قراءة في الديوان الشعري ( رحيق أيلول ) للشاعر عادل الحنظل

بدون شك الشاعر مقتدر في امتلاك ناصية الصياغة الشعرية الفنية والتعبيرية . ويوظفها في منصات حيوية وساخنة من القضايا الملتهبة  , على عتبات الوطن والغربة ومحطات قطار العمر , والشوق والحنين الى مكان الولادة بالاشتياق المرهف , كما يوظف قصائده في الحدث الابرز في تاريخ العراق السياسي , ألا وهو انتفاضة الشباب التشرينية والتضحيات الباهظة التي قدمها  الشباب البطل والجسور ,  الذي تحدى  جبروت العنف الدموي , في نزيف الدماء , وتحدى وحشية القتل بالقنابل الدخانية التي تخترق الجماجم وتحولها الى نيران دخانية . كما تبرز القصائد بشاعة التعذيب الجسدي والنفسي للمخطوفين التي تمارسها بحقهم  المليشيات البلطجية   . والديوان الشعري ( رحيق أيلول ) يتناول مسألة مهمة هي قضية   الانتماء   بشكل وثيق الى  الزمكان بالارتباط الروحي والوجداني . مرتبطة بشكل خاص في هواجس قطار العمر ,  في مراحله او في محطاته المتنوعة  من الصبا الى الشيخوخة ,  جاءت تسمية اوراق أيلول , وايلول بداية فصل الخريف , او بداية شيخوخة العمر . في الارهاصات القلقة من واقع مضطرب , يسوده الارتباك والفوضى في الوطن الجريح  , الذي خرج عن سكة القطار , ودخل في طريق وعر مليء بالاشواك والعقارب السامة , او بالاحرى دخل في شرك غابة وحشية يتسيدها الوحوش . والقصائد جاءت في  شكل كتاب مفتوح يكشف تداعيات الوطن نحو الانحدار . معمقة بالصياغة الشعرية المقتدرة من ادواتها وتقنياتها في الصياغة والتعبير والرؤية الفكرية , والطرح الموضوعي لاحداث ملتهبة وساخنة عصفت بالوطن . والوطن نجده حاصراً بكل اتساعه في القصائد الشعرية . حاضراً بكل الرياح والتيارات  التي غزت الوطن وحولته الى وطن الاحزان والدماء والعنف الدموي , وطن سرق في وضح النهار .نجد فعل الوطن موجوداً في قلب الاحداث العاصفة والصادمة , وتحمل حصة الاسد من قصائد الديوان الشعري  , وطن  اختطف من الغرباء او من سكنة الجحور الظلامية . ونزعوا عن  الوطن ثوبه وهويته  . وضاعت بسمة الوطن ,  وحلت الدموع والحزن في وجهها الشاحب الكئيب باليائس والخيبة . هذه القشعريرة المريرة تختنق بحنجرة  الشاعر , مما يدفعه الى الصراخ بصوت عالٍ . والقصائد تكشف الظاهر  والمبطن . في كيفية  التحول الى وطن الاحزان . وطن للظلام والليل الجاثم .

مسحوا عن وَردِكَ يا وطني

قَطَراتِ ندى الأصباح

خدشوا في الليلِ حياءَ الصمت

جعلوا أُمّا تبكي

أختا تندبُ مَن راح

وأبا ما عادت في عينيه

غيرُ خيوطِ العزّةِ

تنسجُ  في وهنٍ

سترا يخفي جبلَ الاحزان

سرقوا ياوطني

منكَ صلاةَ الفقراء     /  من قصيدة ( الخلجات )

في زمن الرعب والحرب المجنونة التي اشعلها النظام السابق  ضد أيران . حصرت الناس في دائرة ضيقة من  الموت العشوائي . بينما كان الشاعر  يتسوق مثل بقية الناس ,  سقطت بقربه قذيفة صاروخية حولت المكان الى الرعب والدماء   بالدخان والغبار , لكنه نجى من الموت في اعجوبة . فكانت لحظات جحيم سادت المكان المنكوب . بينما  تراود نفسه  في تلك  اللحظة العصيبة بين الحياة الموت ,  يراوده وجه حبيب يهفو اليه .

أمسيتُ كالكلبِ الطريد

حينَ يقعى في متاهاتِ الهروب

أغبرا يعجزُ عن كبحِ الجُفول

أرضعُ الرعبَ وثديُ الموت يسقيني الذهول

بين ومضِ الحسّ

وانحسارِ الدم في الجسم الهزيل

وصراخُ الروعِ في نبضِ الوريد

لمسَتْ كفّي نتوءاتِ الرصيف

بأرتعاشٍ .. مثل أعمى

حينَ يشتاقُ الى وجهِ حبيب

همتُ أحبو  / من قصيدة ( خواطر من دائرة الموت )

في وطن مستباح مسروق يأكل ابناءه الشرفاء والاحرار والافياء  .   ينهش لحمهم , فلا مكان للاحرار  في خيمة الوطن . اصبح وطناً ملكاً شرعياً  لجحور المظلمة  من المأجورين من الثعالب الماكرة والمعممة  والذئاب المفترسة . فصار للوطن  كل يوم نحيب ودموع  , وكل يوم مصيبة  كربلاء . بفعل الذين كفروا بالعراق .

