قراءة في المجموعة القصصية ( خيانة الناطور ) للاديب لطيف عبد سالم

تتوزع اهتمامات الاديب ( لطيف عبد سالم ) في جوانب متعددة من اصناف واشكال الادب ( باحث . قاص . ناقد . كاتب ) اضافة الى نشاطاته في اختصاصه العلمي ( مهندس استشاري ) حاصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية / الجامعة التكنولوجية عام 1979 . وينشط في هذا الجانب كمهندس استشاري ويسهم في المقالات العلمية في مجال اختصاصه , وهذه المجموعة القصصية ( خيانة الناطور ) جزء من اهتمامات الادبية المتنوعة . والمجموعة تحتوي 12 قصة قصيرة . مادتها الاساسية أو خامتها الاساسية هي الواقع الفعلي والمعاشي , يوظف خياله  في الفن القصصي الحديث , في الاتجاه الاسلوب الواقعي في الطرح والتناول , في الغوص في اعماق والواقع واخراج محاراته الدالة في الرؤية البصيرة في ثنايا المعنى والايحاء الدال , من خلال الرمز وشفراته  في التعبير البليغ, من خلال لغة سردية مشوقة تشد القارئ , وتجعله  يتأمل ويفكر في المحتوى الدال بالمغزى من خلال الحدث السردي , ومفردة ( الناطور ) هي مشتقة من مفردة ( الناظور ) يعني العين الساهرة واللاقطة التي ترصد وتراقب الأشياء المحسوسة والظاهرة , لكن يجعل لها بعد وخلفية عميقة , في هذه عين ( الناطور ) الساهرة على مصالح الناس والحياة , بمسؤولية بالواجب الذي يقوم بتأديته . لذلك ان مفردة ( الناطور ) هي واسعة المعنى والمعاني  والافاق ,  وتدل على  اصغر خلية في المجتمع الى اعلى خلية في المجتمع . يعني من رب العائلة الى اعلى وظيفة ومنصب في الدولة . لكل هذه الخلايا والفئات  الاجتماعية مسؤولية وواجب ودور ملقاة على عاتقها  , وعلى هذه المسؤولية تتوضح معالم الحرص والاخلاص والنزاهة , وكذلك العكس  معالم التسلط بغطرسته العالية والظالمة , او بالتقاعس والتقصير في المسؤولية , وبذلك يحرم الكثير ان يقعوا في حوافر  الظلم والقسوة والمعاناة . من هذا المعيار يمكن ان يكون ( الناطور ) بادرة خير وعطاء , ويمكن ان يكون العكس سوط ظلم  وقهر ومعاناة , بالنسبة الى المهمة والامانة والواجب والحرص , مثلما رب  العائلة يجهد ويكدح بعرق جبينة من اجل ضمان العيش لافراد عائلته , بالضبط تقع هذه المسؤولية من يملك سلطة ومنصب الصغير والكبير   . ان يكون حارساً اميناً للخير والعمل الصالح ان يؤدي قسم المسؤولية باخلاص ونزاهة . مثل تأمين العيش الكريم للفقراء تقديم الخدمات العامة الضروية , تحسين حالة المستشفيات من حالة البؤس المزري , توفير لقمة العيش من خلال توفير فرص العمل للعاطلين , ارتقى بالحياة الى الارقى , وعكس ذلك  فأنه يحرث في الحزن والمعاناة والظلم والحرمان , هذه منطلقات المجموعة القصصية ( خيانة الناطور ) ولكنها تشكف من خلالها الجانب السلبي والايجابي بمهمة العين الحارسة . هذه دلالات المتن السردي في احداثه السردية المتنوعة . في اشاراتها المهمة والحيوية , ولنتحرى بنظرة استقرائية نماذج النصوص القصصية :

× نجد في قصة ( مُواءمة ) : التماثل والتوافق والتطابق في الحب والحنان الاخوي بين الاخ الكبير , الذي يعطف برعاية الاخوية بالحب الى شقيقه الصغير في المسؤولية العفوية بالتعاطف والحنان , وعندما ذهب الشقيق الكبير الى جبهات القتال , افتقده  الشقيق الصغير وشعر بألم وحزن والفراغ في  غيابه , ورعايته التي كان يرفل بها , لذلك اراد ان يرد الجميل الاخوي , اخرج قلماً وورقة , تطلعت اليه أمه بأستغراب , وتساءلت ماذا يريد ان يفعل ؟

( رفع رأسه نحوها مبتسماً وقال :

- اكتب رسالة الى اخي

قالت له والذعر بائن في نظراتها .

