لماذا تخلت إيران عن أرمينيا في مواجهتها مع آذربيجان؟

ترجمة عادل حبه

حتى وقت قريب، ساد الإعتقاد و لأسباب جيوسياسية، وخاصة تعاون أذربيجان الوثيق مع خصوم إيران - إسرائيل وتركيا، بأن طهران تميل صوب أرمينيا في الصراع الدائر في قره باغ.

وفي يريفان جرى تأييد هذا الإعتقاد، وأقنعوا العالم وأنفسهم بأن الجيش الإيراني كان على وشك التدخل في الحرب المتجددة إلى الجانب الأرمني. في الوقت نفسه، في يريفان ، وخاصة في العامين الماضيين تحت حكم ن. باشينيان ، لم يتم إيلاء اهتمام كبير للحفاظ على التحالف الظرفي مع إيران وتعزيزه.

بدلاً من ذلك ، جرى العكس من ذلك ، حيث أظهر باشينيان بكل الطرق الممكنة استعداده لتنفيذ إرادة واشنطن في المنطقة، وبدا وكأنه يتخلى بشكل متعمد عن الدولة الوحيدة (إيران) التي تحتفظ أرمينيا من خلالها بعلاقة أرضية طبيعية مع العالم الخارجي. فلم يكن الطريق عبر جورجيا موثوقاً به أبداً لإنفتاح يرفان على العالم الخارجي. وفي الوقت نفسه، بذلت باكو على مر السنين جهوداً كبيرة لتهدئة خلافاتها مع إيران، آخذة بنظر الإعتبار وجود 20-25 مليون أذربيجاني في إيران، وكذلك سعي باكو من أجل إحداث شرخ في علاقات إيران مع يريفان. ويبدو أن باكو قد نجحت في ذلك. فمنذ إندلاع المواجهات المسلحة الأخيرة، أعلنت طهران بحزم دعمها الكامل لوحدة أراضي أذربيجان وقطعت جميع الإمدادات العسكرية لأرمينيا.

إن التقارير التي تم تداولها بنشاط في بعض وسائل الإعلام بما في ذلك وسائل الإعلام الروسية، تفيد بأن المساعدات العسكرية من إيران لا تزال تأخذ طريقها إلى أرمينيا. ولكن الإيرانيين سارعوا إلى تفنيد هذه الأخبار، واعتبروها "مجرد أخبار كاذبة" ، بل وأيضاً وصفوها بأنها "عمل تخريبي من قبل أولئك الذين يسعون إلى تأزيم العلاقات الوثيقة بين إيران وأذربيجان" .

يشير اتجاه الهجوم الرئيسي الأخير للجيش الأذربيجاني جنوب قره باغ على طول الحدود الإيرانية إلى أن باكو لا تشعر بأي تهديد لها من الجانب الإيراني من نهر أراكس الحدودي. وقد تجلى ذلك بشكل خاص من خلال اختراق القوات الخاصة الأذربيجانية لمسافة 20 كيلومتراً إلى منشأة خديفرين للطاقة المائية الواقع على نهر آراكس ومجموعة من الجسور على نهر آراكس، التي تم نصبها في الفترة بين 17-18 من تشرين الأول الجاري.

لقد تم بناء هذه المنشأة الكهرومائية، التي تضم خزاناً كبيراً وسلسلة من محطات الطاقة الكهرومائية بسعة 280 ميجاوات (1.4 مليار كيلووات ساعة سنوياً) ، وتقع على الحدود الإيرانية الأذربايجانية جنوب قره باغ ، بموجب اتفاقية بين روسيا وإيران. وفي السنوات الأخيرة، ونتيجة لاحتلال القوات الأرمينية لهذه المنطقة، تم الإستفادة منها حصرياً من قبل الإيرانيين على جانبي أراكس. وقد تم الإنتهاء من بناء المنشأة، وتقوم بالفعل بتزويد قره باغ والمناطق الآذربيجانية المجاورة التي تحتلها القوات الأرمينية بالكهرباء. كما جرى الحفاظ ضمن هذه المنشأة الكهرومائية على طريق يربط بين قره باغ التي تحتفظ يرفان بها وإيران.

