الدور الوطني لمسيحيي العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة( الجزء الثالث)

دور المسيحيون في نشأة وتطوير الموسيقى العراقية المُعاصرة

الموسيقى غذاء الأرواح والمشاعر، نَمت وتطورتْ مع تطور الإنسان منذ العصور القديمة، ودخلت المعابد والقصور الملكية، ورافقت الكثير من الطقوس الدينية، إبتداءً من سومر وبابل وآشور، مروراً بالمسيحية  ثم الإسلام. واحتلت الموسيقى مكانة متميزة في الليتورجيا الكنسية عن طريق الألحان والأناشيد والتراتيل، حيث كان يتم تدريسها للتلامذة في الكنائس والمعاهد الدينية التي كانت منتشرة في العراق. وعند قدوم الآباء الدومنيكان إلى العراق، أدخلوا معهم الآلات الموسيقية، كالأرغون الكنسي، والفلوت، والترامبيت والكلارنيت وغيرها، مما زاد من الوعي الموسيقي وتشجيعه. لذلك برز عدد من الموسيقيين المسيحيين مع بداية النهضة في أواخر القرن التاسع عشر، لعبوا دوراً ريادياً في إحياء التراث الموسيقي العراقي. واشتهروا في الأوساط العراقية والعربية وحتى العالمية، فأثاروا إعجاب الملايين من السامعين بمعزوفاتهم الشجية، وبرع الكثير منهم في تصليح وصنع الآلات الموسيقية والعزف عليها، وساهم هؤلاء الرواد في تاسيس الفرق الموسيقية التي تطورت إلى مدارس ومعاهد موسيقيةز وكان للألحان الكنسية القديمة التي تعود إلى القرون المسيحية الأولى المحفوظة في كتاب(ﮒزّا- كنز الألحان)  والأشحيم وغيرها من صلوات الفرض والتي تناقلتها الأجيال وحافظت عليها. كان لهذه الألحان تأثير كبير في ظهور المقامات العراقية وعدد من الألحان الأخرى على نحو مباشر، عبر الأناشيد والتراتيل والمزامير السريانية، أوغير مباشر عبر الألحان الفارسية والتركية. يقول الشيخ جلال الحنفي في كتاب : المغنون العراقيون والمقام العراقي :" أن معظم عازفي الجالغي البغدادي ومُغَنّي المقامات كانوا إما مسيحيين أو يهود".

 في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، برزت شخصيات مسيحية في تصليح الآلات الموسيقية، منهم: حنا العوّاد (1862—1942) والد الأستاذين الشهيرين(كوركيس وميخائيل عواد) أحد أعلام الموسيقى العراقية المعاصرة، ورائداً من رواد صناعة الآلات الموسيقية وتطويرها، والذي صنع318 عوداً ونحو ألف جنبر و400 قانون و4كمنجات، أما عوده الأخير رقم 318 صنعه عام 1933 . ويُعد هذا العود رائعته الفنية، فأدخل عليه صنوف التفنين من زخرفة وتطعيم وتخريم مايخلب الألباب، وبلغ مجموع قطع الخشب الداخلية في بنائه 18ألف قطعة(حسب ماهو منشور في مقال ولديه). وعزف على هذا العود مشاهير الموسيقيين العراقيين والعرب مثل شحادة سعادة المصري والشريف مُحي الدين حيدر ومنير بشير. كما برز أيضاً الشماس بشير القس عزيز في صناعة العود وهو والد الفنانين(جميل و منير و فكري).

 أما في مجال العزف والغناء فيُعد أسكندر أنطون زغبي (اصل العائلة من حلب) والذي وُلد في الموصل عام 1874 من الرواد في نظم الزجل وتلحينه، رغم أنه كان بصيراً، وعماه منذ الصغر. عمل معلماً للموسيقى في مدرسة الآباء الدومنيكان في الموصل لعدة سنوات يُعلّم آلة الأورغن وغيرها. ولازال الموصليون يرددون أغانيه التي تُعد صوراً إنتقادية لأحوال الموصل أبان العهد العثماني. ومن حلو أغانيه : طاف البنا بالشط طاف، وعل جنجلي، سكران وعقلو كري، والعشرات غيرها. كذلك تُنسب إليه أغنية (الولد المدلل) تاليفاً وتلحيناً والتي غنّاها لأول مرة سعيد السحار في شباط 1912 في مدرسة الآباء الدومنيكان.

