في الذكرى العشرين لرحيل الاب يوسف حبي , اعادة لنشر مقال: (كشف القناع عن حقيقة كاهن)
بقلم : جورج بابانا
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

في الخامس عشر من تشرين الاول عام 2000 وبسبب حادث مروري بين بغداد - عمان   رحل عنا بالجسد الاب الدكتور يوسف حبي اما روحه فأنها ترفرف في الاعالي وفكره المتوقد واراءه المتجددة باقية ما دام هناك كتب واقلام وقراء وكتاب . في هذه الاسطر وفي ذكرى الرحيل اعتمد كلياً على رسالة للاب حبي كان قد ارسلها لصديق جامعي له عشية رسامته الكهنوتية في الاول من كانون  الاول عام 1961 يكشف فيها من هو الكاهن الحقيقي وما هي تطلعاته , وهذا مختصر ما يقوله الاب حبي في رسالته :

" الكاهن اقرب الناس الي الناس بيد ان من يكرهه حتى الموت , ومن يحبه الحب الجم , غداً اتقدم مع 46 اخرين من اكثر من 30 بلداً بيننا الابيض الوردى والاسمر والاصفر والاسود الفاحم نتقدم كلنا نحو المذبح بخطى وجلة مرتعشة ولكنها ثابتة شجاعة والفرح يغمر منا النفس فنضحي كهنة الى الابد بنعمة من الرب الذى اصطفانا ودعانا بسامي حكمته وتدبيره ان نصعد الى قدس الاقداس . انت جامعي كما انا ايضاً  وانت تعرفني حق المعرفة  اذ صداقتنا ليست وليدة الامس بل هي تعود الى ايام الصبا  وانت تعرف ما انا عليه من فضل ربي من الموهلات العقلية ولست اكتمك اني لو اردت لما صعب علي تحصيل اعلى الشهادات العالمية في حقول شتى مما يتيح لي مستقبلاً باهراً في كثير من ميادين الحياة ولكن الرب يدعوني فما علي الا ان البي دعوته.

  انت لك قلب وانا كذلك وانت تسعى نحو العظمة وانا كذلك وانت تحب الحياة كما انا احبها اجل ان للكاهن قلب واي قلب ! قلبه لم يعرف متاعب الحياة المادية و ( و ازمات الحب )  وقلب الكاهن من لحم ودم يشعر بحاجته الى سمير الى رفيق الى يشاطره الامه وافراحه , فلا يلقاه بين البشر وعليه ان لا يلقاه بينهم , فهو ليس من العالم وان كان في العالم , والويل له ان راح يبحث عنه في العالم  , فلن يكون نصيبها لا تحطيم قلبها الجديد الشاب والا الخيانة لوعده يوم سيامته ولاهدافه التي كرس من اجلها حياته برمتها  . وهل من خدمة اجل واسمى من تلك التى يقوم بها الكاهن في سبيل البشرية جمعاء ؟  فالكاهن هو اقرب الناس الى الناس وعليه ان يتفرغ كله الى الله والناس . وحب قلب الكاهن لا يقتصر على عدد معين من الناس صغاراً او كباراً  ولا يتوقف على طبقة او جنس او لون من البنين انه يتسع لكل الاطفال ويحتضن جميع البنين فهو اب للجميع . ثم انت تسعى الى العظمة , والعظمة في مفهومك تتلخص في تحصيلك كرامة لائقة بك من منصب رفيع وسمعة حسنة ومال طائل , ولكن هل اسمى من كرامة الكاهن ؟ فالكاهن جسر بين الخليقة والخالق هو نور العالم وملح الارض ... حقا لو عرف الكاهن كمال عظمته لمات لساعته فوراً كما يقول القديس خوري  ارس ... اما المال فيعيد الى الكاهن مفهومه الصريح  فهو الة و واسطة وعبد ,  وليس محركاً وغاية وسيداً  . وتتيح عزوبة الكاهن له ان لا يسعى بتكالب الى جمع الاموال  اذ لا عقب يخلفها له . وانت تحب الحياة مع ما فيها من مشاكل وتضحيات , فلا شيء اجمل من عطية الحياة وتريدها ابدية لا انتهاء لها . والحياة للكاهن شوط يقطعه متسابقا مع الزمن اذ ليس اغنى من حياة يقضيها المرء في خدمة الله واخوانه كل البشر ولا سيما وان خدماته هي في الطليعة من الخدمات .  

