الدور الوطني لمسيحيي العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة( الجزء الثاني)

ذكرت في الحلقة السابقة دور المسيحيين في حركة اليقظة العراقية وخاصة في المجال الفكري. ومن أجلى الصور لهذه اليقظة ظهور رجال ونساء في المجال السياسي والثقافي والإجتماعي إنخرطوا في حركة النهضة الوطنية العراقية التي قامت بعد منتصف القرن التاسع عشر والتي تمخّضت بقيام الدولة العراقية الحديثة في 23 من آب 1921، وكان طموح المسيحيين مع إخوتهم المتنورين من المسلمين وبقية مكونات الأمة العراقية أن يقوم نظام الحكم الجديد على أسس ديمقراطية من عدل وحرية ومساواة على غرار الدول الأوربية التي إستقرت تجاربها الديمقراطية بعد صراعها العنيف مع أنظمتها القديمة ورجال الدين، ووضع التشريعات التي يجب أن تُطبق على الجميع وتؤهلهم لمعرفة حقوقهم وواجباتهم تجاه الدولة العراقية وإدانة السلطة السياسية المطلقة وضرورة تقييد سلطة الملك أو الحاكم بالدستور وإطلاق الفكر الإنساني من كل قيد. فعِبرَ الحرية يمكن للفرد أن يُحقق الإبداع على المستوى الشخصي ثم الوطني، وان يتمتع الإنسان بكل مافيه نفع له دون الإضرار بغيره. كما دعى المثقفون المسيحيون إلى إلتزام الحكومة الجديدة بالمعاهدات الدولية التي تخص حقوق الأكراد والشيعة والمسيحيين واليزيديين والصابئة. ولكن للأسف إتّضح في تشكيلة أول حكومة وطنية عراقية أنها تضم عناصر متأثرة بالعقلية الإستعلائية التركية، وأن معظمهم من المذهب السني ومن العسكريين والموظفين العراقيين في الحكومة العثمانية والذين إلتحقوا بثورة الشريف حسين بن علي والد الملك فيصل الأول، رغم أن الملك فيصل الأول كان شخصية متنورة نال قبول معظم مكونات الأمة العراقية. فهو سني المذهب يُرضي أهل السنة، وهو قُريشي علوي يُرضي أهل الشيعة ولنسبه النبوي يُرضي ألأكراد والتركمان ولتأثره بأنظمة الغرب الديمقراطية يُرضي المسيحيين واليزيديين والصابئة، واستطاع الملك فيصل أن يؤسس دولة من هذه المكونات العراقية حيث ذكر في مذكراته أن ولاء العراقيون كان للطائفة والمذهب والعشيرة أكثر من ولائهم للدولة.

مخاوف من الحكام الجدد وتنكر بريطانيا لوعودها

إن التوجه الشوفيني لبعض الحكام الجدد المحيطين بالملك فيصل الأول وتنكّر بريطانيا لكثير من وعودها للأكراد والمسيحيين العراقيين أدى إلى تخوّف  المكونات العراقية كالأكراد والشيعة والمسيحيين من رفع الإنتداب البريطاني عن العراق قبل موعده المقرر بأكثر من عشر سنين حيث تضمنت إتفاقية 1930 بين العراق وبريطانيا:أن العراق سيصبح دولة مستقلة ذات سيادة كاملة بحلول 1932، ولذلك إنهالت على عصبة الأمم العشرات من المذكرات تُطالب بعدم رفع الإنتداب البريطاني عن العراق وعدم تسليم الحكام الجدد مصير مكوناته. وكان لهذا التخوف ما يُبرره نظراً لما تعرضت له مكونات الأمة العراقية من أكراد وشيعة ومسيحيين ويزيديين من قمع واضطهاد وتنكر لأبسط حقوقهم، ففي عام 1932 قُمعت حركة برزان بقيادة الشيخ أحمد وشقيقه مصطفى البرزاني كما تنكر الحكام الجدد للوعود التي قطعوها للشيخ محمود الحفيد بعد أن كانت الحكومة العراقية الجديدة والبريطانيين قد إعترفوا به حاكماً لمدينة السليمانية، وقُمعت حركته المطالبة بكيان كردي مستقل. وفي آب 1933 إستغلت حكومة بغداد غياب الملك فيصل للعلاج خارج العراق وارتكبت مجزرة رهيبة ضد الآشوريين راح ضحيتها أكثر من ثلاثة آلاف شهيد لا لجريمة إرتكبوها بل لمجرد مطالبتهم بالإستيطان المتجانس وحقوقهم التي أقرتها المعاهدات الدولية بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى. كما قُمعت حكومة بغداد بوحشية حركة اليزيدين بقيادة داؤودي عابد داؤد لمقاومتهم قانون التجنيد الإلزامي عام 1936.

