التداخل السردي والشعري في مجموعة ( نزيف الجبل ) للقاص نواف خلف السنجاري
بقلم : إضاءة نقدية / قاسم حسين
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

القصة القصيرة جداً جنس أدبي ظهر حديثا ليُلبّي حاجات الإنسان، وليطرح أفكاره بأقصر عبارات ممكنة، وهذا القصر ( الإيجاز / التكثيف ) مهم جدا في أي جنس أدبي، ولا سيما القصة القصيرة جدا. ولهذا الايجاز أسباب كثيرة ومعروفة، ولا يمكن أن يكون ذلك القصر عشوائيا بل مدروسا وهادفا وهنا تكمن الصعوبة ( القصة القصيرة ليست بحاجة إلى الطول ، ولكن جعلها أقصر هو ما يستغرق وقتا طويلا ) " هنري ديفيد ثورو : ص21 / نزيف الجبل "

ويمكن تعويض هذا القصر ببعض التفصيل والإيضاح مثل (عنوان) القصة القصيرة جدا، ففي كثير من الأحيان لا يمكن الوصول إلى غاية الكاتب دون وجود (عنوان) متناسق مع مضمون القصة.. لذلك يُعدّ العنوان من العناصر المهمة في هذا الجنس الأدبي رفقة العناصر الأخرى من الحبكة والمفارقة والزمكان والقفلة المدهشة والبداية الجاذبة ورُقي اللغة والنفس السردي الطويل والرمز والإشارة، ولا يمكن التغاضي عن الدور الشعري في هذا الجنس الأدبي كون أنّ جميع الأجناس الأدبية تشترك في بعض العناصر والأدوات مع بعضها البعض، وسبب ذلك هو الأهداف التي تتشارك فيها هذه الأجناس. ويمكن ملاحظة ذلك في كتاب ( نزيف الجبل ) للقاص والشاعر نواف خلف السنجاري الذي هو موضوع قراءتنا، فقد مرّت عليّ بعض قصص هذا الكتاب سابقا قبل الطبع وركّزت انتباهي عليها آنذاك قبل أن يتكفّلَ الاتحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق بطباعته.. القاص السنجاري غني عن التعريف في مجال القصة القصيرة جداً وقد خدم هذا الفن عربيا وعالميا وحصد جوائز كثيرة في هذا المضمار ونشرت له الكثير من المجلّات والجرائد العربية والعالمية وترجمت بعضها الى لغات مختلفة ..

تتميّز قصص هذه المجموعة ببعدها الانساني النبيل لأنها نتاج تجارب ذاتية، فالقصة القصيرة جدا هي اقتناص اللحظة، كما غلب على معظم القصص طابع الحزن لأن أبطالها في الغالب ينتهي الأمر بهم بالموت المأساوي، أو يطرح من خلالهم أسئلة وجودية، أي أن الشخصيات عنده ليست عبثيّة أو ورقية وخير مثال على ذلك قصص ( خوف مزمن / خلاص / مكالمة ) حيث يسرد من خلالها واقع الإنسان السنجاري المضطهد الخائف من الانقراض، كما أن المكان عنده ليس نزهة أو حديقة بل في الغالب ساحة حرب أو خيمة ممزقة كما في قصص ( حكاية للأطفال / ساندريلا سنجارية / مستنقع ) ومن هنا كان اهتمامه بالشخصية السنجارية فاعطاها مساحة واسعة وتركيز كبير.

امتازت قصص نواف السنجاري بالنفس الشعري لكونه قاصا وشاعرا فاعتمد في سرده على التشبيهات والاستعارات والمجاز والفنون البلاغية الأخرى دون أن يخرج عن نمط القصة القصيرة جدا، ومن الأمثلة على ذلك: عندما شبّه فردة الحذاء بقطعة آثار قديمة في قصة (ساندريلا سنجارية)، وقوله في قصة (خلاص) : حين هطل الليل... اجتاز عتبة اللوحة كناسك في معبد.. لقد كان اعتماده على هذه الصور الشعرية للإقناع والإمتاع واشغال المتلقي بالنص، مما يعطي أيضا فسحة للتأمل والتأويل ..

