الدور الوطني لمسيحيي العراق منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة( الجزء الرابع) الآثاريون المسيحيون العراقيون

الآثاريون المسيحيون العراقيون

عندما يُذكر مسيحيي العراق نستحضر كل عوامل الإبداع والألق العراقي والعمق الحضاري والتجذر التأريخي في مكامن العطاء الزاخر والحضور التأريخي في إرساء دعائم التأسيس لكل مفاصل الدولة العراقية التي رفدها مسيحيوا العراق بأعلام الشخصيات في مختلف الإختصاصات ليساهموا في التشييد  وليتركوا الآثار الإيجابية في ركائز هذا البنيان الذي قامت عليه الدولة العراقية الحديثة.

في هذه الحلقة أتناول جانب آخر عن مساهمة علماء الآثار المسيحيون في رفع تراب آلاف السنين عن  أولى حضارات الإنسان التي قامت على أرض وادي الرافدين.

في القرن التاسع عشر غدت الأركيوجيا العراقية من أهم علوم ذلك الزمان والتي كشفت عن خفايا لم يكن العالم يعلم شيئاً عنها، ماعدا ماهو مُثبت في الكتاب المقدس وبعض كتابات الرومان والأغريق. ولأهمية هذا الموضوع أرى من المُفيد تعريف القاريء الكريم ببدايات العمل الآثاري في العراق والبعثات الأجنبية التي عملت في المواقع الآثارية منذُ بداية القرن التاسع عشر.

نابليون وأثر حملته

فقد رافقت حملة نابليون على مصر عام 1798م بعثة آثارية كان من أعضائها البارزين شامبليون الذي قدم للعالم مفتاحاً لحل رموز الكتابة الهيروغليفية بواسطة الحجر الأسود الذي عُثر عليه قُرب مدينة الأسكندرية، وهذا الحجر  يحمل نصاً واحداً باللغات الأغريقية والقبطية والهيروغليفية. وتمخّض عن أعمال البعثة الفرنسية الآثارية تلك، تأسيس أول معهد بحوث أثاري أجنبي يُقام في الشرق الوسط الذي أرسل فيما يعد الكثير من علماء الآثار إلى العراق.

كلوديوس ريج وتنقيباته

وفي عام 1807 عُيّنَ الشاب البريطاني كلوديوس جيمس ريج أول مُقيم لشركة الهند الشرقية البريطانية في بغداد، التي كان لها مُقيمين دائميين في أبرز مدن الخليج العربي، وكان ريج عالم آثار يتّقن اللغات العربية والفارسية والتركية بالإضافة إلى لغته الإنكليزية. وقام ريج ببعض التنقيبات في مدن بابل. وكان من أبرز أعماله خريطته الطوبوغرافية لمدينة بابل التاريخية واتي صارت مرجعاً مُهماً لمن أعقبه.وقبل وفاته بسنة واحدة زار ريج شمال العراق ومرَّ بمدينة الموصل وأطّلع على بقايا مدينة نينوى التأريخية ن واستطاع الحصول على بعض قطع النحت من المرمر وعدد من الطابوق المدوَّن بالخط المسماري، أُرسلت جميعها إلى المتحف البريطاني، وكانت أول آثار آشورية تصل أوربا. وفي عام 1835م اُرسلت إلى بريطانيا بامر ملكها وليام الرابع بعثة لمسح مجرى نهري دجلة والفرات من منبعيهما إلى مصبيهما، وكانت البعثة بقيادة الكولونيل جسني، وتَضمُّ الطبيب الجرح أنسورث الذي كان عالماً آثارياً وخبيراً بالجيولوجيا. واستطاع أنسورث جمع معلومات واسعة عن طوبوغرافية وأثار المناطق التي مرّت بها البعثة، ودوَّنَ الكثير من الملاحظات التي فسّرها في ضوء تضلّعه بالتوراة وإطلاعه الواسع على كتابات مؤرخي اليونان والرومان. وكانت لكتابات كل من ريج وأنسورث وغيرهم من الرحالة الأوربيين، الأثر الكبير في تطلّع الأوساط الأوربية لآثار العالم القديم.