والكاهن مع ذلك رجل , اذا وجهنا عدسة الكرامة الظاهرية وحدها اليه نلقاه كانه عالة على الغير, يستجدي قوته اليومي ولا بيت له ولا مال ولا ارادة يتمتع بها بملء حريته . ولكن متى كان المظهر ليقوم حكما صريحا كاملاً عن الواقع ؟

ان رجل العصر لا يستطيع ان يفهم كنه الحياة الكهنوتية , لانه تعود مقياس الامور بميزان المنفعة المادية واللذة والاعتداد بالذات فيما الكاهن يعلن بأتضاع  ولكن بشجاعة وعلى رؤوس  الملأ  انه للفقر وللفقير الاكبر وللصليب الذي هو عثرة لاهل العصر وشك , وللتواضع الذى يعتبره عالم اليم ضعفاً وسخفاً . انه يترك الاب والام والاخوة والاموال والجاه واللذات ويحمل الصليب كل يوم ويتبع الناصري تلبية لصوت تردد في اعماقه يوماً ولم يقو  ولم يرد اخماده  انه صوت الرب يدعوه . فالكهنوت دعوة الهية والرب يدعو من يشاء  ويختار من يشاء كهنة يواصلون رسالة الرب يسوع رسالة فداء البشرية وسعادتها  . فالكهنوت ليس حرفة او مهنة كما هي الصحافة او الطب او التجارة , انه تكريس ذات انه بذل ذات انه حب  ( وهل حب اعظم من ان يبذل الانسان  نفسه عن احباءه ) ؟  انه الراعي الذي يعرف خرافه واحداً واحداً وان ضل احدها بذل النفس والنفيس حتى يجده ويعيده الى الحظيرة  انه الاب الذي لا تكل اكتافه من العمل ولا يكل قلبه من الحب والتضحية في سبيل ابنائه وهو الام تعصر ذاتها لتقدم لفلذات احشائها اجود طعام واسلمه , وهو , اذ استسلم الناس للراحة , انزوى عاكفاً على الصلاة والتامل  , هو نور للعالم , هو ملح للارض اذا زال او فسد فسدت الاخلاق , والكاهن يعيش كالشمعة المتقدة تنير للاخرين  اما هي فتذوب.  والكاهن رغم هذا كله يبقى بشراً فيشعر بالتعب وخور القوى وتجتاحه هو ايضا موجات عارمة وغيوم حالكة ولعل اللجة تخيفه حيناً في طياتها , فحاول اذ ذاك تفهم وضعه ومطاليب حالته , ولا تقيس الكهنوت بمقياس هذا الكاهن العاثر الحظ. فيا ايها الناس ان (كنتم ممن يدينون الدين بأثام رجال الدين فيا ضياع الجهود التي تبذلون والاحكام التي تصدرون ! فهل رجال الدين الا منكم وفيكم وهل هم غير بشر مثلما انتم بشر ؟)

وتسألني اخيراً يا عزيزي  لماذا انا اعتنق الكهنوت ؟ فاجيبك بصراحة واخلاص  لانني اشعر في قرارة كياني بصوت يسر الي ان للكهنوت  في  طاقة اكبر من الطاقة التي تؤهلني للصيرورة طبيباً او محامياً او قائداً او معلماً او صحفياً او اديباً او عالماً  , ولان قلبي يضطرم بالحب لله ولاخواني كل البشر . وامنيتي ان تدعو لي لكي لا تستنفذ الاتعاب طاقتي قبل اوانها , ولا تخمد العواصف لهبتي المتقدة .

وتقبل خالص تحياتي وعاطر اشواقي  "

هكذا كان يوسف حبي عشية سيامته الكهنوتية  1961 , بدآ نجماً يتوهج بشدة كالشمس واستمر في اضطرامه متزايداً , فكيف وكم يكون يوسف حبي من الكم الهائل في اضطرامه وعطائه وحبه وانسانيته وفكره وفلسفته ومؤلفاته وبذل ذاته من بعد تسع وثلاثون سنة قضاها في خدمة الرب وكل البشر والعلم وعلى طريق الرب  ؟

     

 جورج بابـانـا

 دهوك 2020

  كتب بتأريخ :  السبت 17-10-2020     عدد القراء :  200       عدد التعليقات : 0