سياسة التجويع

قد يؤاخذني البعض على تناول عالم الحيوان في الغرب ، فأنا – وللأمانة – لم أفعل ذلك من قبيل الحسد لحيواناتهم المدللة بل هو إحساس بالتناقض بين المجتمعات ..كنت قد قرأت عن سيدة تهوى جمع الحيوانات المنزلية الأليفة ،

اقتحم بيتها رجال الشرطة ليعثروا على (600) حيوان بناءً على شكوى قدمها جيرانها ليس لضيقهم واحتجاجهم على وجود الحيوانات بل لأهمال السيدة لها وإصابة أغلبها بحالات إعياء شديد ..توقعت أن تكون هذه السيدة من هواة السلطة وإلا لما مارست سياسة " التجويع" للسيطرة على " حيواناتها الأليفة"..لو فكرنا أن نلوم هذه المرأة على فعلتها فأول مايطرأ على بالنا هو سبب إيوائها هذا العدد المبالغ به من الحيوانات ثم عجزها بعد ذلك عن إطعامها والاضطرار الى تجويعها ..

اعتذر عن المقارنة لكن مايحدث لنا يشبه ماحدث لهذه الحيوانات الأليفة ..فقد دأبت الحكومات المتعاقبة على توظيف أعداد كبيرة من الموظفين عدا الأعداد الهائلة من الفضائيين لغرض انتخاب من يستخدم ورقة التعيين وسيلة لانتخابه ، ومع تعاقب السنوات وتبخر منابع الخير الكبيرة في العراق – بقدرة قادر – وبقاء الاعتماد فقط على النفط ، صار هذا العدد الهائل عبئاً على تلك الحكومات ، وبات على الموظف الذي يعتمد على الراتب في معيشته ، وأصحاب الأعمال الحرة الذين يعتمدون على راتب الموظف في استهلاك بضائعهم ، أن يدفعوا الثمن ..

الغريب في الأمر أن كل تلك الحكومات كانت تدرك مسبقاً أننا سنمر بهذه الأزمة يوماً ما وكان لابد أن تستعد لها بايجاد منافذ أخرى للحصول على الموارد وإلغاء المخصصات للدرجات الخاصة وتقليص الرواتب الضخمة للمسؤولين المدججين بأعداد لامثيل لها من الحمايات وإلغاء رواتب الفضائيين ، وتقليص عدد الراغبين بالوظيفة الحكومية من خلال إقامة مشاريع استثمارية تجتذب العديد من الخريجين والكفاءات ..ولاأريد هنا أن ادعي معرفتي بالشؤون الاقتصادية لكن متابعة مادعا ويدعو إليه خبراء الاقتصاد في البلد منذ سنوات يكفي لأن يفهم المواطن البسيط أن الحكومات لم تهتم بما سيواجهها من أزمات مستقبلاً ، فالمهم أن تملأ جيوبها و – تفيد وتستفيد – خلال فترة حكمها ثم ترحل لتزداد التركة ثقلاً ..وهكذا أصبح عدد الموظفين ثقيلاً على الموازنة المالية ، وصارت عملية تجويع الموظف مسألة طبيعية بانتظار أن تتوصل وزارة المالية الى حل ويقتنع مجلس النواب به أو يؤجل التصويت عليه الى يوم آخر ، بينما تمر الأيام ثقيلة على الموظف والحياة الاقتصادية بشكل عام في العراق ..والأغرب من ذلك أن الحكومات لم تعد تخشى غضبة المواطن والمواطن ذاته بدأ يشعر بأنه بلاحول ولاقوة منذ أن شوّه الدخلاء تظاهراته الغاضبة ولم تعد لمطالبه قيمة أمام البحث عن قتلة ابنائه ، واليوم ، يتفوق ( الجوع ) على كل مطلب آخر ويصبح هم المواطن الوحيد هو الحصول على راتب !

.لقد أصبحنا أليفين جداً فلماذا لاتحاول الحكومة إطعامنا ونعدها بألا نعض اليد التي تطعمنا ..تلك هي فرصتها لنصفق لها بقوة إذا سارعت الى نجدتنا كما فعل جيران المرأة التي جوعت الحيوانات الأليفة ..سنصفق للحكومة بقوة على الرغم من أنها حوّلت حقنا في الحياة الى هبة ننتظرها منها بشغف.. ولهفة ..

  كتب بتأريخ :  السبت 14-11-2020     عدد القراء :  32       عدد التعليقات : 0