عن الزمان الذي يخيفنا

أكتبُ مقالتي هذه في الأيام الأخيرة من عام 2020 ،وعندما سيقرأها القرّاء الأعزاء يكون عام 2021 قد حلّ بيننا .

ربما يكون من قبيل المخالفة أن أكتب عن مفردة مثل ( الخوف ) ونحن نستقبلُ عاماً جديداً ؛ لكن ليس من الحكمة أن نحاول التملّص من بعض مخاوفنا (الجمعية) عبر الإنغماس في أفراح أو سعادات جمعية مثلما يحصل في إحتفالات رأس السنة .

جميلٌ أن نفرح كل وقت ؛ لكن يبدو لي أن بعض أفراحنا إنما هي لتناسي الأحزان التي نراها ( أو نتصوّرها ) في وجودنا البشري . هل هناك في هذا الوجود أكثر مدعاةً لحزننا الجمعي من تصوّر انزلاق الزمان من بين أيدينا وتلاشيه في غمرة العدم الكبير .

يتعامل أغلبنا مع الزمان مثلما يتعامل السماسرة الجشعون مع المال : نتحسّر كلّما مرّ عامٌ ونراه إيذاناً أو تذكرة لنا بأننا خسرنا عاماً من حياتنا المحدّدة بقدر معلوم من السنوات على هذه الأرض ،وأظنّ أنّ تمادينا في الأجواء الإحتفالية ليس سوى غطاء ثقيل يموه خوفنا من لحظة التلاشي القادمة لامحالة .

لطالما تساءلتُ : لماذا يخشى الإنسانُ سنواته القادمة حتى لو كان في مطلع حياته ، ولماذا تتعاظم مناسيب الخوف لديه كلما تقدّم عمره ؟ أظنّ أن منشأ هذا الخوف ( الوجودي ) يكمن في ثنائية متلازمة : الحسرة على مالم يتحقق في السنوات الفائتة ،والخوف من قلّة ماتبقى من الزمان لإنجاز مالم يُنجَز في مامضى . النتيجة واحدة في كل الأحوال : شعورٌ مقلق وخوف مَرَضي ( قد يستحيلُ عَوَقاً نفسياً مزمناً ) من قادمات الأيام .

هناك الكثير من التفاصيل المحيّرة في هذا الموضوع . ماهو الزمان ؟ لماذا نتصوّره نهراً جارياً ونحنُ نعبُّ مياهه التي لن تلبث أن تتناقص حتى تجف لتتركنا في لجة السغب القاتل؟ الزمان تصوّر نفسي محض ،وهو كينونة أولى وُجِدت متلازمة مع المكان في لحظة الوجود الأولى ( لابأس أن نسميها الإنفجار العظيم ) . الزمان مواضعةٌ نفسية تخلقها أوهامنا : هذا مااتفق عليه أكابر الفيزيائيين النظريين ؛ فعلامَ نتخيّله خزنة سينضب مخزونها عمّا قريب؟ كلّ البشر مسكونون بهذه الحقيقة : الشعور بأننا لم نحقق ماكان يتوجّب تحقيقه منذ سنوات مبكرة، وأن الوقت المتبقي لايكفينا لتحقيق (ولو بعض) ماعجزنا عن تحقيقه في الماضي . هذه حقيقة بشرية وجودية عانى وطأتها حامل جائزة نوبل مثلما الذين يعيشون حياتهم يوماً بيوم . هي لعبة لانهائية ، ولن ينفع معها سوى أن نروّض أنفسنا على المعنى الكامن في الأمثولة الحكيمة ( بدل أن تنشغل بترقيع الثقوب العتيقة تمتّع بنشوة الخمر الجديدة ) .

هل تساءلنا يوماً ماهي الأهداف العظمى التي نتحسر على عدم تحقيقها ؟ هل تصوّرنا يوماً أنّ عظائم الأفعال قد يكمن في صغائر الأفعال ؟ أتذكّرُ صديقاً مستور الحال كان يردد دوما أنّ أعظم مايتمنّاه في حياته أن يرى العراقيين يقابلونه صباحاً بابتسامة تعلو وجوههم . عاش صديقي هذا حياة أراها مقبولة بكل المقاييس ، وغادر هذه الحياة من غير شكوى أو امتعاض .

كل عظماء المفكّرين والعلماء مسكونون بقناعة ميتافيزيقية أنّ الزمان ( أي سنوات العمر ) ليست سوى وهم، وأن الموت ليس سوى محطة عبور نحو عالم موازٍ لعالمنا، وقد يكون - ربما - أكثر فتنة وإدهاشاً من عالمنا . لماذا إذن نحجب عن أنفسنا إمكانية العيش في هذا الحلم الميتافيزيقي الجميل ونبقى مأسورين لقوانين الزمان وماتسببه من خوف مستديم ؟

كلّ عام وأنتم بخير .

  كتب بتأريخ :  الأربعاء 06-01-2021     عدد القراء :  40       عدد التعليقات : 0