سلطة مَن على مَن؟
بقلم : د. أثير ناظم الجاسور
عرض صفحة الكاتب
العودة الى صفحة المقالات

لسنا بصدد الحديث عن السلطات الثلاث المتعارف عليها (التشريعية – التنفيذية – القضائية) فلهذه السلطات حديث طويل وتفاصيل وأولويات كتبت عنها الكتب والبحوث التي دققت وفحصت واستنتجت عملها وأولوياتها وطرق إدارتها بناءً على نوع وشكل النظام السياسي وسولك ومزاج صناع قراره (رأس هرم السلطة)،

فقد يتحكم بهذه السلطات شخص وقد تكون علاقة تشاركية مؤسسية تعمل بشكل متكامل من أجل تحقيق هدف ما أو مصلحة الدولة بشكل عام، في الأجواء الطبيعية لكل مؤسسة أو لكل سلطة دورها الموكل إليها ووفق القانون والدستور المعمول به في هذه الدولة أو تلك هذه هي الحالات الطبيعية للدول المستقرة، لكن عندما نتحدث عن فوضى وتخبط وسياسات غير عقلانية بالضرورة تفقد السلطات الثلاثة دورها لتقفز إلى المشهد سلطات أخرى غير عقلانية عابرة للقانون والمنطق، حيث تعمل المنظومة التي تطلق على نفسها السلطة وفق سياقات المصلحة الضيقة التي لطالما أعطت نتائج غير مرجوة وفاشلة بكل المقاييس، فهي تشكل سلطات غير تلك الثلاثية التي تحدثنا عنها وبالتاكيد تتحدث عن تركيز السلطة بيد جماعة او مجموعة صغيرة تجهل العمل السياسي وتدفع صوب مفاهيم ضيقة تبحث بأقصى أوجها عن الانغلاق والتراجع على كل المستويات.

في العراق منذ العام 2003 ولغاية اليوم والنظام السياسي والمجتمع يسكنون في المنطقة الرمادية فيما يخص مسألة تحقيق الهدف أو المصلحة، فهم بين ضياع العقول المنغلقة والتوق نحو التحرر ضاع العمل المشترك الذي يحقق أو يرسم خريطة طريق توصل البلاد لبر الأمان، فالعقلية الحاكمة التي حاولت أن تستورد مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان والشعارات التي تزين بها الأنظمة السياسية نفسها كانت ومازالت عقلية انتقامية غير مستقرة هدفها الأول والأخير التشبث بالسلطة والحصول على أكبر قدر ممكن من الامتيازات، هذه العقلية التي حمت وما زالت تحكم وبسبب سوء الإدارة والتنظيم أولاً وبسبب مفهوم التابع والمتبوع أسست لمجموعة من السلطات أضرت بالدولة والمجتمع وغيرت السلوك الحاكم وجعلت من فكرة النظام السياسي مجرد مفهوم هامشي فارغ، هذه السلطات المتعددة أصبحت بشكل واضح مهيمنة على كل القرارات البسيطة منها والمصيرية ولها اليد الطولى في السيطرة عل كل الدولة.

في 2003 – 2004 تم تأسيس مجلس الحكم الانتقالي من قبل الولايات المتحدة الاميركية كمكافأة للأحزاب القادمة معها والتي لا تزال في السلطة على اعتبار هذا المجلس يمثل كل ألوان الطيف العراقي لكنه بالحقيقة صورة مشوّهة عن التركيبة الاجتماعية العراقية، كان هذا المجلس المؤسس الحقيقي للسلطات الذي أصبح فيما بعد أعلى من القوانين والدستور وكل ما له علاقة بالدولة وتحت مسميات مختلفة، هذا المجلس أو السطلة خلقت مجموعة من الأزمات ساهمت في الكشف عن قصور وبساطة الرؤية وجهل السياسية والشّره الواضح للسلطة والمال، بالإضافة إلى التحاصص الذي خلق فجوات وقسم المجتمع عل الهوية والدين والمذهب والقومية بعد النهوض المرعب للهويات الفرعية التي كانت سبب الحرب الطائفية التي أرادت أن تقضي على وحدة العراق المدعومة من خارج الحدود بأدوات داخلية، بفعل هذه السلطة وتوابعها قسم العراق على كانتونات بفعل العنف الذي ساد الشارع.

