور والتنمية ويتصدر قوائم الفوضى والفساد.

مشكلة النظام السياسي بعد 2003 أن القائمين على هذا النظام امتازوا بأمزجة وسلوكيات غير مستقرة إضافة إلى الأمّيّة السياسية التي يمتازون بها فهم عاجزون عن توظيف الأحداث لمصلحة العراق قد يتصور البعض أن هذا القصور متعمد لكن مع مرور هذه السنوات اثبتوا بالدليل عدم قدرتهم على إدارة الدولة، فعلى سبيل المثال أغلب الشخصيات الحزبية التي اعتلت الحكم أو الأحزاب التي سيطرت على الحكم كانت تعيش ضمن تجارب متعددة سواء في إيران أو الخليج أو حتى البلدان الأوروبية لكن السيئ بالموضوع أن هذه الأحزاب وهذه الشخصيات عجزت على نقل تلك التجارب للعراق تحديداً فيما يخص إدارة الدولة والتخطيط والتنظيم، بل راحت أبعد من ذلك بعد أن قسمت المجتمع إلى مؤيد ومعارض ومارست ذات الأساليب السابقة مع كل من يعارض أسلوب الحكم أو يعترض على طريقة الإدارة، والأكثر من ذلك تم تصنيف المواطنين بين عراقيي الداخل وعراقيي الخارج وبدا التعامل على هذا الأساس.

لم تنقل التجربة بشكل صحيح لو بالأحرى لم يتم التعامل مع الدولة ومضمونها بشكل صادق جدي فبين تحديات الداخل وتدخلات الخارج تم استغلال الفوضى الحاصلة أبشع استغلال لا بل أصبحت هذه الفوضى باعث من بواعث تحقيق المصالح والأهداف سواء للقوى الداخلية المتمثلة بالأحزاب أو القوى الإقليمية والدولية التي وجدت من العراق أرض خصبة لتحقيق غاياتها على حساب دولاً أخرى، بالنتيجة المواطن هو المتضرر الوحيد في هذه المعادلة الغير معقولة والغير منطقية بعد أن انهارت كل أماله بالتطور والتنمية ومن خلال إيجاد حكم رشيداً للعراق، فهو اليوم لا زال يخشى الحيطان ويخشى أن تكون لها أعضاء أخرى غير الاذن فهي لم تعد تسمع وتبلغ فقط بل باتت تقتص وتحاسب وتتحكم، لازال المستفيدين سابقاً هم ذاتهم اليوم من توسع رقعة المستفيدين وارتفاع سقف الاستفادة أيضاً تحت مسميات لكن هذه المرة اختلفت وفق اختلاف الظرف والمبدأ والتفكير، ولا زالت المحركات الاجتماعية( المثقف – والعشيرة – ورجل الدين إضافة لمحركات أخرى ) كما هي تميل حيث السلطة والمال والقوة، ولا تزال الدولة رهينة الشخص والحزب ايضاً مع اختلاف المسمى والرمز والأيديولوجية، واصبح المواطن على قناعة أن الطبقة الحاكمة لا تختلف عن سابقتها وسابقتها والحالية والتالية، والحزب الحاكم تتحكم فيه أدوات الحكم والتوجهات كما كان الحزب الحكم في السابق، أما من خلصنا من النظام الدكتاتوري فهو المستفيد من كل ذلك بعد أن أوصل المواطن لقناعة لا رجعة فيها بعد أن سأم الأوضاع التي يعيشها وبات يفكر بشكل خطير يؤثر من كل الجوانب على مستقبل الدولة، فهو متيقن أن الحديث عن إصلاح من الداخل هذا ضرب من ضروب الخيال والتغيير وأن كان قادم لا يمكن من غير إرادة دولية على ذلك.

  كتب بتأريخ :  السبت 25-07-2020     عدد القراء :  48       عدد التعليقات : 0