في هذه المرحلة رأى بعض المسيحيين أن إصلاح الوضع يكون بالمشاركة في مؤسسات الدولة والضغط من خلال البرلمان والوزارة والصحافة العلنية للحد من تأثير الأشخاص المتشددين ودعم الشخصيات المتنورة وتوجهاتهم لخلق عراق ديمقراطي تعددي يضم الجميع بخيراته الوافرة. بينما رأى البعض الآخر من المسيحيين مع الكثيرين من مكونات الأمة العراقية عدم المشاركة في مؤسسات الدولة والعمل مع المعارضة الوطنية لأن طبيعة السلطة الجديدة بالرغم من بعض سماتها الإيجابية وعلمانيتها إلا أنها إعتمدت على كبار الإقطاعيين وربطت العراق مع بريطانيا بمعاهدات قيدت إستقلاله وشلّت حركته للإنطلاق بخطط تنمية واعدة.

سأتكلم باختصار عن بعض الشخصيات السياسية المسيحية التي عملت مع السلطة السياسية وبعضها التي عملت مع المعارضة، والبعض الذي كان ينتقل من صفوف السلطة إلى صفوف المعارضة عندما يشعروا بخطورة توجهات السلطة على إستقلال العراق كما حدث عند توقيع معاهدة بورتسموث في 1948 وكيف قدّم الكثير من النواب المسيحيين إستقالاتهم إحتجاجاً على قمع السلطة للتظاهرات الرافضة لبنود المعاهدة.

إن سيرة حياة هذا العدد القليل من الشخصيات السياسية المسيحية التي أتكلم عنها، هي عيّنة أسماء إخترتها من بين آلاف الأسماء ليتجلى للقاريء الكريم الحضور المسيحي في إرساء دعائم الدولة العراقية.

بعض الشخصيات المسيحية التي ناضلت من خلال مشاركتها في مؤسسات الدولة العراقية

1- الخوري يوسف خياط 1903-1947 /شخصية وطنية مسيحية عمل فترة من حياته مستشاراً للملك فيصل الأول. أُنتخب في أكثر من دورة عضوراً في مجلس النواب. سافر إلى لندن مرتين ضمن الوفد العراقي المفاوض مع بريطانيا.

2- نجيب الصائغ / ولد في الموصل من عائلة مسيحية معروفة بحبها للعلم. عمّه هو المطران العلامة سليمان الصائغ. أنهى نجيب الصائغ دراسته الإبتدائية والثانوية في بلدته الموصل ثم دخل كلية الحقوق في بغداد وتخرج منها في ثلاثينات القرن الماضي. عمل في المحاماة لأكثر من خمسين عاماً. أُنتخب نائب رئيس نقابة المحامين العراقيين بعد ثورة 1958. وفي عام 1960 عُيّن سفيراً للعراق في بيروت وقائماً بأعمال السفير في قبرص.

3- الدكتور وديع جبوري 1909-1981 / دكتوراه طب جامعة جنيف(سويسرا) اُنتخب لأكثر من دورة عضواً في مجلس النواب عن لواء البصرة بين 1935-1944.

4- رزوق أنطوان شماسي 1914- 1981 / أنهى دراسته الأعدادية في بيروت ودخل كلية الحقوق في بغداد وتخرج منها عام 1937. شارك في حركة مايس 1941 وحكم عليه لمدة سنتين. أُنتخب نائباً عن لواء بغداد عام 1952 كما أُختير عضواً في مجلس الإتحاد الهاشمي عام 1958.

5- يوسف حبيب أوفي 1875-1965/من وجهاء بغداد في العهد العثماني. تسلم مهمة نائب مدير خزينة بغداد عند تأسيس الدولة العراقية الحديثة. اُنتخب نائباً في مجلس النواب للأعوام 1933  ،1934 -1937.

6- الدكتور  حنا زبوني 1870-1938/ في العهد العثماني عمل أستاذ في كلية طب أستانبول وعند تأسيس الدولة العراقية الحديثة اُنتخب عضواً في المجلس التأسيسي العراقي (أول مجلس نواب وطني عراقي).

7- يوسف عبد الأحد/ من مسيحيي البصرة تكلمت عنه في الحلقة الأولى. إنه من وجهاء البصرة وعضو مجلس إدارة الولاية في العهد العثماني. أُنتخب عضواً في أو ل مجلس تأسيسي عراقي بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة كما أُنتخب نائباً عن البصرة للأعام 1928 و 1930.

8- يوسف سركيس 1884-1978/ ولد في بغداد من عائلة مسيحية ثرية قام برحلة إلى بعض الأقطار الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى. أُنتخب نائباً سنة 1933-1934.