السطلة الأخطر هي سلطة الأحزاب التي منذ 2003 ولغاية اليوم وهي تتعامل مع الدولة ومحركاتها وعلاقاتها بعقلية المعارضة والخارجين عن القانون من خلال خرق الأخير في كل تفصيله سواء كانت سياسية أو قانونية أو اقتصادية، عملت هذه الأحزاب منذ البداية على تنفيذ أجندات خارجية وفق أنساق ومعتقدات وأيديولوجيات سواء كانت إسلامية أو ليبرالية، ساهمت في إغراق المجتمع بجملة من المفاهيم التي عززت الانقسام، وعززت أيضاً الفساد الي ساد في كل مؤسسات الدولة بعد أن أصبحت هذه المؤسسات تعرض في مزاد الأحزاب وكل مؤسسة تذهب إلى من يدفع أكثر، وبهذا جعلت من الدولة ومواردها كعكة يتم تقسيمها مع كل دورة انتخابية هذا إلى جانب السيطرة على الاقتصاد، وسوء الخدمات وتأخر التعليم والصحة وتبديد الأموال شاهد على فساد هذه الطبقة، بالتالي فهذه السلطة عززت سلطة السلاح بعد أن دُعمت هذه السلطة من الخارج ومن الداخل بعد أن دُعمت أيضاً بالمال وتم حمايتها بالسلطة، وكل هذا تم بعد أن شرعت الأحزاب قوانين على مقاساتها تحميها بعد أن سيطرت على السلطات الثلاث الآنفة الذكر.

السطلة التي شرعنت عمل الأحزاب هي المنابر التي لعبت دوراً مهماً في تغييب العقل لدى شرائح مختلفة من خلال إطلاق خطابات عدها البعض قوة لعمل الأحزاب وكان هذا واضحاً في المناطق الغربية والجنوبية، وكيف ساهمت في تأجيج الصراع الطائفي من خلال إطلاق خطابات كراهية مزقت النسيج الاجتماعي وعززت فكرة الأقاليم والتقسيم في العقلية المجتمعية للخلاص من ويل هذا الصراع، هذه المنابر كانت ولا تزال تسير وفق أيديولوجيات وأجندات تحدد عملها وإذا ما أردنا أن نسلط الضوء على أسلوب عملها سنجدها واضحة على شكل دمار في مدن ومحافظات العراق، أصبحت هذه السلطة مطلقة اليد فهي من تحلل وتحرم وما أن يتم الاعتراض على آلية خطاباتها حتى يصنف الإنسان إما كافراً أو خارج عن الملة، بعد أن تم استيراد الفتاوى من خارج الحدود بدعوى حماية الدين والمذهب والمكون حتى بات العراق أرضية لها ومنطلقاً لعدم الاستقرار.

تبقى هذه السلطات التي قد نطلق عليها سلطات فوق القانون وخارج العقل تراوح في مكانها إذا تم تحييدها من قبل الجميع لا بل بالضرورة تفقد تأثيرها تباعاً إذا تم إهمال ما يصدر عنها والاتجاه صوب العقل والمنطق، هذه السلطات استطاعت أن تسيطر على المجتمع من خلال طريقين العقل من خلال امتلاكها لمنظومة إعلامية ومثقفة ساعدت على ترسيخ سلطاتها لدى الطبقات البسيطة من المجتمع من خلال الخطاب التحريضي الذي تبثه على شاشاتها على اعتبار أن لكل حزب أو شخصية قناة ومجموعة مثقفين يحاولون تلميع صورهم، والطريق الثاني هو العاطفة من خلال العزف على أوتار دينية وقومية واثنية والاحساس بالمظلومية والتهميش، هذا الجزء من أخطر الأجزاء ( مثقف السلطة) على اعتبار أنه يمتلك الأدوات التي تساعده على التأثير إلى جانب دعم المال والسلاح اللذان يسهلان عليه مهمته بالتأثير على جموع الناس، بالمقابل مثقفون غير قادرين على الاندماج بالمجتمع لا لرفضهم له لكن يحاولون بقدر الإمكان أن يرفعوا المجتمع إلى مستويات من التفكير من الصعوبة في المرحلة الحالية أن يكون أي تجاوب أو تكامل في الأفكار، هذا يسهل على مثقف السلطة والآلة الإعلامية الحزبية أن تهيمن على العقول.

بالتالي فان مشكلة العراق تعددت فيه السلطات حتى وصل حد التخمة سواء سلطة الأحزاب أو رجال الدين أو السلاح والمال، وغاب عمل السلطات الرئيسة عن المشهد السياسي العراقي المتعارف عليها في دول العالم دون تمييز، وهذا يعود للفوضى السياسية التي خلقت مجموعة من الأزمات أفرزت مخرجات مشوهة غير قابلة للتطبيق، فبين الولايات المتحدة ودول الجوار والتدخلات هنا وهناك تم إنشاء سلطات خارج إطار القانون لا بل فوق القانون لا تستطيع أية قوة حتى الأحزاب ذاتها الخلاص منها بسبب جذورها التي امتدت في السياسة والاقتصاد والقضاء والمجتمع وكل ما له علاقة بالدولة ومواطنيها، لغاية اللحظة لا نعرف من هي السلطة الفعلية التي تحكم وتتحكم هل هي سلطة الدولة العميقة وفروعها أم سلطة الدولة الظل أم سلطة الدولة الغطاء ( الحكومات التي يتم التوافق عليها)، كلها مسميات لا غنى عنها بهذا المشهد المعتم بعد أن أصبحت الدولة رهينة المال والسلاح والصفقات المشبوهة.

  كتب بتأريخ :  السبت 14-11-2020     عدد القراء :  80       عدد التعليقات : 0