هل يجوز توقيف البريء؟
بقلم : القاضي سالم روضان الموسوي
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

هذا السؤال طالما أثاره المهتمون بحقوق الإنسان، وأشاروا إلى إن أي شخص هو بريء من أي تهمة توجه إليه إلا إذا تمت إدانته وثبت ارتكابه الفعل المنسوب إليه، وأصبح مبدأ " المتهم بريء حتى تثبت إدانته" من أهم المبادئ الواردة في المواثيق الدولية لحقوق الإنسان وكذلك في دساتير الدول،

وتضمن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان هذا المبدأ في المادة (11/1) وكذلك في المادة (14/2) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، ويذكر أن العراق قد صادق على العهد الدولي عام 1971 وأصبح بمثابة قانون وطني واجب الإتباع، كما تضمنه دستور العراق لعام 2005 في المادة (19/5) التي جاء فيها الآتي (المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمةٍ قانونيةٍ عادلةٍ، ولا يحاكم المتهم عن التهمة ذاتها مرةً أخرى بعد الإفراج عنه، إلا إذا ظهرت أدلةٌ جديدة.)، ومحل الجدل هو جواز توقيف أي شخص تقام عليه الشكوى الجزائية مع انه بمثابة البريء بموجب النص الدستوري أعلاه ، وأجاز القانون القاضي التحقيق أن يقرر مصير المشكو منه إما بتوقيفه أو إخلاء سبيله بكفالة، وحسب السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي وعلى وفق أحكام المادة (109/آ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 المعدل التي جاء فيها الآتي (إذا كان الشخص المقبوض عليه متهماً بجريمة معاقب عليها بالحبس مدة تزيد على ثلاث سنوات أو بالسجن المؤقت أو المؤبد فللحاكم أن يأمر بتوقيفه مدة لا تزيد على خمسة عشر يوماً في كل مرة أو يقرر إطلاق سراحه بتعهد مقرون بكفالة شخص ضامن أو بدونها بأن يحضر متى طلب منه ذلك إذا وجد الحاكم أن إطلاق سراح المتهم لا يؤدي الى هروبه ولا يضر بسير التحقيق( والملاحظ على النص أعلاه إنه لم يقرر وجوب توقيف المتهم بجريمة عقوبتها تقل عن ثلاث سنوات، وإنما أردف في المادة (110/آ) أصول جزائية استثناء ومنح القاضي سلطة تقديرية بتوقيف المتهم وعلى وفق النص الآتي (إذا كان المقبوض عليه متهماً بجريمة معاقب عليها بالحبس مدة ثلاث سنوات اقل او بالغرامة فعلى الحاكم أن يطلق سراحه بتعهد مقرون بكفالة أو بدونها ما لم ير إن إطلاق سراحه يضر بسير التحقيق أو يؤدي إلى هروبه) ، وبهذه النصوص أصبح بالإمكان توقيف أي شخص وعلى وفق أي اتهام سواء بجنحة أو جناية، وهنا يظهر التناقض بين أن يكون المتهم بريء حتى تثبت إدانته وبين توقيفه، وحجزه وسلب حريته الشخصية، ويشير شراح القانون إن التوقيف يرتب أثراً لا يختلف عن قضاء فترة العقوبة، ويشير الدكتور أحمد فتحي سرور إلى أن الحبس الاحتياطي، وهو رديف لمعنى التوقيف ويستعمل هذا المصطلح في القانون المصري، حيث يقول إن الحبس الاحتياطي يتناقض مع ما يتمتع به البريء من حرية شخصية، ويقول أيضاً بأن (الحبس الاحتياطي له ماضٍ ملوث، فقد أسيء استخدامه في كثير من الدول وخاصة في النظم التسلطية التي تتفوق فيها السلطة بحكم نظامها السياسي، ويودع المتهم في السجن خلال فترة التحقيق كلها أو بعضها ويتعرض إلى الانتهاك في كرامته الإنسانية ويمس شخصه وشرفه وسمعته وأسرته ومصالحه) وعلى وفق ما ورد في كتابه الموسوم (القانون الجنائي الدستوري ـ منشورات دار الشروق في القاهرة ـ الطبعة الثانية عام 2003ـ ص 459) ، كما إن البعض يبرر توقيف المتهم ولأي فترة يراها القاضي المختص بذريعة الحفاظ على سلامة التحقيق ، وهذه العبارة هي سند معظم قرارات قضاة التحقيق عند إصدار القرار بالتوقيف أو عند رفض طلب المتهم أو وكيله بإخلاء سبيله من التوقيف ، حيث يقترن القرار أعلاه بعبارة ولسلامة التحقيق قررت توقيف المتهم أو لسلامة التحقيق قررت رفض الطلب، ويبقى المتهم في التوقيف سواء كان متهماً في جناية أو جنحة، ويشير إليه الدكتور عبده جميل غصوب بأن الحبس أو التوقيف بحسب الأصل هو عقوبة لا يجوز فرضها إلا بمقتضى حكم قضائي بالإدانة ، لكن من الممكن أن يتم التوقيف أثناء فترة التحقيق بصفة احتياطية ومؤقتة إذا اقتضت مصلحة التحقيق سلب حريته وإبعاده عن المجتمع الخارجي، ويُعد هذا الإجراء من الأمور الخطيرة، لأن الحبس لا يُعد من إجراءات التحقيق لأنه لا يستهدف البحث عن دليل، وإنما هو من أوامر التحقيق التي تستهدف الأدلة سواء من العبث بها أو طمسها إذا بقي المتهم حراً وعلى وفق ما ذكره في كتابه الموسوم (الوجيز في قانون الإجراءات الجزائية ـ منشورات المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع في بيروت ـ الطبعة الأولى عام 2011 ـ ص206) ، لكن في الواقع العملي نجد أن في أغلب جرائم الجنح جميع الأدلة محرزة لدى سلطة التحقيق ولا خشية عليها ، ومع ذلك يبقى المتهم قيد التوقيف لفترات طويلة أحياناً.