9- وزير المالية المخضرم يوسف رزق الله غنيمة 1885-1950/ عمل في بداية حياته في التجارة واشترك في إصدار جريدة صدى بابل عام 1909، وفي عام 1919 أسس مع جماعة من أصدقائه مكتبة السلام وهي نواة المكتبة الوطنية العراقية. وفي عام 1923 عُيّن لتدريس مادة تاريخ مدن العراق في دار المعلمين العالية. وفي عام 1925 أُنتخب نائباً عن لواء بغداد وأصبح وزيراً للمالية عام 1928 وتكرر إستوزاره  لوزارة المالية أكثر من مرة، وفي عام 1944 اصبح وزيراً للتموين. إشتهر بمؤلفه نزهة المشتاق في تاريخ يهود العراق كما كتب في عدة صحف عراقية وعربية ونشر عدة قصص وروايات.

10- يوسف  رسام 1891-1959/ ولد في الموصل، وعمل ملاحظاً في وزارة الداخلية عام 1922، ثم قائمقام سنجار، ثم معاون رئيس تسوية حقوق الأراضي في الموصل. اُنتخب نائباً عن لواء الموصل للأعوام 1954-1958. أُغتيل في آذار 1959 في حوادث الشواف.

11- البطريرك يوسف عمانوئيل توما الثاني 1853-1947/ تكلمت عنه في الحلقة الأولى باختصار وتطرقت إلى بعض مواقفه الإنسانية أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي هذه الحلقة سأتكلم عن موقفه الوطني من قضية عائدية لواء الموصل، حيث إستطاع أن يوحد مواقف وجهاء الموصل وأطرافها من مسلمين ومسيحيين ويهود ورفعوا تقريرهم بواسطة البطريرك عمانوئيل إلى رئيس اللجنة الأممية لايد ونر الموفدة لإستفتاء الأهالي. وعندما قدمت لجنة عصبة الأمم إلى الموصل وطلبت رأي البطريرك الكلداني إنتدب بدلاً عنه نائبه المطران يوسف غنيمة الذي ألقى خطاباً باللغة الفرنسية بأسم جميع أهالي الموصل. ومما جاء في خطابه: الهيئة الأممية هي اليوم أعدل مؤسسة إنسانية في العالم، ونحن واثقين بان قضيتنا الشرعية مودعة إلى أيدٍ صالحة. ولكوننا ممثلين لشعبنا فنحن أحق بالتعبير عن رغبة جماهير الأهالي التي تُطالبكم بحقها في الحياة بحرية وكرامة وأن تتمتع باستقلالها الناجز، وعند مقارنة الماضي بالحاضر حصل الإقتناع عند الجماهير أن الحياة الكريمة لا تتوفر لهم إلا إذاكانت الموصل مضمومة موحدة مع الدولة العراقية الحديثة، لذلك نطالب الهيئة الأممية التي تُمثّلوها إيها السادة بتحقيق مطالبنا. وختم خطابه قائلاً تحيا العدالة. وهكذا أقرّت عصبة الأمم في 13 من كانون الثاني 1926 عائدية لواء الموصل للدولة العراقية. وتقديراً لجهود البطريرك عمانوئيل ومواقفه الوطنية تم تعيينه عضواً في مجلس الأعيان العراقي لحين وفاته عام 1947.

