الأحزاب المُنقرضة!
بقلم : محمد حميد رشيد
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

بفعل تسارع وتطور الجدل السياسي العالمي والإقليمي والمحلي (تصاعد الديالكتيك) والتطور السياسي الدراماتيكي المتسارع والمثير والمذهل والذي أفرز الكثير من الأحزاب والجهات السياسية غير المتلائمة مع الواقع المعاصر وهي في طريقها للأنقراض بسبب فشلها في فهم هذا التطور وأعتمدت على قوة السلاح والمليشيات في فرض أفكارها حتى أصبحت من أهم أسباب بقائها والتحمت التحاماً وجودياً بها والتي لم تستوعب خصائص هذه المرحلة السياسية وتحدياتها الفكرية والسياسية والتنظيمية وأفاق تطورها المستقبلية.

تاركين الدعوة العقائدية التي كانوا يتبنوها ولم يعودوا مهتمين بالرؤيا المستقبلية ولا التحديات الحضارية وأنخرطوا بكل قوة في النهل من فساد السلطة وخزائنها ومن مناصب فضفاضة عليهم فأمعنوا في تهديم الدولة وفي زيادة الفساد والفشل تاركين الدعوة والعقيدة وراء ظهورهم إلا بالقدر الذي ينفعهم ويحقق طموحاتهم السياسية والشخصية ويبرقعهم ببرقع ديني.

وقسم آخر فرض (ثوابته العقائدية) في غير مجالها في عالم السياسة الذي سمته التغيير وموازنة المصالح والمفاسد وعدم الثبات والتطور والتحديث ومواجهة الواقع ومتغيراته وتغيره وتبديله في صراع قوى متبدلة ومتغيرة.

ومنهم من وقف في وسط الطريق حائراً بين عقيدته ودعوته ومثله وضريبة العمل السياسي والحزبي وبراغمياته! وفشل في كليهما .

ووسط كل هذا هناك من يريد أن يفرض المثالية في عالم السياسة المغرق في الواقعية التي تغلب عليه البراغماتية والمصالح وأحياناً يتعسف في فهم مثله وثوابته وفرضها على الواقع بتعسف شديد ، بل هو مازال بغياب منقطع النظير عن أبجديات الصراع السياسي الحقيقية وتطوراته ويريد فرض نظرياته وكتبه السياسية القديمة التي مرت عليها قرون وأكل الدهر عليها وشرب وهي في كل الأحوال لا تنفع في معالجة الواقع ولا في رسم أبجديات الصراع السياسي وإدارته. وهم في خلط كبير بين (النظرية السياسية) والأدوات و وسائل (الصراع السياسي الميداني).

وقد تكون قسم من تلك الإجتهادات السياسية مصيبة أو مخطئة في مثل أوضاعنا المعاصرة الخاصة ولكنها غير ملائمة تماماً في الأمور السياسية العامة المعاصرة .

ومن هذه القوى من وقع أسيراً لقوى برغماتية أذكى منه سياسياً فأستغلت سذاجته العقائدية وشجعته على (الثبات) وعدم التطور وخلطت عليه الثبات القيمي والعبادي والمبدئي وأقنعته بأن الثبات السياسي هو جزء أصيل لا يتجزء من الثبات على القيم والمبادئ وتلك (خدعة كبرى) وقع فيها بعض القوى السياسية الإسلامية ولم يقع فيها حتى الرسول صلى الله عليه وسلم ((رغم أن التدافع والتنافس وعدم الثبات سمة من سماة خلق الله بشكل عام (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ  إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.)) الحج(40)•

ونجد أن من أوحى لهم بالانعزال السياسي والثبات على العقيدة واقنعهم به يمارس هو ذاته أبشع الوسائل السياسية في أقصى براغميتها ليحقق ما يستطيع من منافع ومصالح وتقدم سياسي !. وهناك من تفرض عليه مصالحه الشخصية الآنية أن يجامل على الباطل ويذهب في المديح والثناء إلى أقصاه ولو على حساب تزوير الحقيقة ويساهم في تظليل بعض الجهات.

والخدعة الثانية أنهم اقنعوهم أن بإمكانهم إختيار أطراف الصراع السياسي وفق مقايسهم هم وفرضو شروط ومواصفات على منافسيهم السياسيين! و وضعوا قاعدة غريبة جداً (أن كل من شارك في العملية السياسية الفاشلة الفاسدة ليس له أي حق أو فرصة للمشاركة في العملية السياسية الجديدة التي سيخوضونها!) متى ؟ وأين؟ وكيف؟ وهذا بلا شك تحييد لقوى شعبية كثيرة وتنحيتهم عن ميدان الصراع السياسي لحساب الفاسدين والفاشلين أنفسهم فضلاَ عن مصادرة حرية الرأي والأعتقاد.

بل هناك من ذهب إلى المصطلحات السياسية ليلقي عليه إجتهاداته ويحملها معاني جديدة (كاشفاً التلاعب بالمصطلحات) أي يحمل المصطلح السياسي ما يشاء من إجتهادات أو ليقصره على معناً واحداً قريباً أو متماشياً مع عقيدته وفكره ليختاره •

كل هذا وأشياء أخرى أدت إلى تقليص دور الأحزاب العقائدية على وجه الخصوص والأحزاب الدينية بشكل عام وإنحسارها التدريجي وتقلصها وتقلص تأثيرها وصولا ً إلى تلاشيها حتى إنقراضها.

هنا أتحدث بعيداً عن طبيعة أفكارها ونواياها ومراميها العقائدية وقد تم مناقشة إنحسارهم العقائدي في دراسة سابقة.

وما بين إحتلال العمل السياسي وإحتكاره ومحاربة كل من يعارضه لأنه يعارض مصالحه هو وتحويل العمل السياسي إلى صفقات تجارية وفساد وسرقة وجريمة وبين الإنعزال عنه بلا فعالية وبسلبية كبيرة فأن موقفه هذا لا يختلف عن من وقف على التل مكتفياً بالنقد والتجريح والمديح!. رغم أن التدافع والتنافس وعدم الثبات سمة من سماة خلق الله بشكل عام.

الإسلاميون بكل من يتسمى بهذا الأسم عليهم أن يستعدوا لمواجهة كل التحديات الحضارية الفكرية والثقافية والسياسية وعليهم أيضاً أن يكونوا في ذاتهم متحضرون بأخلاقياتهم وممارساتهم وأدواتهم بلا تعصب ولا إرهاب بأي شكل من أشكاله.وأن يتخلصوا من كل أجهزتهم وممارساتهم المتوحشة والقمعية وإلا فهم راحلون ومنقرضون .

الحزب العظيم هو الحزب الذي يوفر السعادة والآمان للشعب وهو الذي يتمسك به الشعب فلا تخدعوا أنفسكم ولا يخدعكم أحد وكل ما سوى ذلك منقرض وزائل.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 12-10-2020     عدد القراء :  64       عدد التعليقات : 0