بلد المستشارين

هل يُمكن لشخص يحكم بسلطات مطلقة أن ينجو من الفساد الذي تولّده هذه السلطة ؟ هذا السؤال ظل يؤرق الكاتب الكولومبي الشهير ماركيز حتى أنه يقول ماركيز لصديقه يلينيو مندوزا "ما من مسؤول فاشل يمكنه أن يحكم إنْ لم تكن هناك بطانة تهتف لكل فعل يقوم به، لا تنظر إليه إلا عبر صورة رسمتها له، على رغم تناقضها الكلي مع صورته الحقيقية عند الناس".

يعيش المسؤول في عالم من الوهم ينسجه له المقربون من حوله.. يصنع عالمه الخاص ويعيش فيه، ويتوهم أن سنين حكمه فترة ازدهار للبلاد ، اليوم نحن نعيش في بلد المستشارين ، البعض منهم لم يبلغ سن الفطام السياسي فنجدهم بلا واجبات ولا مسؤوليات تجاه هذا الشعب، بل "منّة " إذا تنازل المسؤول وتمشى وسط حماياته في أحد الشوارع، ومنّة إذا تواضع وتحدّث مع الناس عبر سياج من الحمايات المدججين بالسلاح، ومنّة إذا تكرّم وحضر اجتماعاً للبرلمان ليناقش قانوناً يهم الملايين، ومنّة إذا وافق أن يصافح المختلفين معه في الرأي.

إن نيل المكاسب هو القيمة التي تسود ويعمل على شيوعها وتعميمها أولئك الذين يعتبرون الولاء بديلاً للخبرة والمعرفة والوطنية، ومع إن هذا الولاء قد يرتدي قناع الحزب الذي يصنعه الحاكم أو يستخدمه لتصنيع نفسه، وليس من المستغرب أن يرى المسؤول الفاشل أن القرابة او الداقة هي الضمان الأول للولاء، ولهذا يكون أقرباؤه واصدقاؤه هم حاشيته وهم أول المستفيدين، تعمل الحاشية على إيهام الحاكم بأنه محبوب من الجماهير ومجده يصدق إنه كائن مطلق العبقرية، يعرف كل شيء. وهو لا ينتقي للناس ما يناسبها بل ما يريد لها. ولا يسألها رأيها في حياتها بل يفرض عليها الحياة التي يريد.

مشكلة المسؤول الفاشل بد في انعدام الوعي، وفي انعدام التواصل مع الآخر، وفي عدم الثقة بالجميع وفي الاعتقاد بأن خطبه يمكن أن تكون بديلاً للمدارس والطرقات والصحة والأمن والرفاهية الاجتماعية.. في بلد ا الجميع يتقاتل على حقائب مليئة بالمناصب والغنائم.. وفي هذا التهافت ينسون أن هناك شعباً يعيش على حافة الخطر...

في بلدان "الكفار" يؤدي المستشارون أدواراً أساسية في تحديد سياسة الدولة، فالرئيس ومعه رئيسا الوزراء والبرلمان والوزراء يصغون الى مستشاريهم، حتى أن الخطط والسياسات ترتبط باسماء المستشارين من أمثال ريجيس دوبريه، وهنري كسينجر، وجاك اتالي، وفوكوياما، الذين يقدمون خبراتهم لخدمة الدولة، وكان ديغول يستشير أندريه مالرو وفرانسو مورياك وبول فاليري، ولهذا أنا أشعر بالخيبة كلما دخل مستشار من عيّنة حنان الفتلاوي وما شابهها مقر الحكومة ! .

  كتب بتأريخ :  السبت 14-11-2020     عدد القراء :  72       عدد التعليقات : 0