الأنظمة الديمقراطية ذات وجهين

يستخلص الفيلسوف الفرنسي ورئيس تحرير مجلة (لو ديبا) مارسيل غوشيه من أزمة كورونا الصحية دروساً في ستراتيجية القرار والصحة ، فكلما كانت الأزمة غير متوقعة وعميقة ، كان تأثيرها أقوى – من وجهة نظره – إذ تعمل الأزمة الصحية التي نمر بها كمنبه إيقاظ من سنوات من النوم لأنها تجبرناعلى إعادة النظر بشكل شامل في الآليات والمبادئ التي اعتدنا عليها ..

وفي حوار أجري مع الفيلسوف غوشيه في مجلة لوبوا الفرنسية أوضح بأن أزمة كورونا هي حدث غير مسبوق في التاريخ ..وجاء في الحوار ..

*ما الذي تكشفه الأزمة الصحية التي أثرت في فرنسا؟

- لقد أدركنا الضعف الشديد لنظام العمل الجماعي لدينا. لقد عشنا دون أي توقع ستراتيجي لمثل هذا التهديد ، في حين أن الأوبئة في آسيا هي مصدر قلق مألوف. ففي فرنسا ، كان عدم الاستعداد كاملاً ! بينما ثبت أن نظام الرعاية الصحية لدينا ، الذي يفترض أنه أحد أفضل الأنظمة في العالم ، سيئ الإدارة للغاية.

 قلت إن الأزمة كانت مقياساً لانحلال الدولة ..ماذا تعني بذلك ؟

- لقد تبين أن نظامنا في مايخص القرار السياسي مفككاً تماماً فقد اتخذت القرارات خلال هذه الأزمة بطرق غالباً ما كانت غير مفهومة للمواطنين. وقدمت الدولة أسوأ وجه لها من خلال بيروقراطية ضيقة وأساليب غير فعالة ..لقد كشفت أزمة فايروس كورونا عن عيوبنا. ف"النخبة" الحاكمة لم تعد تفرض سيادتها ، والمجتمع منقسم وأوروبا غير قادرة على حمايتنا.

 كان من الممكن سابقاً تسمية الفايروسات التي عانت منها فرنسا بالشعبوية، والسذاجة، والانقسامات، أما الآن فها هو فايروس حقيقي يحاصرنا ويجعلنا نشهد الهشاشة المذهلة لديمقراطيتنا – على حد قول الرئيس ماكرون -؟

- لقد لمحنا هذه الهشاشة أثناء انتشار وباء السارس ، أما هذه المرة ، فالصدمة أعمق بكثير وتأثيرها سيكون أكثر ديمومة لذا فقد كشفت بوضوح عن الضعف والفوضى في أنظمتنا ، ذلك لأن الأنظمة الديمقراطية ذات وجهين ، فقد كانت قادرة على توحيد صفوفها والتعبئة بقوة هائلة ، لكن تطور المجتمعات الغربية جعل التماسك الجماعي يتراجع إلى درجة غير مسبوقة فقد أعطوا الأولوية المطلقة لحرية الأفراد ، مع تفكك اجتماعي هائل ! اتساءل ،هل ما زلنا ، في ظل هذه الظروف ، قادرين على استعادة التماسك الجماعي ، في مواجهة تهديد غير متوقع مثل الذي يحيط بنا؟ التجربة فقط هي التي ستجيب ، لكنني ما زلت ألاحظ أن وجود بنية أساسية قوية للغاية تسمح بالتوسع غير المنظم للحريات على السطح. علينا أن نتخيل فرنسا جامحة ومنظمة للغاية في نفس الوقت. فلماذا إذن لا يمكن لهذه القوة التنظيمية أن تستعيد مكانتها إذا اقتضت الظروف ذلك؟

 مع انتصار السوق المعرفي الذي يعلن عنه الانترنت ، هل استعاد الخطاب العلمي شرعيته ؟

- في السوق الذي تتحدث عنه ، يتمتع الطب بميزة تنافسية واضحة فهو يحتفظ بسلطة قوية ، على الرغم من أنه قد تكون موضع جدل ، حول اللقاحات على سبيل المثال. فعلى عكس العلم المحبوس في المعامل البعيدة ، فإن الطب ممارسة تقارب ويمكن للجميع التحقق من فعاليتها. كل شخص له علاقة به ويمكنه الحكم على فائدته المباشرة كما يعد نظام المستشفيات أيضاً أحدى المؤسسات التي يثق بها الفرنسيون أكثر من غيرها.