التنقيبات الفرنسية في قوينجق

وفي منتصف القرن التاسع عشر بدأت المرحلة الثانية من عمليات التنقيب بأيدي عدد من القناصل والهواة، وكان أوّلهم نائب القنصل الفرنسي في الموصل أميل بوتا، الذي أُرسل من قِبل المعهد الفرنسي في القاهرة بتكليف من الجمعية الآسيوية للآثار في فرنسا، فباشر بوتا عمله عام 1842م في تل قوينجق في نينوى، غير أنه لم يستطع تحقيق نتائج مُشجّعة بسبب ضخامة التراكمات والأنقاض التي تُغطّي بقايا القصور والمعابد فتحول إهتمامه إلى خورسباد(دور شروكين:العاصمة الآشورية الأخرى، واكتشف منحوتات تعود لفترة إزدهار نينوى، فكتب إلى الجمعية الآسيوية في باريس يُعلِمُهم بذلك، مما زاد من دعم الجمعية له فألحقت به رساماً قديراً هو فلاندن ليعاونه في توثيق ورسم مُكتشفاته.

وفي عام 1846م وصلت إلى فرنسا أولى المنحوتات الآشورية مُحملة على ظهر باخرة فرنسية، وأستقرت في متحف اللوفر في باريس. واستمرت التنقيبات الفرنسية في خورسباد ونينوى من قِبَل خليفة بوتا فكتور بلاس نائب القنصل الفرنسي في الموصل، الذي كان مُهندساً معمارياً، والذي أعدَّ مخططاً كاملاً لتفاصيل قصر سرجون في خورسباد. ونشر بوتا وبلاس مُكتشفاتهما في مطبوع ضخم، وكان إستقبال هذا الكتاب مُنقطع النظير في فرنسا وخارجها.

لايارد  و هرمز رسام

في عام 1840 وصل الموصل المحامي البريطاني الشاب هنري أوستن لايارد موفداً من قِبل ( ستراتغورد كِننك) السفير البريطاني في الأستانة(استنبول)، وفي الموصل قابل لايارد الطبيب أنسورث أحد أعضاء بعثة( جسني) والتقى كريستيان رسام  نائب القنصل البريطاني في الموصل، وتعرّف على أخيه  الشاب  هرمز  رسام الذي أصبح فيما بعد أول وأشهر مُنقّب آثار عراقي، ثم سافر لايارد إلى بغداد وقام بجولات وسط وجنوب العراق واختلط بالعشائر القاطنة على الحدود الأيرانية. ثم رجع إلى الموصل حيث التقى المُنقّب الفرنسي (بوتا)، ثم رجع إلى أستانبول وقدّم تقريراً مُفصّلاً عن أحوال العراق للسفير( كِننك)الذي أرسله ثانية إلى الموصل عام 1845 ليبدأ بأول تنقيباته في العاصمة الآشورية نمرود(كالح) يعاونه الشاب هرمز رسام، وحصل لايارد ورسام على أولى المكتشفات عن الثيران الُمجنّحة والمنحوتات الأدمية والحيوانية، وأرسلت بحراً إلى إنكلترا ووُضعت في المتحف البريطاني.وفي عام 1849 نشر لايارد أعماله في كتاب(نينوى وبقاياها)ظنّاً منه أن المدينة التي نقّب فيها هي نينوى.

في طريق عودته إلى بلده مرَّ لايارد بقلعة تلعفر ورسم بقاياها وشاهد من فوق قلعتها العالية عشرات التلول المتناثرة على إمتداد السهل جنوباً وغرباً وقال في حينها أنها بقايا مدن آشورية، وكم تمنى التنقيب فيها.

أول متحف آثاري عثماني

واصل هرمز رسام ما بدأ به لايارد، فعمل في (تل قوينجق-نينوى) التي أولاها إهتمامه قبل سفره، كما عمل رسام في مواقع أخرى شمال ووسط العراق. وفي عام 1877 تأسس أول متحف أثاري عثماني ترأسه حمدي بك، إبن أحد رؤساء الوزارات السابقين، الذي سنَّ قانون تحصل بموجبه الأمبراطورية العثمانية على النصف من الآثار الُمستخرجة من قِبل بعثات التنقيبن وبذل حوى هذا المتحف فيما بعد على كنوز غاية في الأهمية.

بعثات أجنبية متوالية

وفي عام 1899 قدّمت إلى العراق بعثة تنقيب المانية برئاسة (روبرت كولد فاي) وضمّت (نولدكة، يوليوس،وفالتر أندريه) واستمر عمل البعثة إلى عام 1914، وبعدها توقف عمل بعثات  التنقيب بسبب إندلاع الحرب العالمية الأولى.

