الفتى حامد سعيد ، ضحية مرتين ...

مرةً، بمن أوصله الى ما كان عليه ، ومعه الكثيرين في المجتمع العراقي من فاقه وبؤس وحرمان ، الذي زرعه في مفاصل حياتهم، (الاتقياء )، فلم يجد ملايين المهمشين امثال حامد وغيره سبل عيش كريمة ...

وأخرى ، في تطبيقات القانون الغائب في البلاد ، يقف متفرجاً لتجاوز السلطات حدود المعقول ، ويصفق في الكثير من الاحيان لمن يسرق قوت الشعب ، ويحاسب بإجحاف وقسوة لمن تمتد يده الى رغيف يسد فيها رمقه ...

أين هو القضاء ، ورجال القانون ، ولماذا هذا السبات الطويل للعدالة ؟؟؟ ...

ما حصل لحامد من اهانة ، ومن اعتداء جسدي اقترب من اخماد انفاسه ، يجعلنا نتذكر بإعتزاز لما يتمتع به مجتمعنا العراقي من وعي وتفهم لمهام المرحلة القادمة ... اذ عبّر عن هويته الوطنية ، ومطالبه العادلة ، بالمظاهرات السلمية، وبالمزيد من الانضباط والتماسك للوصول الى الاهداف التي من اجلها صدحت اصوات المناضلين في الساحات العامة ، مطالبة بحقوق واستحقاقات الشعب المشروعة ، سجلوا مأثرة الحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة ، وفضلوا الفداء بارواحهم على التسبب في الفوضى ، رغم كل الظروف القاسية ، ورغم كل سلبيات النظام الطائفي الجائر، كانوا المثال الذي يبشر بالخير رغم اعداد الشهداء ، والاغتيالات ، وغياهيب السجون ...

تزامن هذا الاعتداء من قبل سلطات حفظ الامن على حامد ، عروض من دول اوربية وعربية بمنحه الجنسية والامتيازات والعلاج، والكثير مما افتقده في بلاده ...

لا شك انها مبادرة انسانية ، ولكن ، الأَولى بالدولة العراقية ان تكون السبّاقة ، وهي التي تتكفل بذلك ، ليس له فقط ، بل البدء بطوي صفحة الفساد وسرقة المال العام وانفلات الامن ، ليشعر كل مواطن ان العراق هو له وملكه وحده، يحق ان يحلم بالمستقبل المشترك مع كل اطياف شعبه ، ولن يكون تابعا او ذيلاً لاي فكر دخيل ...

لتبادر السلطة الجديدة ، او اللاحقة ، بقلب اوراق الماضي والبحث عن الثروات المنهوبة والمهدورة ، بمحاسبة من اوصل البلاد الى هذا التردي ، والشعب الى اقصى درجات التعاسةوالحرمان ...عندذاك ، ستجد وراءها قوة لا تقهر هي حب العراقيين الذي سيكون سوراً للذين يطرقون ابواب الفقراء ويفتحون ابواب الامل ، وعيونهم لا تنام على ضيم يصيب اي انسان ...

ابحثوا عن المجرمين الذين سلبوا احلام وارواح الاقوام الاصيلة ( من اليزيديين والمسيحيين وغيرهم ) وهم يستعيدون هذه الايام ذكرى تلك المجزرة البشرية التي تقف كل مرثيات هوميروس عاجزة عن التقاط حجم آلامها ...قتل وسبي الاف مؤلفة منهم ، والتي استبيحت بلداتهم من قبل داعش والمتواطئين معهم ، بيعت نساءهم في سوق النخاسة ، ولا زال مصير الالاف ، أما مجهول ، او هياكل عظمية في المقابر الجماعية ، ولا زالت تلك الرموز تحتل مراكز القرار في مواقع السلطة ...

ارحموا دموع الامهات والارامل اللائي لا زال طيف ابناءهن ، وازواجهن الشهداء ، يلوح كالسراب يبشرهن بان ارواحهم لم تذهب سدىً ، بل هناك في الافق مستقبل تشرق فيه الشمس دون ان تواريها الغيوم ...

علاج اية معضلة لن تاتِ أُكلها ان لم ترافقها النيات المخلصة ، والعدالة ، والحزم المبني على قانون تتساوى فيه كفتي الميزان ...والبلاد لن تجتاز العثرات في تكرار التجارب والاخطاء السابقة ... وكم من حامد وامثاله سيملأون الشاشات الصغيرة والكبيرة بالحقيقة الصادمة للعالم ( والمألوفة لشعبنا ) ان لم نبدأ بزرع بذور الخير في بلاد تنام على ثروات لم تستغل لإسعاد الشعب ، بل لتحطيم اماله وطموحاته ... بلاد زاخرة بالعباقرة والمبدعين ، فكان نصيبهم طريق الاغتراب ، او في زنزانات الانظمة الدكتاتورية المتعاقبة ...

خطوة جريئة في الاتجاه الصحيح ، وقرار شجاع فيه التحدي المشحون بالتضحية ، هي البداية التي التي ستنسحب امامها العقبات ... ومراجعة الاخطاء ، هي المدخل للمسيرة الظافرة ، والتعلم من اخفاقات العهود السابقة ، يقود الى اولى بوادر النجاح ...

ليست العبرة في ان نعالج المظاهر بقدر اكتشافها مبكرا، كما ان الثروة الحقيقية هي في استثمار حب الناس عندما يجدون اياد ممدودة تنتشلهم من السقوط في تجربة او ضائقة، بمنحهم استحقاقاتهم من ثروات الوطن ، واكثرها تاثيرا ، حقوق المواطنة ... وليس أكثر ما يظلم الحاكم نفسه عندما ينسى ان الاعمار لا تتطول اكثر من الذكريات ، وذاكرة الشعوب تغذيها سيرته في مسيرة حكمه ، لينال اما اللعنة على مدى ذاكرة الاجيال ، او الرضا والخلود الذي لا توازيها كل ثروات العالم ...

هي نصيحة عسى ان تنفع ، وامنية اتمنى ان تتحقق ، لتكن هذه التجربة المريرة، (وقبلها الكثير ) ، ومعالجتها ، حافزاً لاجتثاث مخلفات الماضي ، وبادرة حسنة لبداية مرحلة جديدة يتمناها كل عراقي وعراقية ...

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 05-08-2020     عدد القراء :  128       عدد التعليقات : 0