العيد الوطني من منظور نفسي- سياسي

ومٌ للاستقواء الأيديولوجي أو التنازع الطائفي؟ أم يومٌ لتعميق الهوية الوطنية الجامعة..؟!

في بلد –كالعراق- يعجّ بالعنف السياسي وبالسرديات والسرديات المضادة بشدة، ويشهد اليوم انبثاق جيل تحرري جديد غير مؤدلج من رحم تأريخ سياسي مؤدلج (ليس في الأمر انتقاصاً من الايديولوجيا)، يصبحُ تحديدَ يومٍ محددٍ للعيد الوطني أمراً عسيراً على الاتفاق، لدى النخب السياسية أو لدى عامة الجمهور على حد سواء.

فبعد أكثر من 17 عاماً من عمر النظام الحالي، ما يزال اليوم الوطني ينتظر التحديد والإقرار.

أودُّ في هذه السطور تحديد بعض المفاهيم والتصورات والاحتمالات بهذا الشأن، سعياً لتبسيط هذه الإشكالية ووضعها في إطار قابل للنقاش الهادئ دون انحيزات مسبقة أو إطلاقيات متعسفة.

فأولاً وقبل كل شيء، نحن بحاجة ماسة لوضع تعريف دقيق لمفهوم "اليوم الوطني" في بلد يبلغ عمر دولته المعاصرة مائة عام فقط، إذا ما اتفقنا أن اليوم الوطني يرتبط اعتبارياً وعاطفياً وتنظيمياً بالبنية الدولتية بوصفها ناظماً لحياة المجتمع: هل هو يوم للاستقلال؟ أم لانتهاء احتلال؟ أم لإعلان قيام الدولة؟ أم لثورة غيرت البنى السياسية الاجتماعية؟ أم هو أي يوم آخر يُتفق على شموليته التاريخية ورمزيته الوطنية الجامعة التي تحقق أكبر اتفاق ممكن بين الأطراف والجماعات العراقية؟

وثانياً، هذا التعريف سيستدعي بالضرورة اشتقاق معايير تسهم في تحديد هوية ذلك اليوم تفصيلياً. وهنا يمكن الحديث عن عدة معايير، يمكن تطبيقها جميعاً بالتوافق فيما بينها، أو اختيار بعضها بحسب اللحظة السياسية الماثلة:

أ‌- معيار نخبوي: أي آراء الخبراء والأكاديميين والمثقفين والسياسيين والناشطين المدنيين وأصحاب الرأي.

ب‌- معيار شعبي: أي استطلاع الرأي العام في كافة مناطق البلاد بما يغطي كافة تراتبياتها أفقياً وعمودياً.

ت‌- معيار عملي: أي تحديد اللحظة الصفرية التاريخية التي تحقق أكبر مقدار ممكن من الإجماع حولها، وأقل مقدار ممكن من التنازع حول السرديات بشأنها، بصرف النظر عن ماهية تلك اللحظة (استقلال أم جلاء أم ثورة أم غيرها).

إن أصل الموضوع هو الذاكرة التاريخية وسردياتها السياسية الحمالة الأوجه، في بلد لم ينعم باستقرار سياسي حقيقي منذ نشأة دولته المعاصرة قبل قرن من الزمن. فمن البديهي القول إن الدولة والمجتمع في العراق تتنازعهما عدة ذاكرات تاريخية-سياسية مُتَخيَّلة تتوزع بين الرافدينية، والإسلامية، والعروبية القومية، والعراقوية المحلية، واليسارية، والمذهبية (سنية-شيعية)، فضلاً عن معضلة الهوية الكردستانية –وهويات إثنية أخرى- واستعصائها على إيجاد سردية مشتركة مستقرة لها مع الهوية العراقية الجامعة. وهذه الذاكرات قابلة لأن يُعاد إنتاج وظيفتها النفسية بوسائل ومحتويات متنوعة (تصادمية أو تعايشية) حالما نتحدث عن أي لحظة تاريخية عراقية فارقة، كاليوم الوطني.

ولذلك فالمطلوب من اليوم الوطني، في اللحظة السياسية الحالية التي تشهد تفككات ونزاعات حول أغلب المفاهيم السوسيوسسياسية، أن يحقق تلاقياً صفرياً -نسبياً- بين تلك الذاكرات، بما يضمن تكوين توجهات نفسية مستقرة وغير مستفزة حيال ذلك اليوم لدى الغالبية العظمى من الجماعات العراقية، دون شعور بالمظلومية الإثنية، أو الاستقواء الايديولوجي، أو الاستبعاد المذهبي، أو القمع السياسي، لدى أي جماعة إلا بالحد الأدنى إنْ وجد.