وأعطت باكو الموافقة القانونية النهائية لاستكمال وتشغيل هذه المنشأة في أيار الماضي. وأعقب ذلك حدوث استياء عام حيث عبرت العديد من وسائل الإعلام الأذربيجانية وأعتبرت ذلك "خيانة وطنية" من قبل قيادة البلاد إلى حد الإتهام بالتواطؤ مع الأعداء. والآن فإن وسائل الإعلام نفسها تراجعت عن هذه الاتهامات، وراحت تتغنى بـ"بركات العبقرية البعيدة النظر" للقائد العام للقوات المسلحة إلهام علييف. في الحقيقة هي أنه وفقًا للاتفاق المشار إليه، سيطر الإيرانيون على منطقة طولها 10 كيلومترات حول المنشأة على جانبي الحدود، وعندما اقترب الأذربيجانيون، نقل الإيرانيون على الفور الجزء المستحق إلى الجانب الآذربيجاني بالطبع، مما سهّل هذا بشكل كبير احتلال الآذربيجانيين للمنطقة بأكملها، والتي تُركت دون غطاء أرمني. ويشير هذا، بشكل غير مباشر ، على الأقل منذ آيار الماضي، إلى أن علييف خطط منذ ذلك الحين لحل قضية كاراباخ بالوسائل العسكرية بحلول نهاية العام، وربما بعلم طهران. وكان على يريفان أن تفهم هذا، لكنهم لم يفهموا. الآن تم قطع كل الطرق المباشرة بين قره باغ ( التي يسيطر عليها الأرمن) وبين إيران، مما سيعقد حتماً إرسال الإمدادات إلى قره باغ بالسلع الأساسية، للجمهورية غير المعترف بها بالسلع ، حتى وإن لم تكن هناك أية قيود على توريدها.

إن تمركز المدفعية والمعدات العسكرية الإيرانية التي تم حشدها إلى الحدود كرد فعل على استخدام الصواريخ والقذائف من كلا الجانبين والتي تحلق باتجاه إيران في الظروف الحالية ، سيهدد أرمينيا أكثر بكثير من تهديده لأذربايجان. ووعدت طهران بفتح النار على القوات التي توجه قذائفها صوب الاراضي الإيرانية. ومع ذلك، فإن الجيش الأذربايجاني ، إذا لم تكن هناك هدنة ثابتة، سيستمر في التقدم من الحدود مع إيران إيران صوب الشمال في اتجاه زانجيلان وممر لاتشين الذي يربط أرمينيا بقره باغ لضرب جناح العدو، مما سيتعين على القوات الأرمينية إطلاق النار جنوباً باتجاه الحدود الإيرانية. وبناءً على ذلك، سيتحمل الارمن غالبية الضربات الانتقامية الإيرانية المحتملة.

إذا تتبعنا التاريخ الحديث الكامل للعلاقات الأذربيجانية الإيرانية، فلا يمكن اعتبار التحول الحالي للأحداث غير متوقع. في التسعينيات، بدأ الطرفان بعلاقات عدائية للغاية. كانت إيران تفكر في نشر الثورة الإسلامية الشيعية التقليدية في أذربيجان، والتي أدت إلى تدهور العلاقات بين البلدين حيث أبقت على أراضيها ما يسمى لواء ماهر جوادوف، الذي هدد بإسقاط النظام في باكو.

وبدورها، وفرت أذربيجان المأوى لبعض هياكل منظمة مجاهدي الشعب الإيراني المتطرّفة (OMIN)، التي تقاتل القيادة الدينية في إيران. وبسبب أساليبها، تم الاعتراف بـمنظمة مجاهدي خلق دولياً كمنظمة إرهابية في ذلك الوقت. في إيران ، كما تم توجيه اللوم لباكو أيضاً على قيامها بتأجيج المشاعر الانفصالية بين المكون المليوني من الأذربيجانيين الإيرانيين.