*يمكننا أن نشعر بمقدار اللوم الموجه الى وسائل الإعلام المثيرة للقلق ..ألا ترى ذلك ؟

- وكيف يمكن أن تكون وسائل الإعلام مطمئنة؟ إذا لم تبرز خطورة الوباء ، فسيتم انتقادها لتقليل خطورة الوضع لأسباب غامضة. وإذا جعلته أولوية ، فإن قوة التلقي ستساعد حتماً على تضخيم القلق. ، المشكلة غير قابلة للحل إذن ، إذ يتمثل جزء كبير من القلق الجماعي في عدم التطابق بين النطاق الاستثنائي للتدابير التي يتم اتخاذها والشدة المحدودة للوباء - فهو ليس الموت الأسود أو حتى الأنفلونزا الإسبانية. وهذه الفجوة تثير الارتباك في أذهان الناس وهو أمر لا يمكن السيطرة عليه بالنسبة لوسائل الإعلام.. كما أن الحكّام لم يتخذوا الإجراء الكافي وهذا يقود الى انعدام الثقة الحالي مع شعور ب" التستر"..

 ماهي أكبر آثار هذه الأزمة ؟

- تتطلب العولمة وضع السيادة الوطنية في منظورها الصحيح لصالح القواعد التي تحددها المنظمات الدولية في حين أن التفويض إلى المستوى فوق الوطني يعمل بشكل سيئ للغاية. نحن نعيد اكتشاف أن السيادة ليست خيالًا مجرداً ، ولكنها أولاً وقبل كل شيء تتوافق مع مطلب وظيفي وهو أن تتمتع السلطات بكل من ثقة السكان والمعرفة الدقيقة بمجالات تطبيقها.. بهذه الطريقة ، صار يمكننا التخلي عن إنتاج الأدوية الهامة لتقلبات الأسواق العالمية. وسيتعين على الغرب أن يتعلم كيف يكون أقل سذاجة ، كما فعل من خلال السماح للتأثير الصيني بالسيطرة على منظمة الصحة العالمية ، على سبيل المثال.

 وماهي أهم الدروس المستخلصة منها ؟

- كان لعدم القدرة على التنبؤ بالأزمة الأثر الأول في تسليط الضوء على الافتقار الى البصيرة الذي يقترب من اللاوعي الذي ترسخ في مجتمعاتنا الغربية بدرجات متفاوتة ..لقد اعتمد الغرب ، وخاصة أوروبا ، على الصين بشكل أعمى ،دون أن يلاحظ حتى تعارض المواقف بسبب الانفتاح الطائش من جانب الغرب والأسلوب المنهجي والستراتيجي من الجانب الآخر ، وأنا لاأريد أن أتحدث عن المشاكل الصحية التي ستقود إليها هذه القنبلة البيولوجية ، والتي تم تجاهلها على الرغم من التنبيهات المتعددة في السنوات الأخيرة بينما تم تحديدها بشكل جيد من قبل الآسيويين ، ولكن لن يكون من السهل إعادة بناء أساليب العمل المنظمة حول تنبؤات معقولة ، مع المرونة التي يتطلبها ذلك فيما يتعلق بالجمود البيروقراطي المتأصل في أساليب الادارة النيوليبرالية فقد تم تجميد بلداننا لمعالجة وإنقاذ عدد محدود للغاية من سكان العالم. إذ كان الحدث غير مسبوق في التاريخ لأنه كان يمثل بالضبط قلب المنطق الذي كان دائماً هو منطق جميع المجتمعات: وهو قبول تضحية القلة من أجل خلاص الكثيرين فقد ضحينا بالكثير من أجل خلاص القلة وهي تضحية نسبية ، بالطبع ، لأنها سلمية ومادية في المقام الأول ، ولا يمكن إلا للمجتمعات الغنية أن تتحملها. ومع ذلك ، فالوباء حدث غير عادي ، بل إنه حدث ثوري ، وستظهر نتائجه الفكرية والأخلاقية مستقبلاً ، ومنها عودة السياسة التي تفكر وتحمي ، وعودة الأمة الموحدة والدولة الستراتيجية ، فهذا هو ماسيساعد في تشكيل الدروس الأخرى للأزمة ..

  كتب بتأريخ :  الثلاثاء 17-11-2020     عدد القراء :  40       عدد التعليقات : 0