صورة المثقف في البلاد

لا أشقَّ ولا أقسى على المثقف من وجوده في واقع سياسي رديء، ومجتمع بائس متخلف -على الذين لا يرون التخلف في مجتمعنا معاينة حجم النفايات في شوارعهم لا أكثر- ذلك لأن المثقف يرى ويعاين ببصيرة روحه لما يحدث، فيتألم، ويقارن بين ما عليه العالم من حوله فيتحسر، وبين الألم والحسرة مسافة رعب كوني، تتقلب النفس فيها على مجمرة التطلع لما سيأتي ويتحقق، وإذا به ينفق العمر كله دونما بذرة في التغيير.

ولأنَّ مفردة (المثقف)ما زالت ملتبسة في التحديد، ومن الذي تنطبق عليه بالتمام والكمال، فسوف أخصُّ المشتغلين في حقول الفكر والمعرفة والفنون الذين منهم الكاتب والشاعر والرسام والموسيقي .. الخ. فهولاء حاملو فكرة التغيير، ويشتركون مع أقرانهم في العالم بذات الرؤى والتطلعات الصانعة للحياة، ذلك لأنَّ أدبيات المعرفة باتت مشتركة بينهم، فما يعرفه الفنان الهولندي عن بتهوفن على سبيل المثال يعرفه الموسيقي في أي بلاد من شرقنا العربي، وها نحن نسارع لقراءة شعر لويز غلوك، الفائزة بنوبل هذا العالم، مثلما سارع الجميع، وعرفنا عنها كل شيء مثلما عرف العالم عنها كل شيء، إلا أن الفارق في الأمرهو مستوى الحياة هناك وحجم الخراب هنا.

تبنى وتتطور المدن عادة بفعل الإدارة الناحجة، وتبلغ تمام نجاحها بمعاضدة المهندس والطبيب وعالم الفيزياء والتاجرووو ثم يأتي الفنان(الموسيقي والشاعر والكاتب والنحات والرسام ..) ليضيف عليها لمساته الأخيرة، وليجعلها باذخة الجمال، أنيقة، مختلفة في أناقتها عن المدن الجميلة الأخرى، وهكذا، شاهدنا المدن في العالم، وظلت صورها تتمرأى في أعيننا، أحببناها، ونتطلع لمعاينتها ثانية وثالثة، هناك هارموني كبير في بنائها، يسهم الكل فيه من أجل خلق أرقى. وهذا لا يتم بطبيعة الحال خارج وعي وتطلع إنسانها التقليدي، صاحب المنفعة في الأول والأخير، فقد تمت تهيئته جسدياً ونفسياً، لتقبل ما يحدث ويقوم، والمحافظة عليه.

ولأنَّ الإنسان غايةٌ كبرى لدى الامم الحقيقية، فقد تنافست الحكومات فيها على بنائه على أتم وجه، لذا، لا نجد تبايناً كبيراً في تكوينه وتفكيره لما يحدث من حوله من متغيرات، فهو يتنعم بما بين يديه من التطور والرقي، وصورته مطابقة الى حدٍّ ما مع صورة المكان الذي هو فيه، لا ينظر لسكنه بوصفه مكاناً منخلعاً في محيطه، كما هو عندنا، إنما تتسع ملكيته لتشمل الشارع والرصيف والحديقة العامة، فهي بمجموعها تشكل عالمه، الذي يجد في الحفاظ عليه قضية مصيرية، فالبحيرة التي يقصدها للتنزه جزء من فسحة السرور، التي يشترك فيها مع أبناء المدينة، والشجرة في الحديقة العامة تخصه جداً، فهي علامة دالة على علاقته بالطبيعة، وهو يتصحر خارجها.

على مسافة لا تتجاوز الـ 200 متر من منزلي يقع سكن عضو في البرلمان، نائب عن أحد الأحزاب الإسلامية، وهو رجل محترم، وبجوار سكنه نهر كان جميلاً جداً، كانت القوارب والى وقت قريب تدخله فارغة وتخرج منه محملة بالتمر والخضار والفاكهة، لكن، وبسبب حملة التجريف والردم، والسكن العشوائي فقد شارف النهر على الهلاك، وصورته اليوم لا تقلُّ قبحاً عن صورة نهري الخندق والخورة، وسط المدينة، فقناني البلاستيك الفارغة تطوف على سطحه مع النفايات المختلفة، ورائحته تزكم الإنوف، لكنه، لا يبعد عن بيت النائب سوى مترين، لا أكثر. أحياناً أحار فأقول: ترى، أيَّ الدرجات الوظيفية يرتقي الانسان لكي تصبح نظرته للحياة أجمل، وفعله أقوى، وتأثيره ابلغ؟ ولماذا لا يقوم النائب ومن خلال وجوده في هرم السلطة بعمل ما للنهر المسكين هذا؟ وكيف يتأمل ناخبُه منه تحقيق مطالبه في البناء وصناعة المدن الجميلة النظيفة وهو غير متنبه لما آل النهر عليه؟

بدا لنا أنَّ إدارتنا السياسية غير معنية بمدننا وتطويرها، بل وحياتنا جميعاً، ذلك، لأنَّ السياسي لدينا يقبل بهلاك كل ما حوله، ولا يرى في الهلاك هذا ما يشينه، فمنظومته الفكرية التي انحدر منها تقول له: بان الحياة لا قيمة لها، وكل شيء هالك إلا وجه، فعلام البناء والتطور في الإنسان والمدن والخاتمة المُرعبة قادمة لا محال؟ وهنا، أعود لمحنة المثقف عندنا، هذا الذي ينظر الى الإنسان بوصفه غاية كبرى، والعناية به، حيث يوجد ويسكن، لا تقل وجوباً عن عبادة خالقه.

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 20-10-2020     عدد القراء :  112       عدد التعليقات : 0