إنه ليس من المستغرب في حرب قره باغ الأولى ، أن دعمت طهران أرمينيا في الواقع. في أذهان بعض السياسيين الأرمن، كان ينبغي الحفاظ على هذا الدعم إلى الأبد. ومع ذلك، كل شيء يتغير. لقد جرى حتى في عهد حيدر علييف، دعم المنظمات المعادية لكلا الطرفين على أراضي إيران وأذربايجان. وبدأت طهران في التوصل إلى استنتاج مفاده أنه من أجل منع باكو من الوقوع في فخ الاعتماد المفرط على تركيا وإسرائيل، فمن الضروري بناء تعاون قوي قائم على تبادل المنفعة معهم، مثلهم في ذلك مثل الخبراء الإسرائيليين الذين يعتقدون أن نهاية الحرب في قره باغ ستوقظ في أذربيجان الرغبة في استقلال أكبر عن تركيا، ويتوقع نظراؤهم الإيرانيون حدوث تطور مماثل في موقف آذربيجان تجاه إسرائيل. كما لعب الأذربيجانيون الإيرانيون دوراً في دعم طهران لموقف باكو من قره باغ؛ ويكفي القول بأن آية الله علي خامنئي ينتمي إلى الطائفة الآذرية.

لقد بلغ حجم التبادل التجاري بين إيران وأرمينيا مؤخراً حوالي 300 مليون دولار سنوياً، في حين اقترب حجم التجارة مع أذربيجان من 500 مليون دولار. وتهدف طهران بالفعل إلى التعاون بعد الحرب مع باكو، والذي يجب أن يكون اتجاهها الرئيس هو إحداث ممر عالمي للنقل بين الشمال والجنوب، من الهند عبر إيران وأذربيجان وروسيا وصولاً ببحر البلطيق وطريق البحر الشمالي.

إن تقاطع طريق الحرير الكبير العرضي مع خط الطول بين الشمال والجنوب في أراضي أذربيجان سيحولها بلا شك إلى مركز نقل ذي أهمية قارية. ومع ذلك، وفقاً للإيرانيين ، يجب استيفاء عدد من الشروط من أجل أن يؤدي مثل هذا المشروع إلى دخول باكو إلى دوري اللاعبين العالميين المهمين. وخلاف لذلك، ستفضل إيران تطوير طريق بحري عبر بحر قزوين، بدلاً من طريق بري عبر أذربيجان.

ويخشى خبراء السياسة الخارجية الإيرانية، على وجه الخصوص، من أن أذربيجان، جنباً إلى جنب مع جورجيا وبمساعدة تركيا، قد تشارك في حلف الناتو وإن هذا التجمع سيكون في بقعة مجاورة للحدود الشمالية لإيران. ولن يؤدي ذلك إلا إلى تأجيج التوترات وإثارة المخاوف في إيران وروسيا، مما يقوض التعاون الإقليمي. إن مشاكل تركيا في العلاقات مع الغرب، بحسب خبراء إيرانيين، "باهتة" مقارنة بقيمة عضويتها في حلف الناتو والالتزامات الناشئة عنه. بالنسبة لأذربايجان وجورجيا بالذات، فإن مثل هذا التوتر لن يجلب لهما الفائدة، وإن أفضل خيار لهما هو تجميد عضويتهما في الناتو.

ستكون أذربيجان مخطئة إذا اعتبرت أن الدعم غير المشروط لإيران مضمون لها الآن. لا شك أن طهران لن ترضى باحتمال تحرك باكو نحو تركيا وحلف شمال الأطلسي ، خشية ألا تنسى أرمينيا. ومع ذلك، يجب على الأخيرة أيضاً أن تتأمل لماذا فقدت دعم قوة إقليمية مؤثرة مثل إيران؟. علماً أن محاولات يريفان للحصول على دعم خارج المنطقة لن تلبي مصالح باكو أو يريفان.

  كتب بتأريخ :  الإثنين 26-10-2020     عدد القراء :  168       عدد التعليقات : 0