لذلك فان توقيف المتهم في غير المواضع التي يوجب القانون توقيفه يعتبر خرق لمبدأ (المتهم بريء حتى تثبت إدانته) والذي أقره الدستور العراقي النافذ وكذلك المواثيق الدولية التي صادق عليها العراق باستثناء الحالات الواردة في المادة (109/ب) أصول جزائية التي جاء فيها الآتي (يجب توقيف المقبوض عليه اذا كان متهماً بجريمة معاقب عليها بالإعدام وتمديد توقيفه كلما اقتضت ذلك ضرورة التحقيق مع مراعاة المدة المنصوص عليها في الفقرة (أ) حتى يصدر قراراً فاصلاً بشأنه من حاكم التحقيق أو المحكمة الجزائية بعد انتهاء التحقيق الابتدائي أو القضائي أو المحاكمة.) ويذكر إن توقيف أي شخص سوف يرتب أثاراً مهمة ونفقات عالية على الدولة تتحملها خزينتها وخسارة الشخص ذاته المعنوية والمادية وفتح منافذ للفساد وغيرها من الأمور السلبية المعروفة لذلك ولمعالجة هذا التناقض بين المبدأ الدستوري والنص التشريعي النافذ اقترح الآتي :

1. تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 79 لسنة 1971 المعدل بحيث لا يجوز توقيف أي متهم في مرحلة التحقيق والمحاكمة، وإنما يبقى حراً طليقاً لحين الحكم بإدانته من قبل محكمة الموضوع المختصة، ويكون له مطلق الحرية في متابعة الشكوى المقدمة ضده وهذا يوفر لنا أمور كثيرة منها حقه في الدفاع الذي اعتبره الدستور حقاً مقدساً على وفق أحكام المادة (19/رابعا) من الدستور النافذ، كما أنه سيتمكن من البحث عن أدلة البراءة بحرية اكبر ، وفي حال عدم امتثاله لقرارات القاضي باستقدامه للتحقيق يكون لقاضي سلطة إحضاره جبراً مثلما يحصل في قانون التنفيذ وبعد إحضاره وتدوين إفادته يُخلى سبيله، وهذا يبعد عنه شبح الابتزاز من بعض ضعاف النفوس ويقطع دابر الرشوة والفساد وان كان نسبياً، ويُقلل من نفقات الدولة لأن كل موقوف أو محكوم تنفق عليه الدولة في المأكل وبعض بدلات السجن والطبابة وغيرها وكهرباء وماء وتبريد وهذه تشكل قيمة مالية كبيرة في الميزانية العامة للدولة وبالإمكان معرفة مقدار التخصيصات من خلال المبالغ التي تدفع إلى المتعهدين في التغذية وستجد إنها مبالغ خيالية، وبذلك سنقلل تلك الكلف إلى الحد الذي يظهر أثره الإيجابي على الموزانة العامة وفوائد أخرى كثيرة، على أن يستثنى من ذلك بعض الجرائم ذات الخطر الجسيم على المجتمع مثل الجرائم الإرهابية وجرائم القتل والخطف وجرائم الفساد والاعتداء على المال العام، ويذكر أن المنظومة التشريعية العراقية فيها مثل هذا التشريع والمتمثل بقرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 101 لسنة 1999 الذي يمنع توقيف المرأة في الجرائم العمدية سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة وعلى وفق النص الآتي (أولاً - لا يجوز توقيف المرأة المتهمة بجريمة غير عمدية خلال مرحلتي التحقيق والمحاكمة حتى صدور قرار أو حكم فاصل في الدعوى. ثانياً -لا تعد حالة رقود المجنى عليه في المستشفى أو وفاته بسبب جريمة غير عمدية مانعاً يحول دون إطلاق سراح المتهم في تلك الجريمة بكفالة في مرحلتي التحقيق والمحاكمة حتى صدور قرار أو حكم فاصل في الدعوى)،

2. استجواب المتهم أو الشاهد عن بعد سواء في مرحلة التحقيق أو المحاكمة، لابد من تعديل النصوص لمواكبة التطور التقني في مجال استخدام الدوائر التلفزيونية، وفي القانون العراقي يوجد نص مماثل ورد في أمر سلطة الائتلاف المنحلة العدد 13 لسنة 2004 الذي شكلت بموجبه المحكمة الجنائية المركزية ومازال ساري المفعول وتعمل به المحاكم الجنائية المركزية في العراق وقد ورد هذا النص في الفقرة (6) من المادة (10) من الأمر أعلاه التي جاء فيها الآتي (يجوز للمحكمة الجنائية المركزية ان تتلقى شهادة شاهد غير موجود في العراق عن طريق وسائل الاتصال المسموعة والمرئية أو تكنولوجيا الاتصالات المماثلة)

وهذه المعالجة تقع على عاتق السلطة التشريعية في دراسة الموضوع وصياغة نصوص قانونية جديدة تتماشى وفلسفة الدستور النافذ باحترام حقوق الإنسان.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 29-07-2020     عدد القراء :  88       عدد التعليقات : 0