- كيف تكتب رسالة , وأنت لا تقرأ ولا تكتب

أشار اليها بيده قائلاً :

- وما الضير في ذلك , ما دام هو ايضاً لا يجيد القراءة والكتابة ) ص12 .

× وفي قصة ( المجهول ) : الشعور بثقل الدين المالي بذمته , الذي استلفه لحاجته المعاشية القصوى , ولكن العوز والفاقة المالية لم تجعله أن  يسدد دينه المالي , يشعر بثقل المسؤولية وعدم قدرته على  المواجهة  الذي اعانه في محنته المالية , يشعر بخجل بعجزه عن التسديد بمافي ذمته , لذلك كلما اقترب المسلف المال يهرب من بيته , لانه يشعر بالتقاعس والخجل  برد المعروف  والمسؤولية والجميل .

 × وفي قصة ( استلاب ) نجد دور السلطة الظالمة بعنجيتها الظالمة والمتعالية والمتغطرسة في اسلوب الذل والهوان الذي تمارسه بوحشية بحق  الناس , في اسلوب متعجرف طاغٍ على رقاب الناس بالارهاب والقسوة والتعذيب النفسي والجسدي . وهو مثال لكل سلطة ارهابية وقمعية تجعل المسؤولية سوطاً يجلد الناس دون رحمة وشفقة . ومن خلال الحدث السردي يظهر قسوة الشيخ ( إقطاعي ) و( سركاله ) في اسلوب الذل والهوان على رؤوس الفلاحين الفقراء , الذين يجعلهم عبيد وخدم  لسلطته القاسية , فبعد العناء والتعب طوال النهار يرجع الى البيت منهوك القوى والجهد بالارهاق والتعب ويحاول ان يأحذ غفوة قصيرة  لان يغشو النعاس على عينه , وفجأة يسمع طرقات على باب بيته الطيني , ويدخل ( السركال ) متهجماً بالعبوس والغضب كأنه يطارد مجرماً محترفاً , وبيده عصا  الخيزران الذي تعود بها ضرب الفلاحين دون رحمة, وصاح به غاضباً :

( - ماذا تقول ايها الكلب , تعصي أمر الشيخ ) ص24 .

ولم تنفع التوسل والحلف, بأنه يبجل ويحترم الشيخ ومنزلته الكبيرة , ولم يرحمه  رغم التوسل والاستعطاف , والسركال يزداد بشاعة وقوة في الاذلال. ويقوده الى الشيخ , كما يجر خلفه كلب سائب , هذه شهوة السلطة المتغطرسة , تؤجج نيران الغضب والتمرد . كأن المسؤولية هي  التعالي واضطهاد  الاخرون  ادنى درجة  .

× وفي قصة ( المواجهة ) : الام تحرص في مسؤوليتها في تربية ورعاية  أبنها الصغير اليتيم ,  ليهتم بدراسته حتى بتفوق   ويفتح باب الامل في مواصلة دراسته بأقتدار  , لكن  الصغير لم يكف في طرح السؤال بشكل مستمر على أمه عن كيفية وفاة والده . واصبح يتيماً لفقدان الاب . فلم يجد الاجابة التي تشبع نهمه وتوقف قلقه , لانه يسمع من أهل القرية ,  بأن أبيه مات مقتولاً .  والام تحاول ان تتهرب من الاجابة , بقولها بأنه مات مثل الاخرين . ولكن اصراره في المعرفة بما يسمع من الناس , فتقول له بحنان وعطف ( - دع عنك هذا الهراء ياولدي , أنتبه لنفسك , ما يطرق سمعك ليس سوى مكيدة , ابتكرها من يضمر لك الكراهية سراً ) ص32 ,

هذه المسؤولية التي تشعر بها الام ,  لكي يتفرغ ابنها الى دراسته ولمدرسته ,  وان يحوز التقدم والنجاح .