وفي الفترة مابين الحربين العالميتين 1918-1939 عاودت البعثات الآثارية عملها وقدمت بعثات جديدة من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها. ففي عام 1918 بدأ البريطاني (كاميل تومبسن)تنقيباته في أور وأريدو والوركاء، وفي عام 1927 تحوّل تومبسن للعمل في نينوى والتحق به سنة 1931 الآثاري البريطاني الناشيء (ماكس ملوان) بصحبة زوجته (أجاثا كريستي) كاتبة القصص البوليسية المعروفة والتي تعرّف عليها عشرينات القرن العشرين أثناء عمله مُساعداً للآثاري (السير ليونارد  ودلي)الذي بدأ العمل عام 1922 مع بعثة بنسلفانيا الأمريكية والتي إستمر عملها إلى عام 1934، ومن أهم مُكتشفات ليونارد ودلي، المقبرة الملكية في أور وموجوداتها من الحلي والأسلحة والمجوهرات والأثاث المصنوعة من الذهب والآزورد وغير ذلك من الأحجار الكريمة، كما أعلن ودلي عن إكتشافه لبقايا آثار الطوفان والحي الذي سكنه أبونا إبراهيم.

بعثات جامعية عالمية للتنقيب

كما ساهمت بعثة المعهد الشرقي التابع لجامعة شيكاغو في العمل الآثاري لمواسم عدة في ديالى إلى الشرق من بغداد وفي مواقع :خفاجي،أشجالي و أسمر، وكان من أبرز أعضائها (فرانكفورت، جاكسن، وسيتن لويد)، كما عملت البعثة الفرنسية في منطقة الفرات وترأس العمل في مواسمها الأخيرة الآثاري الرنسي المعروف أندريه بارو. أما البعثة المشتركة بين جامعتي أكسفورد وهارفر فعملت في كيش وجمدة نصر إلى الشرق من بابل. وعملت بعثة اخرى من جامعة هارفرد برئاسة عالم الآثار( شتار)قرب قرب كركوك في موقع  يضم  مدينة توزي   الشهيرة من أواسط اللف الثاني قبل الميلاد.

وبعد إندلاع الحرب العالمية الثانية توقف عمل البعثات الأجنبية ليبدا عمل الآثاريون العراقيون الذين ضمّتهم دائرة الآثار العراقية برئاسة ساطع الحصري. وبعد إنتهاء الحرب عادت بعض البعثات مباشرة لتعاودعملها في المواقع التقليدية، كما قدمت بعثات أثارية جديدة لبدء التنقيبات في مواقع جديدة لم  يُنقّب فيها من قبل، منها بعثة جامعة طوكيو التي عملت قرب تلعفر.

وأثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها، عاد إلى العراق الكثير من علماء الاثار العراقيون بعد إنهاء دراستهم في اورباوامريكان وبدأوا العمل بنشاط في مواقع آثارية شمال ووسط جنوب العراق، كما بدأت حملة التاليف والنشر للتعريف بأهم المواقع الآثارية وأُرسلت البعثات العلمية للتخصص بعلم الآثار واللغات القديمة، وبذلك ظهر جيل من علماء الآثار العراقيون، شكّل المسيحيون نسبة جيدة منهم، ومن أهم هؤلاء العلماء نذكر منهم:

1- الأستاذ فؤاد سفر 1910-1978

وُلد في الموصل من عائلة مسيحية معروفة. حصل شهادة الماجستير من المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية عام 1938 في موضوع الآثار واللغات القديمة. تعلّمَ الخط المسماري، وقاد التنقيب بنجاح مع الدكتور طه باقر في عقرقوف والدير وتل حرمل والضباعي والمقيّر وحسونة والحضر، فنشر نتائج اعماله هذه داخل وخارج العراق، وبذلك وضع الأُسس العملية لما يمكن ان يُطلق عليه:المدرسة العراقية للآثار. كما بذل جهداً إستثنائياً لتأسيس أول معهد لدراسة الآثار والحضارات القديمة في البلاد عام 1951، بالتعاون مع زملائه في حقل التعليم العالي. وتخرَّج من هذا المعهد الكثيرون الذين أصبحوا النواة التي إنطلقت منها تشكيلات الهيئة العراقية للآثار. كما كان عضوأً في تحرير مجلة سومر الأثارية، وألّفَ كتب عديدة المطبوع منها تجاوز العشرة كتب، بلإضافة إلى المقالات والبحوث العلمية الراقية.

2- فرج بصمجي 1915-1987

وُلد في بغداد من عائلة مسيحية معروفة. حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الآثارمن جامعة بازل في سويسرا عام 1943. عمل مُفتشاً في دائرة الآثارن ثم مديراً للمتحف العراقي، وأستاذاً مُحاضراً في كلية الآداب/جامعة بغداد، وكان عضواً في مجلس المتاحف الدولي الذي مقّره لندن. حضر الكثير من مؤتمرات اليونسكو الآثارية. وأقام الكثير من المعارض الآثارية وافتتح عدة متاحف أثارية في العديد من مدن العراق.