  كما يُعتبر حنا بطرس شاجا(حنا بتي)، رائد العزف الموسيقي في العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة. وهو من مواليد القوش 1895 نزحت عائلته إلى الموصل ودرس في مدارسها وتخرج من المدرسة الإعدادية عام 1914. درس الموسيقى على يد ضابط عثماني لمدة اربع سنوات بعدها دخل الجيش العثماني قسم موسيقى الجيش، ورُقّيَ إلى رتبة رئيس عرفاء لنبوغه في الموسيقى. وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى، عُيّن مُعلماً في مدارس الموصل.

 في عام 1921 أُقيمت أول دورة كشافية في الموصل، وكان حنا بطرس مُراقباً للكشافة ومُدرساً للموسيقى،  وحصل على وسام رفيع من مؤسس الحركة الكشفية السر باون ياول، نظراً لجهوده وحسن أدائه أثناء الدورة. وفي عام 1921 لحّن النشيد الموصلي للشاعر الكبير أسماعيل فرج الكبير الذي انشدته جوقة من طلبة المدارس يقودها حنا بطرس في الحشد الجماهيري المُتَصدي لمطالب تركيا في ولاية الموصل:

                  لستِ  ياموصل  إلاّ                  دار   عز      وكرامة

                  أنت فردوس العراق             حبذا فيك الإقامة

أدار حنا بطرس أول جوقة لموسيقى الجيش عام 1923، وفي عام 1925 أصبح مُدرساً للموسيقى بدار المعلمين الإبتدائية في بغداد. وفي عام 1931 تخرّج من المدرسة الدولية البريطانية في علوم الموسيقى والتأليف والقيادة الموسيقية حاملاً على دبلوم بدرجة إمتياز. في عام 1936 أسس المعهد الموسيقي لوزارة المعارف في بغداد وكان أول مُدير له قبل إستقدام الشريف محي الدين حيدر، وتحول هذا المعهد إلى معهد الفنون الجميلة، حيث أصبح حنا بطرس (بتي) معاوناً للعميد. وفي عام 1931 سجل أول أسطوانتين فونوغرافيتين لشركة((HIS MASTER VOICE بمساعدة عازف الكمان السوري سامي الشوا. و عازف القانون الأرمني نوبار مهاسيان، وعازف العود اليهودي داؤد التكريتي، ضمّنها أربع تراتيل من كارازوثا دحشا ،ونقوم شبير وقصة ﮒيّاسا.

  عمل حنا بطرس(بتي) مشرفاً على الموسيقى والنشيد في إذاعة قصر الزهور عام 1936، وفي عام 1941 شكّل أول فرقة سيمفونية عراقية، قدّمت حفلتها الأولى على حدائق كلية الطب الملكية. والملفت للنظر أن قلة من العراقيين يعرفون أن حنا بطرس هو الملحن للنشيد الوطني(موطني..الجلال والجمال في رُباك.) للشاعر إبراهيم طوقان. رحل حنا بطرس عام 1958 ليواصلوا اولاده الأربعة سيرة والدهم الفنية.

 وواصل جميل بشير (1921—1977) ما بداه الرواد حيث إلتحق بمعهد الموسيقى في بغداد عام 1936،فرع العود والكمان، وتتلمذ على يد أستاذ العود محي الدين حيدر، واستاذ الكمان البروفيسور ساندو أليو، وتخرج عام 1943 بدرجة إمتياز، وتميّزت حياته بنتاج موسيقي غزير عزفاً وتلحيناً وتأليفاً وتخرج على يده الكثير ممن أصبحوا أساتذة الموسيقى منهم: غانم حداد، منير بشير، علي الإمام، وشعيب أبراهيم وغيرهم.

 أما أخوه منير بشير(1928—1997) فقد درس العزف على العود بمعهد الفنون الجميلة عام 1939، تخرج عام 1946. مارس العمل في إذاعة بغداد ثم تلفزيون بغداد بعد تأسيسه عام 1956 وأصبح رئيساً لقسم الموسيقى، كما مارس التدريس في معهد الفنون الجميلة... وانتُخب رئيساً لجمعية الموسيقيين العراقيين. واصل دراسته للموسيقى في هنغاريا وحصل على شهادة الدكتوراه في العلوم الموسيقية المقارنة. بعدها تبوأ مناصب عدة منها مستشار في وزارة الثقافة ومدير عام دائرة الفنون الموسيقية وأميناً عاماً للمجمع العربي للموسيقى بجامعة الدول العربية ونائباً للرئيس في المجلس الدولي للموسيقى التابع لليونسكو. قدّم مُنير بشير مقطوعات جميلة من العزف المنفرد على العود بعضها مستوحاة من التراث.