× قصة ( خيانة الناطور ) وهي تحمل عنوان المجموعة القصصية . وهي تشير الى مسألة في غاية الاهمية , التي ظهرت في العهد الجديد , في الشهادات المزورة وسرقة جهود وتعب الاخرين والاستيلاء عليها بطرق احتيالية مخادعة , وخاصة الرسائل العلمية العليا , تكون حصة الاخرين  بدون ادنى  جهد وتعب في الحصول على الشهادات العلمية العالية , وهي تمثل افدح  خيانة للمسؤول , أومن  سلبيات  الجديد   , وهذه الظاهرة الجديدة تمثل صورة في الاستهتار في المسؤولية . قدم احد الباحثين جهده في دراسة  علمية   الى احدى المراكز المشرفة على الرسائل العلمية , وبعد كلام معسول يثمن جهده ورسالته العلمية  , و عليه ان ينتظر حتى يتوفر  الدعم المالي ليقدمها في احدى نشاطات المركز , وتمضي الاعوام دون بارقة امل في ذلك. وصدفة بعد اعوام نزل يوم الجمعة الى شارع المتنبي , وخلال بحثه في المكتبات  وجد رسالة علمية مطبوعة في ورق مصقول وبأنقة باهرة  , ويشير عنوان  رسالة ماجستير حصل عليها الطالب شهادة الماجستير  ,نفس  عنوان رسالته العلمية ,  يحمل نفس عنوان رسالته التي قدمها الى المركز , التي اضنى عليها سنوات من الجهد والتعب  , وراح يقرأ الصفحات ,  وجدها انها نفس كلماته التي كتبها في رسالته , وتطلع الى الاسم , وجده غير أسمه. يعني نفس الرسالة العلمية التي قدمها الى المركز  ولكن وجدها مصادرة  بأسم آخر .

× وفي قصة ( ضياع الذات )  : تمثل حقيقة مرة للكثير من الفقراء  في الرحيل من قراهم والمجيء الى المدينة لكسب العيش , وهي مأساة حقيقية للفقراء . في الحدث السردي يروي  بأن احد القرويين رحل من قريته وجاء الى المدينة للكسب العيش والرزق لعائلته , وكان كل يوم يذهب الى مسطر العمال , لعل يجد رغيف الخبز لعائلته , حتى في الايام الملبدة بالغيوم والبرد , ينتظر ساعات طويلة لم يجد احد يشفق عليه ويناديه للعمل اليومي , لذلك يخيب أمله في المدينة التي تعج بالضجيج والازدحام بالمارة والسيارات . يجد نفسه وسط التيه والضياع . وتيقن انه يعاني مرارة الحرمان وشظف العيش أشد  تعاسة  من قريته , وينهار بالاحباط واليأس بداخله .

× وفي قصة ( جرح نازف ) : سرد مأساوي حقيقي يعاني منه الكثير من المرضى  , بأنهم  لم يجدوا العلاج والرعاية الطبية في تجاوز محنة المرض الى الشفاء  , لا في المستشفيات الحكومية في حالتها المزرية والبائسة , ولا يوجد تأمين صحي كفيل بالمعالجة , ولا في عيادات الاطباء الخاصة  التي تستنزف الاموال دون فائدة في العلاج والشفاء . لذلك اشار عليه  احد الاطباء  بأنه لا يرجوا نفعاً بالعلاج في  داخل الوطن ,  سوى بعثرة وصرف  المال دون جدوى   , وعليه ان يجد علاجه خارج البلاد , وبالفعل جمع المال اللازم من المعارف والاصدقاء , وذهب الى مدينة عربية , واجراء العملية واخبره الدكتور بنجاح العملية , فزف الخبر والبشرى السعيدة الى الاهل , الذين فرحوا بسرور وابتهاج , ولكن بعد ساعة ونصف طرق بابه احد المشرفين في المستشفى ليبلغه بالخبر الصاعق , بأن المستشفى بفعل وباء كرونا المنتشر , تحول الى الحجر الصحي وعلى المرضى مغادرة المستشفى فوراً , وجد نفسه مرمياً بالشوارع التي لا يعرفها  , وهام على وجهه يحمل جرحاً دامياً ومؤلماً , وهو ينظر عبثاً , كأن الدنيا اطبقت بسوادها عليه .

× الكتاب : مجموعة قصصية . خيانة الناطور

× المؤلف : لطيف عبد سالم

× النشر : مكتبة فضاءات للفن والطباعة

× التصميم :يوسف شنشل

الطبعة الاولى : عام 2020

× عدد الصفحات : 81 صفحة

  كتب بتأريخ :  الأحد 13-12-2020     عدد القراء :  144       عدد التعليقات : 0