صدر له عام 1972 كتاب كنوز المتحف العراقي وهو موسوعة تحكي قصة الحضارة على أرض العراق بحسب تسلسل العهود مع ثبت بقوائم أسماء الملوك والخلفاء الذين حكموا العراق، كما طُبع له دليل المتحف العراقي عام 1960 كما أصدر نشرة الوركاء ونشرة نفر.

3- بشير فرنسيس 1909-1994

وُلد بشير يوسف فرنسيس في الموصل. خريج دار المعلمين العالية. عمل مُدرساً لمادة التاريخ إلى عام 1938 بعدها نقله ساطع الحصري إلى دائرة الآثار بوظيفة مُفتّش عام. شارك في مؤتمر الآثار الأول في دمشق خلال واجباته الرسمية، قام باستكشاف المواقع الأثرية والشواهد الأثرية التاريخية والمباني القديمة في معظم أنحاء العراق. وسجّل عن كل موضع مُشاهداته ودراسته عنه في ملفات خاصة بدائرة الآثار. له مؤلفات عدة تجاوز المطبوع منها العشرة في مواضيع التاريخ والآثار. للأستاذ عبد الحميد المطبعي كتاب وضعه عن سيرته.

4- بهنام أبو الصوف 1931-2012

ولد في الموصل عام 1931. حصل على شهادة بكالوريوس في الآثار والحضارة من كلية الآداب جامعة بغداد عام 1955. اكمل دراسته العليا في جامعة كمبردج في إنكلترا وحصل عام 1966 على شهادة الدكتوراه في الآثار ونواة الحضارة وعلم الإنسان، عمل لسنوات عديدة في التنقيب عن الآثار في مواقع كثيرة وسط وشمال العراق.عمل مشرفاً على التنقيبات في حوض سد حمرين وسد أسكي موصل. حاضر لسنوات عديدة في مادة جذور الحضارة والآثار والتاريخ في عدد من جامعات العراق ومعهد التاريخ العربي للدراسات العليا. أسهم في العديد من مؤتمرات الآثاروالحلقات الدراسية داخل العراق وخارجه. دُعي لإلقاء أحاديث ومُحاضرات في جامعات أمريكية وأوربية عن آثار العراق ونتائج تنقيباته. شغل عدد من الوظائف العلمية والإدارية في هيئة التراث والآثار منها: باحث علمي، مديراً للتحريات وحماية المواقع الأثارية، مدير عام للآثار ومتاحف المنطقة الشمالية.

أثناء تواجدي في عمّان 2009-2012 إلتقيت به في مناسبات عديدة واستمتعت باحاديثه حول كنوز وآثار العراق. توفي في عمان ودفن فيها عام 2012. رحمه الله وأسكنه فسيح جنّاته.

5- عبد الكريم بُني/

خريج كلية الحقوق، وباحث في تاريخ ولغات وآثار الحضارات السومرية والأكدية والآشورية والبابلية والكلدانية. إتّقن اللغة السومرية وهو أول عراقي يترجم مسلة حمورابي مباشرة من المسلة عام 1930، كما وضع كتاباً في قواعد اللغة الأكدية-الآشورية، ونشر كتاباً بعنوان(بابل عروس الفرات).

6- إن أول عالم آثار عراقي هو هرمز أبن الشماس أنطوان رسام، وُلد هرمز رسام عام 1826 وتوفي عام 1901.

وُلدَ رسام في الموصل من عائلة رسام الشهيرة التي برز منها شخصيات لعبت أدواراً مهمة في حركة النهضة في القرنين التاسع عشر والعشرين. فشقيقه كرستيان شغل منصب القنصل العثماني في أورميا(إيران) في بداية القرن العشرين. يصفه الكثير من المؤرخين بانه سبق زمانه، فقد سافر إلى بريطانيا عام 1842 وحصل على شهادة عليا في علم الآثار ورجع إلى الموصل لعمل مع الآثاري البريطاني لايارد في عمليات التنقيب في نمرود(كالح) وواصل عمله في مواقع كثيرة شمال ووسط العراق وهو الذي إكتشف مكتبة آشور بانيبال، وهي أعظم مكتبة في العالم آنذاك، كما إكتشف بوابة شلمانصر ولازالت صورته مُعلقة في غحدى قاعات المتحف البريطاني إعتزازاً بجهوده.

(وإلى الحلقة الخامسة في العدد القادم)

  كتب بتأريخ :  الخميس 19-11-2020     عدد القراء :  336       عدد التعليقات : 0