  وفي الموسيقى الكلاسيكية وعلى نفس الصعيد برز فريد الله ويردي، وهو من عائلة مسيحية شهيرة في كركوك، ولد عام  1924 . أحب الموسيقى من والدته الأرمنية. درس في كلية الحقوق في بغداد، وتخرّج عام1948 وكان في نفس الوقت يواصل دراسته في معهد الفنون الجميلة. إتقن العزف على آلة(الفيولا).

 واصل دراسته الموسيقية في نيويورك وحصل على الماجستير عام 1968. سافر إلى موسكو لدراسة التأليف الموسيقي عام 1971. له مؤلفات موسيقية للأوركسترا السمفونية والآلات المنفردة وموسيقى الفرقة، كما ساهم في تطوير علم تكنيك الآلة الموسيقية.

 اما الموسيقار أرام أميناك بابوخيان(1923—1995)  فهو مؤسس الفرقة السيمفونية العراقي مع زملائه حنا بطرس، فؤاد ميشو ،فؤاد حنا، وأرام تاجريان وفريد ومنير الله ويردي، وأكوب قومجيان وغيرهم. وهو خريج معهد الفنون الجميلة عام1943. وقد رحل إلى روما عام 1959 وحصل على ليسانس في أطروحة الإملاء الموسيقي والصولنج وعاد ليعمل أستاذاً في أكاديمية الفنون الجميلة بداية تأسيسها عام 1961. كان أحد مؤسسي فرقة الموشحات، حصل على عدة أوسمة في مهرجانات عربية وعالمية. وتشهد الموسيقى العراقية لـ غانم إيليا حداد (مواليد1925) عازفاً مُبدعاً على الكمان والعود والذي بدأ نجمه يسطع منذ أوائل الخمسينات من القرن الماضي. في عام 1936 إختاره حنا بطرس لفرقة النشيد المركزية، وكان أصغر الأعضاء في تلك الفرقة، وكانت قد تشكلت من طلاب المدارس لإلقاء الأناشيد في إذاعة قصر الزهور . ولكن بعد وفاة الملك غازي إنحلت الفرقة فاقترح عليهم حنا بطرس أن يتدربوا في معهد الموسيقى على الآلات النفخية وبعدها تقدم للدراسة في نفس المعهد وحصل على دبلوم موسيقى بتفوّق. شغل غانم حداد مناصب عديدة، منها رئيس قسم الموسيقى في معهد الفنون الجميلة 1956،وعضو المجلس الأعلى لنقابة الفنانين ورئيس قسم الموسيقى في الإذاعة العراقية.

  أما عازف التروميون والملحن لويس زنبقة الحامل لشهادة عالية في الموسيقى من فيينا، هو  مؤلف أو سلام جمهوري بعد ثورة تموز 1958.

  كما يُعتبر سعيد شابو من رواد الرعيل الأول من الموسيقيين. تعلّم العزف على آلة الترامبيت وهو في العاشرة من عمره في مدرسة شمعون الصفا في الموصل.

 في عام 1925 إنتقل إلى بغداد ودخل دار المعلمين الإبتدائية وتخرّج عام 1928. عُيّن مُعلماً في إحدى مدارس بغداد. وفي عام 1936 دخل معهد الفنون الجميلة ودرس على آلة البيانو على يد المدرس الأيطالي جوليان هرتس. بعدها عُيّن مُشرفاً على النشاط المدرسي، وانصرف إلى تلحين الأناشيد، منها (نحن الشباب لنا الغد) و(لاحت رؤوس الحراب) وغيرها الكثير.

  في عام 1958 عمل مُدرّساً في معهد الفنون الجميلة وفي عام 1964 أسس معهد موسيقى الأطفال.

   ويتذكر العراقيون خضر الياس عازف الناي القدير الذي ظلِّ عضواً للفرقة الموسيقية المُلازمة لناظم الغزالي ولغيرهمن مُؤدّي المقامات وتاثر بعزفه الشجي الكثيرون من عازفي الناي أمثال: فائق حنا وحكمت داؤد وعدنان السيد وغيرهم.

وفي الموسيقى العسكرية برز ألبير شفو من مواليد1917 الذي عمل مديراً لموسيقى الجيش عام 1939، بعدها سافر إلى لندن عام 1952 ثم إستقر في الولايات المتحدة.