أيُّهذا البلدُ الآكلُ أهْلهْ

هل تُسمّى وطنا

ضاع منكَ الاسمُ

مذ صرتَ لمأجورٍ وطَنْ

وسما فيكَ الذي تحت السما

قلبَ الزمن

كلُّ تأريخكَ مدٌّ من سعير

كلُّ يومٍ في نواحيك قيامة

ما بها الّا طريقٌ لسَقَرْ

ليسَ في أرضكَ مأوى لغيور

أو معاذٌ من شياطين الجحور

بل ملاذٌ للذي فيكَ كفَرْ

فغَدا لا يأمنُ حرٌّ فيك ظلّهْ       / من قصيدة :  الخيبة

انتفاضة تشرين لها حضوراً متميزاً  في قصائد الديوان الشعري  , لانها زعزعت عروش الاحزاب الطائفية الحاكمة , ووجد النظام  الطائفي البغيض في مأزق , تدق على ابوابه رياح التغيير . وارجاع الوطن الى اصحابه الشرعيين , من اجل تغيير الواقع المأساوي المرير الموجود على الواقع . لكن دفت انتفاضة الشباب ,  ضريبة الدم باهظة الثمن بالدماء التي نزفت بالشهداء  حتى امتلئت بهم  المستشفيات  , ويصور الشاعر  المشهد التصويري  المرعب الذي  يدلل على الوحشية الدموية في البطش , لجثة شهيد ترقد  في براد المشفى , كان ضحية قنبلة الموت التي اخترقت جمجمته وحولتها الى جمجمة دخانية , والام تقف امام ابنها الشهيد , تجد فيه نور الله الساطع  وجسد نبي . . هذه بطولة انتفاضة التكتك .

وجَدَتْ في برّاد المشفى

نورَ إله وجسمَ نبي

أمُّ شهيد

*

منتقلا بين محطاتِ الموت

كنحلةٍ تجذبُها الازهار

التُكتُكْ

*

فراشاتٌ تداوي جراحَ الورد

يخطفُها دبّور

من ضفةٍ أخرى

*

قدسيّةُ الأحجارٍ المغطاةِ بالحنّاء

سقَطَتْ

لمّا اعتلاها قَتَلَة

دخانٌ برائحةِ الموت

يخرجُ من رأسِ شهيد

الحرّية     / من قصيدة : من وحي أنتفاضة تشرين

وباء كوفيد ( كورنا ) له نصيب في الديوان الشعري , في مقاطع تجمع في الصياغة  الهايكو / السينريو . ترسم هذا الغول البشع الذي ارعب العالم . كأنه وضع العالم على كف عفريت بالموت الذي اصبح يتجول بحرية ليخطف الناس .

يعطسُ في الصينِ كَفور

فيموتَ بمكّةَ مؤمن

حكمةُ كورونا

**

أسموني كوفيدا

وأنا لا أعرفُ إسما للقتل

يسْخرُ كورونا

**

تتساوى كلُّ الأعمار

لا فضلَ لعشرينٍ أو ستّين

منطقُ كورونا

الذئاب الوحشية  المسعورة من المليشيات تتربص للمتظاهرين , فحين يخرجون من ساحات التظاهر والاحتجاج . يقعون في قبضة هؤلاء وحوش الدم والموت في الاختطاف . ويمارسون بحق الناشط او الناشطة المختطفة , مختلف انواع التعذيب الهمجي الجسدي والنفسي , بشكل بشع دون اخلاق وقيم . لان المختطف او المختطفة ,  لبوا نداء الوطن بضريبة الوفاء والحب  , هؤلاء الشراذم الخسيسة لا تعرف معنى الوطن ,  ومعنى الوفاء ومعنى حب الوطن , لانها تربت على سفك الدماء , ونصبت لنفسها الحارس الامين للنظام الطائفي الفاسد , في مشهد تصويري مرعب لحالة المخطوف وهو بين الحياة والموت بين ايادي  هؤلاء الذئاب المفترسة .

مُسجى

يسيلُ في فمهِ دمٌ دفيء

رفَسَتهُ رِجْلٌ كي يفيق

لا يَسمعُ غير طنينٍ لذبابٍ لا يحط

وأنين

أبصرَ فيما تَيَسّرَ من شعورِ

أرجلا لوجوهٍ في لثام

تَلْكزُ لحمَهُ المهروء

وأيادٍ هزهزتْ عُنْقَهُ بازدراء

تترجى ان يسقطَ من فمه

أعتراف     / من قصيدة : المختطف

كان النظام الساقط مبني على منهجية الرعب والارهاب والخوف , يضيق الخناق على الناس ,  ويسد منافذ الحياة بالجحيم , فما كانت وسيلة للمواطن لتخلص من هذا المأزق , إلا  الهجرة والرحيل ليبحث عن مكانٍ آخر بعدما سدت آفاق الوطن . وكانت نقاط الحدود تمثل رعب حقيقي . خوفاً من وجود أسماء  المسافرين في السجلات الممنوعة , وعندها ستكون الطامة الكبرى  تحت طائلة  اقسى العقوبات القاسية . لذلك كان الخوف ينهش المواطن  في هذه الدوائر الحدودية المرعبة , ولكن عندما يعبر الحدود ,  يتنفس الصعداء كأنه ولد من جديد .

حين عبرتُ بلادَ الخوف

وكسرتُ القيد

وعرفتُ سعادةَ أن أغفو

لا أخشى غدرَ الغد

طَفَرَت مني دمعةُ حزن

لا نشوةُ نصر

أفليس الغيمُ هنا ذات الغيم

فلماذا في بلدي يمطرُ دم

×× يحمل الديوان الشعري (رحيق  أيلول ) مقدمة رائعة من الشاعر والناقد الدكتور وليد العرفي .

× الكتاب : ديوان شعر ( رحيق أيلول )

× المؤلف : الشاعر عادل الحنظل

× الطبعة الاولى : عام 2020

× عدد الصفحات : 144 صفحة

  كتب بتأريخ :  السبت 14-11-2020     عدد القراء :  56       عدد التعليقات : 0