فالمقصود هنا ليس أحداثاً تاريخية "مطلقة" في دلالاتها ومضامينها، بل تأويلات الناس النسبية لها قبولاً أو رفضاً، فالأمر لا يتعلق بمنهجية أكاديمية أو رؤية ايديولوجية لتقييم تلك الأحداث، بل يتعلق بأنماط الذاكرة التاريخية التي تكونت (أو ستتكون) شعبياً بشأن هذه الأحداث، وهي ذاكرات مُتخَّيلة مشحونة بالعواطف السردية أكثر منها استنتاجات تجريبية قابلة للبرهان.

وطبقاً لهذه الرؤية، فإن أحداثاً مقترحة –يتم تداولها اليوم في المجال العام- لتكون يوماً وطنياً، كثورة العشرين، وتشكيل أول حكومة عراقية في 25 تشرين الأول 1920، واعلان الملكية (تنصيب الملك فيصل الأول) في 23 آب 1921، واعلان المجلس التأسيسي في 19 تشرين الأول 1922، وإنفاذ القانون الأساسي (أول دستور عراقي) في 21 آذار 1925، وثورة 14 تموز 1958، وإسقاط نظام صدام 2003، وإعلان دستور 2005، وانسحاب القوات الأمريكية 2011، تعد جميعاً أحداثاً قابلة لإذكاء صراع السرديات بشأنها بدرجة ما، خصوصاً في ظل الاستقطابات المذهبية والعرقية الحالية. فكل هذه الأحداث معبأة بشحنة انفعالية مباشرة أو غير مباشرة في المخيالين السياسي والاجتماعي، إما نابعة من استقطاب ايديولوجي حاد، أو من تنازع طائفي حول امتلاك السردية، أو من خلاف على تعريف "الوطنية" في سياقات متعددة.

أما الاستقلال عن بريطانيا والانضمام الى عصبة الأمم في 3 تشرين الأول 1932، فلعله التأريخ الأكثر حياداً والأقل شحناً بعواطف ما دون الدولة وما دون المواطنة، من بين الأحداث الأخرى، ليكون يوماً جامعاً لفكرة الدولة الفتية الخارجة لتوها من شرنقة التبعية والماسكة بأولى حقوق السيادة. هذا اليوم يمكن أن يحقق اختزالاً صفرياً نسبياً لتنازع السرديات، نظراً لرمزيته (نهاية الانتداب البريطاني أي "الاستقلال" حتى وإن كان جزئياً ومتصلاً بقيود مع البريطانيين تنتقص من السيادة آنذاك)، ولعدم ارتباطه بحراك مجتمعي ذي إشكالية مذهبية أو ايديولوجية (كثورة العشرين وثورة 14 تموز)، أو بتنصيب ملكٍ غير عراقي (فيصل الأول)، أو بخيار خلافي يتصل بأزمة تعريف مفهوم "الوطنية" بعد 1920 وبعد 2003.

إن هذه الرؤية السيكوسياسية -القابلة للنقاش المخالف- لا تلغي إمكانية الاحتفاء الرسمي أو الشعبي ببقية الأحداث المذكورة قبل قليل أو ببعضها تبعاً لقيمتها الموضوعية المؤثرة، إذ يمكن أن تكون جميعاً أجزاءً من الذاكرة السياسية الشرعية المعاصرة للمجتمع والدولة في العراق، بما يرضي جميع الأطراف.

إلا أن اليوم/ العيد الوطني – في المرحلة الخلافية الحالية- يُنتظر منه أن يمثل المنطقة الصفرية التي تنأى قدر الإمكان عن الأدلجة والتطييف والقومنة، وتقترب قدر الإمكان من التماهي بسردية وطنية جامعة. فإعادة بناء هذه السردية في بلدٍ يعاني من أزمة البحث عن معالم ورمزانيات مشتركة، يتطلب إعادة تجميع المخيال السياسي والاجتماعي حول قضايا أساسية يكون الخلاف بشأنها أقل ما يمكن، ما يسمح للدولة أن تعيد موضعة نفسها بوصفها كياناً مختصاً – من بين أشياء أخرى- بتنظيم العلاقة سلمياً بين تاريخ المجتمع ومستقبله السياسي.

تنويه: هذا المقالة كُتبتْ بمناسبة صدور مشروع وزارة الثقافة باختيار يوم 3 تشرين الأول 1932 يوماً وطنياً لجمهورية العراق. وهو مشروع تمت إحالته إلى مجلس النواب للتصويت عليه.

  كتب بتأريخ :  الخميس 10-09-2020     عدد القراء :  40       عدد التعليقات : 0