  ويُعد ناظم نعيم(1925) من أشهر الملحنين وعازفي الكمان الذي لحّن لأشهر المغنين أمثال ناظم الغزالي الذي لحن له الأغاني:(أحبك،- طالعة من بيت أبوها- فوﮒلنا خل- يم العيون السود-) كما لحّن لنرجس شوقي وسليمة مُراد وعفيفة أسكندر ولميعة توفيق واحلام وهبي وزهور حسين ، كما لحّن أغنية (نداء) للشاعر حافظ أبراهيم لتغنيها أم كلثوم، إلاّ أنها توفيت قبل تقديم الأغنية.

  كما يُعد فؤاد ميشو واحداً من أعلام الموسيقى العراقية. وُلد عام 1922 وكان من أوائل المسجلين في معهد الفنون الجميلة وهو مايزال طالباً في مدرسة الهندسة. تتلمذ على يد حنا بطرس على آلة الكلارنيت ثم درس العود على يد أساتذة أجانب قَدِموا إلى المعهد. عمل ضمن الفرقة السيمفونية العراقية التي اُعيد تشكيلها عام 1948. سافر إلى أمريكا عام 1978 لكنه ظلَّ يواصل نشاطه الموسيقي وهو عضو في المجلس الإستشاري لمدرسة الموسيقى لجامعة تينيسي(Tennessee) وعمل فيها بشكل تطوعي فخري.

  ويُعد الشاعر الأديب الصحفي فاضل موسى ﭙولا عازفاً مُبدعاً على العود، إستهواه الفن منذ الصغر، ودرس العزف على يد الأستاذ جميل سليم . له الفضل في إحياء التراث الفني السرياني في سبعينات القرن الماضي من خلال دوره النشيط في جمعية الناطقين باللغة السريانية وجمعية الفنانين للناطقين بالسريانية. وكان قد ألّفَ ولحّنَ وغنّى بصوته الشجي من أغنيات الفولوكلور الشيء الكثير والمُتميز.

 واصل ولده نشوان فاضل ﭙولا مسيرة والده، وتخصص أكاديمياً في العزف على أكثر من آلة سيما العود بشكل مُتقن ورائع فطالما نال إعجاب الكثيرين من أساتذة الفن وسامعيه.

 وفي ثمانينات القرن الماضي إنتبه الكثيرمن العراقيين المولعين بالموسيقى إلى ظهور موهبة موسيقية مُتميّزة عن باقي أبناء جيلها هو الموسيقار رائد جورج الذي تتلمذ على يد أستاذه سعيد شابو.

  كما واصل الموسيقار باسم حنا بطرس (1931) مسيرة والده ليصبح أحد أعلام الموسيقى ومديراً لتحرير مجلاّت موسيقية مُتخصصة كالقيثارة، والموسيقى والطفل، وأميناً لسر اللجنة الوطنية العراقية للموسيقى منذ عام 1974 وإلى تقاعده عام 1992، وحالياً يواصل نشاطه في نيوزيلندا.

 وقدّم أندريوس أسرائيل خمو(الملقب باكوري) خدمات كبيرة للفن الكردي(غناء وتلحين وتوثيق) وهومن مواليد كويسنجق 1928 أنهى دراسته الأعدادية في كركوك وعمل مُعلماً للغة العربية وللموسيقى والنشيد منذ عام 1950. وفي عام 1953إلتحق بدار المُعلمين العالية وفي نفس الوقت عمل مُطرباً ومُعِدّاً لبرامج غنائية في القسم الكردي في الإذاعة العراقية.

  كما يُعد صليوا يلدا (سيوا) المولود في كويسنجق 1884 أشهر مطرب مقامات باللغة الكردية تأثر لوفاة إحدى قريباته التي كان يُحبّها بجنون وراح يُغني لها أغانٍ عاطفية مليئة بالحب والهيام، وكانت تلك بداية إنطلاقته الغنائية. واستطاع ان يوّظف المقامات الكنسية التي كان ضليعاً بإدائها ليطبق عليها كلمات الشعر الكردي الشعبي، فغنى مقام (به هار) (الربيع)، حِجاز على لحن (نقوم شبير) المعروف منذ القرن الثامن الميلادي. كما غنّى (عائشة كول) وبايير(الخريف) وغيرها.

وهناك المئات من العازفين الذين لم أتوصل إلى أعمالهم مثل: جوزيف حنا منصور، حكمت يوسف منا ، حربي سعيد شابو، عماد يوسف، شهلاء غانم حداد، موريس ميشيل، فيحاء عبد الأحد، أكنس بشير، لانس ميشو، حكمت زيباري، عبد الأحد جرجيس، وغيرهم. وإلى الحلقة القادمة في العدد القادم.

ملاحظة: مصادر البحث موجودة في الحلقات السابقة.

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 28-10-2020     عدد القراء :  472       عدد التعليقات : 0