في الكتاب القصصي الثالث للمؤلف ( نزيف الجبل ) نجد ما أسلفتُ ذكره من عناصر التشويق، مع إمكانية عالية في طرح المواضيع بنفس سردي وشعري مذهل. أن اختيار (نزيف الجبل) عنوانا للكتاب هو ناتج لما تعرّض له الكاتب من صدمات، فقد أسند النزيف إلى الجبل - يقصد به جبل سنجار- الذي طالما نزف أيما نزيف أبان اجتياح ( داعش ) للمدن والقرى الأيزيدية في سنجار وبعشيقة وبحزاني في آب 2014، ولا أريد أن أسرف في شرح تلك المعاناة التي سنراها في الكثير من قصص هذا الكتاب الذي غلب عليه مصطلح الموت والحرب والسواد والقتل وكل ما يتفرع عن الدمار والخراب والسبي والاغتصاب، ففي قصّة ( خلاص ) ص81 يتطرق القاص السنجاري إلى موضوع إنساني خطير يختصر ملف النزوح ومعاناته.. وما يمكن ملاحظته أن أغلب أبطال قصصه يموتون ببطء نتيجة تلك المعاناة كما في هذه القصة وقصص ( ساندريلا سنجارية / احتضار / طفلة ) وغيرها الكثير من نصوص هذه المجموعة.. لقد مزج الكاتب قصصه بين الواقع والخيال، والذات والذات الآخر، فكانت موضوعات الكتاب قريبة من وجدان المتلقي، فضلا عن البعد المعرفي الذي أسرده المؤلف من خلال عنصر ( الزمكان ) ..

كنتُ أتمنى لو أن قصصا أخرى كما في قصة (حمامة- المهدة إلى نادية مراد) والتي انتهت ببعض الأمل والتمسّك بالحياة، ولكن القاص نواف السنجاري برّر هذا الأمر فقال ذات احتفاء به: ( عندما كتبت هذه القصص كان كل شيءٍ يحتضر أمامي ويموت بصمت ويقصد بذلك فترة النزوح فخرجت القصص هكذا دون وجهة أمل )

ولا يخفى على القارئ ما عرضه الكاتب من جوانب مثيولوجية وتاريخية عن ديانته الأيزيدية في مجموعته (نزيف الجبل) فعبّر عنها بالطبيعة تارة، وباللون تارة أخرى مثل (الأبيض) لما له من دلالة وقدسية عند الأيزيديين ..

ـ من سمات الكتاب :

1ـ الايجاز والتكثيف وعدم الاستطراد

2ـ الرمز والايحاء والتشويق ودقّة اختيار المعاني

3ـ البعد الإنساني والبعد المعرفي والتاريخي

4ـ المفارقة والسخرية من بعض التناقضات في الحياة

5ـ المزج بين التخيّل والواقع  

6- النفس السردي والنفس الشعري

7ـ متانة اللغة وجودة الأسلوب

ـ ملخص: يركز هذا الكتاب على عدة أمور منها :

1ـ الرفض: رفض كل أنواع الخراب والدخان والاغتصاب والسبي والموت ...

2ـ الولاء للوطن: كما في قصة ( ذيول )، وليس الأشخاص

3ـ تقبّل الآخر المختلف

4ـ الوقوف على معاناة الأيزيدين وإعطائهم حق العيش الكريم وحق الرأي وبقية الحقوق

5ـ الأمل: وكان قليلا نسبة إلى الموت ويعود السبب إلى توقيت كتابة هذه القصص ومناسباتها الخاصّة

ـ ويمكننا عرض ثلاث نماذج قصصية من هذا الكتاب :

1ـ ( أرقام ) :

( حين رحل عن قريته كان فيها نصبا تذكاريا واحدا، و ( 74 ) منزلاً ...

حين عاد كان هناك ( 74 ) نصبا تذكاريا ، ومنزلا واحدا ! )

2ـ ( زيارة )

( الحرارة داخل الخيمة لا تحتمل، تعبت يده الواهنة من تحريك قطعة الكرتون فوق وجه طفله المريض .. فجأة هبّت نسمة منعشة تحمل معها عطر ربيع الجبل، إلتفت الأب فرأى زوجته (المختطفة) منذ أكثر من عام تبتسم لهم بحنان ، وتمرّ أمامهم كطيف.. حينها كان الصغير يغطّ في نوم عميق، ويحلم بالأزهار والعصافير )

3ـ ( طوق )

( بيده الغليظة يمسك شعر العجوز الأشيب، وينحره كخروف، تتخضب شوارب القتيل الكثة بالدماء

لكن الطوق الأبيض الذي يحيط رقبته يظل ناصعا كالثلج ! )

أخيرا : أتمنى أن أكون قد وفقتُ في عرض الكتاب بالصورة التي تليق به، ولا أخفي أنني تألّمت واستمتعت واندهشت وأنا أقرأ قصص هذه المجموعة وما ترتكه علي من أثر حسن. وآمل أن تنال مجموعة (نزيف الجبل) ما تستحق من اهتمام ونقد ودراسة.

  كتب بتأريخ :  السبت 19-09-2020     عدد القراء :  120       عدد التعليقات : 0