تميّز  النشاط السياسي لمعظم المسيحيين بالطابع الوطني أو القومي، وكانوا في مقدمة المدافعين عن حقوق وخصوصيات المكونات العراقية، لأنهم أدركوا بحسهم الوطني أن العراق لايمكن أن يستقر إلاّ بتمتع جميع مكوناته بحقوقهم القومية والدينية وتُحترم خصوصياتهم، وفي مقدمة تلك الشخصيات البطريرك إيشاي مار شمعون أيشاي 1910-1976 ، الذي عاصر مذبحة سميل في 1933، ودافع عن حقوق شعبه في المحافل الدولية، وعلى إثرها تم نفيه من قبل حكومة بغداد إلى قبرص. كما إشتهر  الناشط القومي يوسف مالك من مواليد بلدة تلكيف الذي أفنى عمره من أجل الدفاع عن شعبه، ونالته الملاحقة والتشريد والنفي من قبل السلطات العراقية آنذاك،وقد إشتهر كتابه الموسوم "الخيانة البريطانية للآشوريين"، كما لايفوتنا اسم الناشط القومي الوطني الدكتور مجيد خدوري  1909-،  2001 و الشخصية الوطنية يوسف سلمان يوسف من مواليد بغداد ،1901، والقائمة تطول بأسماء المسيحيين العراقيين المساهمين في العمل السياسي الوطني ضمن احزاب ثورية او وطنية.  وقد تصدى الكثير من المسيحيين لسياسة عبد الكريم قاسم(بالرغم من وطنيته الخالصة) وأعربوا عن إحتجاجهم بالمذكرات والمظاهرات المُطالبة بوقف القمع ضد الأكراد بعد إنتفاضة أيلول 1961. ففي يوم 18 من كانون الثاني 1963 سقط الشهيد يوسف بولص شعا من قصبة باطنايا برصاص الشرطة وهو يرفع لافتة على عمود الكهرباء في بغداد تُطالب بالسلم في كردستان. كما برزت شخصيات مسيحية شاركت في ثورة أيلول 1961 كالأستاذ المحامي جرجيس فتح الله وآخرون، وأُستشهد الكثير منهم وهم يصدون القوات العراقية والمتعاونون معهم من شيوخ الأكراد وفي مقدمة هؤلاء الشهداء، الشهيد هرمز مالك جكو  ورفيقه كوريال أوراها ججو  والشهيد فرانسو  حريري  والشهيد قيصر منصور  حجي  والشهيد حميد إلياس حنو  والشهيد بطرس هرمز جركو   والشهيد فؤاد شمو  و الشهيدة ماركريت جورج أول إمرأة تحمل السلاح وتلتحق بانتفاضة أيلول  وغيرهم كثيرون لامجال إلى إحصائهم في هذه العجالة. وقد شاع أسم الشخصية الوطنية البارزة: الأنصاري توما توماس اثناء الثورة الكردية، وعُرف بدوره النضالي الشجاع في مقارعة الظلم والتفاوت الطبقي والديني والقومي،، واُستشهد أحد ابنائه مخطوفاً من قبل السلطات، كما أُستشهد من أبناء عمومته أيضاً خيري وطلال أخوي الشخصية المعروفة صباح توماس. وكان للمرحوم توما توماس مكانة مرموقة في قلوب أهل المنطقة واستطاع بدماثة خلقه وشجاعته كسب ود مختلف أطياف الشعب ،مسلميهم ويزيدييهم قبل مسيحييهم، كرداً وعرباً، فقد نذر ذلك الرجل حياته من أجل مواقفه الوطنية وتصديه للنظم الشمولية والقومية المتطرفة التي لاتعترف بحق أحد من القوميات الأخرى والتي سعت إلى تعريبها، ولاتؤمن بالمساواة بين فئات الشعب المختلفة. لقدأُستشهد من رفاقه عدداً كبيراً ولاحقت السلطات أفراد عائلته واقربائه دون هوادة أو رحمة. ومن الشخصيات السياسية الوطنية الأخرى التي اُستشهدت في السجن الياس كوهاري، من خيرة قادة الحركة الوطنية، هذا، وكان للحركة القومية شهدائها من شعبنا (الكلداني السرياني الآشوري) من الذين طالبوا بالحقوق القومية والثقافية لشريحة عراقية أصيلة من المكون العراقي الأصيل من أحفاد بابل وآشور، وقد برزت من هذه الحركات القومية الحركة الديمقراطية الاشورية، التي قدّمت عشرات الشهداء في نضالها من أجل عراق ديمقراطي حر وضمان الحقوق القومية لشعبنا،  وكان قد أُعدم ثلاثة من قادة الحركة من قبل النظام البعثي، وهم: يوسف توما هرمز، يوبرت بنيامين شليمون، يوخنا ججو إيشو، وقد أفلت من قبضة النظام قائدهم يونادم كنا والتحق هو وقواعد من الحركة الديمقراطية الآشورية بالجبهة المعارضة للنظام في كردستان.

ويجب ان يعلم القاريء العزيز  أنه من الصعب حصر أسماء كل السياسيين المسيحيين العراقيين، أو المستقلين على غرار كامل قزانجي1907-1959،والناشط القومي المسيحي  نوئيل رسام 1910-1990، واكتفينا ببعض الرموز، كما لم نتطرق إلى الشهداء المسيحيين من غير السياسيين الذين طالتهم يد الإرهاب وفي مقدمتهم المطران الشهيد فرج رحو ، لأن القائمة تطول ، لابل يستحق موضوع الشهداء المسيحيين، من السياسيين وغير السياسيين مقالات متتابعة عديدة تخرج عن سياق هذا المقال. كما لم نتطرق إلى السياسيين من الشخصيات العاملة في مؤسسات الدولة حالياً، لأعتمادنا على السرد التاريخي فقط..

وإلى الحلقة الثالثة في العدد القادم في مقال آخر، نتناول فيه دور المسيحيين الوطني في بناء العراق في مجالات أخرى كالموسيقى والفن.

  كتب بتأريخ :  الجمعة 09-10-2020     عدد القراء :  552       عدد التعليقات : 0